بقلم: دكتور عبدالمنعم عبدالمحمود العربي المملكة المتحدة

البروفيسور خالد ناجي أستاذ الجراحة

سلام عليكم  دكتور ياسر بابكر عبدالمحمود العربي كل عام وانت بخير أولاً التهنئة لك شخصياً ولمستشفاك علي ما قدمته  أنت من تميز وإنجاز في جراحة إصلاح مفاصل الركبة بطريقة جديدة فكان سبقاً طبياً يحدث لأول مرة في دولة قطر وإني لأرجو لك مزيداً من النجاح والتوفيق بل لكل من هو معك من الزملاء السودانيين الذين يمارسون  بتفوق مهنة الطب الشريفة في تلك الدولة الفتية. فأنتم بحق خير السفراء غير الدبلوماسيون في الخارج للوطن الحبيب السودان.

كل الشكر علي إرسالك لي الرابط التوثيقي عن كلية طب بغداد التي كانت عظيمة ومرموقة أيام دراستي بها وذلك بعظمة أساتذتها وطلابها المميزين. أعدت لي شجناً كامناً وذكريات حبيبة حبيسة قهرها الحزن العميق لما آل اليه القطر القوي الجميل العراق من تفكك وتدهور في كل شيء. العراق كان جميلاً بشعبه وتاريخه وحضارته الضاربة في القدم وبأنهاره ونخيله وسرادقات ما تبقي من آثار سومر وبابل ثم العصر الإسلامي  القديم والحديث .عليه تجدني قد تذكرت كل الأساتذة النجباء الذين دروسنا بكل تفاني وإخلاص وكان قدوتنا الكبري في مجال الجراحة معلمنا العالم البروفيسور خالد ناجي عليه رحمة الله الذي كان يعادل في الشهرة والمقدرة والذكاء والإنتاج الغزير البروف عبدالله الطيب في السودان فكان خالد ناجي بحق جالينوس  طب كل العراق حتي وفاته العام ٢٠٠٨. كان ذكياً ونشطاً إلي الحد البعيد وكان شجاعاً لا ينهزم في الإجتماعات العلمية. كان يخرج ضاحكا بضحكته الجميلة  رافعاً رأسه ويقول " رميت رصاصاً في حلوقهم " أي أنه أسكت الجميع، كان يقوم بإجراء أكثر العمليات تعقيدً عندما يستدعيه الجراحون الآخرون وكانت تزداد قامته الجميلة الفارعة طولاً عندما يخرج مزهواً من غرفة العمليات وقد أجاد النجاح . عند عودتي للسودان وإن كان الشيء بالشيء يذكر فإنني قد تدربت علي من هو مثيل له ألا وهو الجراح شيخ جراحي السودان البروفيسور أحمد عبدالعزيز عليه رحمة الله والذي كان أيضاً فخر السودان كله وكلنا الأطباء الذين عاصرناه وتدربنا علي يديه وفخر مستشفي الخرطوم الذي كان يديره بتفان وجدارة وداينميكية لا تفتر. لا عجب إذاً فقد كرمته الكلية الملكية البريطانية بشرف العضوية.

كلية طب بغداد (للذين لا يعلمون)  كانت من أحسن كليات الطب العالمية و لها مستشفي تعليمي ضخم ، لا يزال، يسمي مدينة الطب نسبة لكبر مساحته وتعدد مجالاته خلاف كثرة العنابر وردهات التدريب السريري ففيه كل التخصصات بما فيها قسطرة القلب حتي جراحة القلب المفتوح والتي كنّا نحضر ونشاهد إجراء تلك العمليات المعقدة خلال السبعينيات علي يد الجراح المشهور والبروفيسور الماهر يوسف النعمان الذي كان مشهوراً أيضاً بعشقه وإجادته لعب كرة التنس. مدينة الطب كانت لا تقل عن أي مستوي صرح طبي في ذلك الزمن مقارنة بمستشفيات أروبا وأميركا لأن الدولة قد بالغت في الصرف عليها والإهتمام بها كصرح تعليمي مرجعي علي مستوي عالي من الجودة.

بروفيسور خالد ناجي كان يحب طلابه وكانوا يحبونه. كان طويل القامة يتمتع بمسحة سمرة خفيفة وجميلاً في كل من خلقه وخلقته وملابسه التي كان يختارها بعناية وذوق فني راقي وكانت لا تفارقه تلك الزهرة الجميلة زهرة  الروز التي كان يضعها أعلي صدر جاكتته  يغير لونها حسب تغير الفصول. كان يعترض طريقه الطلاب والطالبات المعجبون ليطرحوا عليه سؤالاً أو ليحيونه أثناء عبوره ساحة الكلية الواسعة التي كانت تتوسط مكاتب الإدارة والمختبرات وردهات المحاضرات التي كانت تحمل أسماء العظماء من علماء الطب والكيمياء والفلسفة أذكر منها قاعات الرازي والكندي وابن سينا والفارابي. إلخ. كان خالد ناجي يضم الطالب إليه في حنو الأب العطوف ولا يخيفهم أبدا بل كان الأخ والأب المتواضع حاضر النكتة. أذكر أن إمرأة في ربيع الأربعين تحضر من الباب الخلفي كل محاضرات البروف خالد ناجي وقيل لنا أنها كانت طالبة طب هامت حباً فيه ولكنها لم تنجح في الفوز به أو بإكمال دراسة الطب لما أصابها من إكتئاب شديد لازمها حتي تخرجنا ومغادرتنا الكلية. البعض من المتعاطفين من الطلاب كانوا يلومون خالد ناجي علي ذلك الحرمان الذي دمر حياة تلميذته.  

أذكر أن بغداد كانت آنذاك المضيفة لدورة مؤتمر الأطباء العرب علها العام الرابع والسبعين فجاء وفد كبير وزارنا منهم في الكلية البروفيسورات الضو مختار عليه رحمة الله وعبدالحميد سيد عمر وعثمان عبدالمالك  وقد لفت إنتباهي إعجاب البروف الضو بتصميم قاعة المحاضرات الكبري ( التي كنت تسع دفعتنا التي تضم ثلاثمائة طالباً وطالبة)  وسبوراتها  التي كانت تتحرك كهربائياً في جميع الاتجاهات أعلي وأسفل يمنة ويسري ( آنذاك قبيل ثورة التكنولوجيا الرقمية) وأذكر جيداً إعجاب البروف الضو الشديد بتلك القاعة لدرجة أنه أمسك بالميكروفون والطباشيرة فكتب علي السبورة الضو مختار ثم توجه نحو  المقاعد ومثل كأنه يحاضر طلاباً وهذا يدل علي تلك البساطة والسماحة وروح المرح التي كان يتمتع بها أساتذتنا أيضاً من السودانيين وعلي رأسهم كان ذلك  كريم السجايا البروفيسور الضو مختار الذي قد إفتقدته كلية الطب بجامعة الخرطوم بل إفتقده كل السودان وكذلك زملاؤه الذين كانوا يستفيدون من علمه وفنه في التشخيص وسرعة البديهة وفوق كل ذلك التواضع الجم والخلق الحسن.

أطلت عليك دكتور ياسر  العربي  ولكن كما تعلم إن في بعض الحديث أو ذكر المواقع والمناسبات ما يذكي شجون الذكريات و ما بغداد عندي إلا الخرطوم الأخري عشتها فيها أياماً جميلة يحتويها نهر دجلة بشواطئه الجميلة كشارع أبي نواس السياحي المشهور مثل الخرطوم يحتويها النيل العظيم الخالد بفرعيه الأبيض والازرق وكما للخرطوم عبق يفوح بتاريخ بعانخي وتهراقا فلبغداد عبق تاريخ أيضاً عظيم الشأن من عهد حمورابي إلي عهد الرشيد وقوة جيش للأسف إفتقدناه في عهدنا هذا كان مفخرة لكل الدول العربية أيام حكم الرئيس الراحل صدام حسين عليه رحمة الله. كانت بغداد أيضاً قبلة المؤتمرات والأنشطة الثقافية العربية، لذلك كانت الحياة فيها إحتفالية مستمرة لا  تنقطع طيلة أيام السنة. كانت وطنناً دائماً يحتضن بأريحية كل عربي يطأ أرضها الطاهرة ولا فرق بين من هو سني أو شيعي في مذهبه ، الكل سواسية.

مهما أكتب فالقلم يعجز عن الإيفاء بحقك يا العراق وشعبك وعتباتك المقدسة وَيَا بغداد وأزقتك وميادينك وأسواقك المميزة ومقاهيك  وَيَا كلية طب بغداد العريقة وَيَا أساتذتها الكبار العلماء النجباء الذين هم كثر لا أريد أن أخوض في تفصيل ذكر الأسماء كلها خوفاً ان أسقط البعض وفي ذلك ظلم. ألا رحم الله استاذنا البروفيسور خالد ناجي والذين رحلوا معه إلي الرفيق الأعلي وأسأله ربي دوام الصحة لكل الذين لا يزالون يعيشون علي هذه البسيطة، فأيام بغداد عندي تبقي ما حييت أغنية شجية بل ملحمة ونشيد لتاريخ مجيد ستظل حلوة الترديد

دم في أمان الله

عبدالمنعم

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.