بِسْم الله الرحمن الرحيم

بقلم: دكتور" طبيب" عبدالمنعم عبدالمحمود العربي - المملكة المتحدة

إهداء: لكل نفس مشوقة تتوق إلي زيارة الأراضي المقدسة لأداء الفريضة لكنها لاتستطيع. أسأل الله أن يحقق لها تلك الأمنية الغالية بتوفير الإستطاعة

أسابيع قليلة متبقية من الزمن ليعبر أهلنا الكرام  القادمين من كل أصقاع السودان البحر الأحمر شرقاً سواءاً ستحملهم الباخرة أو مستعجلين بالطيارة "كما قالها ود الفراش" فالأشواق أيضاً هي التي تحملهم  علي عجل ولهفة في نومهم ويقظتهم ..... لا فرق ..... لزيارة البيت العتيق ورؤية الكعبة المشرفة والطواف حولها ثم الوقوف بعرفة،  ومن بعدها زيارة المدينة المنورة ، وقبر تتطيب به الثري وروضة يطيب فيها المقام  وتستجاب الصلاة والدعاء. اللهم ذلل لهم مشاق السفر وعناء أداء المناسك  وقهم شر الأمراض المعدية والحوادث ويسر لهم يارب العودة إلي الوطن وأهلهم سالمين غانمين ومسرورين فنستقبلهم مباركين وداعين لهم " حجاً مبروراً وسعياً مشكوراً"

 مع قدوم كل موسم حج تجتاحني عوارم من شوق دفين وذكريات وخواطر  تولد وتتجدد كل عام جديد ومع بروق برق كل خريف ورنات طارٍ من مادح مشوق ودرويش يدور حول نفسه....... لا أنساها وأنا أردد المقطع الشجي  القديم:

              اليوم الحجاز لاح ضوّى برِّاقو    ذكرنى الحبيب زاد حبي مشتاقه   هكذا عبر في قديم الزمان الشيخ المادح "الفنان الصوفي" السوداني الرقيق  " حاج الماحي " عن مشاعر نفسه الممتلئة بالحب  بكل بساطة وسجية طبيعية ولهجة محلية دارجة وهو أحد شعراء السودان الكثيرين المحبين والذين أجادوا وأبدعوا فيما قدموه لنا من قصائد ذات بعد ومعنى وصدق فى محبة رسول الهداية والمحبة والسلام سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. فثقافة أدب المدائح تشبعنا بها منذ الطفولة الباكرة ، حيث يبدأ الإستعداد للحج بمجرد حلول شهر رمضان.  وكالعادة وفى الأسبوعين الأخيرين من شهر رمضان كان يأتى "المُدَّاح" زائرين مساجد القرى والمدن لإحياء ليالى رمضان بعد الفراغ من صلاة التراويح ينشدون بأصوات حناجرهم الشجية القصائد المختارة من شعراء السودان أو بلاد العرب المسلمين (مثل الشيخ عبدالرحيم البرعى اليمني أو إبن الفارض ) تلك القصائد التى تبهج النفوس ويطهر معني مضمونها القلوب. على رنات "الطار" تهيج لواعج الشجون فى نفوس المحبين من كبار الشيوخ الذين يشدهم الطرب فيرقصون جذلاً والبعض تهتز مشاعره فيجهده  البكاء والنحيب الذي لا ينضب معينه إلا بعد أن يمن الله عليه بالسعادة و "الوصول إلي الشباك" ، كما قالها الشاعر الصديق الأزهري"ولو  لم تكوني في الكتاب سعيدة  يانفسي لم تصلي إلي الشِبَّاك". كنت دائماً ما أرافق والدى "عليه رحمة الله" فى تلك الليالى العامرة والذي كان هو أيضاً كغيره من المحبين يحرص علي الحضور ولا أنسى أبداً ترنمه أحياناً في خلوته منشداً بصوت جميل القصيدة السودانية التي تقول :                    "لامتين يا حبيب الحى       لى تنادى واجيك ضُحَىْ" لقد من الله عليه هو ووالدتى عليهما رحمة الله بالحج وبزيارة الحبيب المصطفى مرات ومرات بصحبة أخى وشقيقى المجذوب أطال الله أيامه وحفظه. كان يخالجنى في تلك الأيام الطفولة شعور غريب مشاركاً بلا وعي الشعور الذي ينتاب أولئك الشيوخ رغم أننى كنت  يافعاً لا أفقه من الأمر سوى إحساس تلك الفرحة التي تعم الأحياء عندما يعود الحجيج يحملون فرحتهم الكبيرة بإكمال الحج علي أحسن وجه  ويحكون من القصص ونوادر الحجاج وتدقيق الوصف الكثير المثير ويوزعون الهدايا من سبح وعطور وبخور وملابس . تتجدد الحياة من بعد ركود حتي بيوت الأحياء  يتم تزينها بتلوين مداخلها الرئيسية  بالجير الأبيض والكتابة عليها  باللون الأزرق "حجاً مبروراً وسعياً مشكوراً". ظللت أحمل طول سنيني في رحلة الحياة  تلك الذكريات بتفاصيلها الدقيقة وألوانها المتعددة  إضافة إلي ذلك الشوق الذي لا تنطفئ ناره و المصحوب بالتأمل والترقب لرؤية تلك البقاع الطاهرة كلما تَحَمِّلتْ السماء بالسحب ، ورعد رعدها،  وبرق برقها من جهة المشرق. حتى يومنا هذا أظل أحمل تلك الصوروالذكريات اليافعات وكأننى قد عشتها حلماً جميلاً آنسني بالأمس القريب.

لقد أكرمنى الله سبحانه وتعالى بأداء حجة الفريضة في بداية الثمانينات حيث كنت أعمل طبيباً مبتدءاً بالإمارات العربية المتحدة وأذكر وأنا فى طريقى إلى مطار دبى الدولي كانت لا تسعني كل الدنيا من الفرح والسرور لأنني بعد سويعات سأكون في مدينة حبيب الله ومصطفاه . كان يقلنى أخى الفاضل مهندس الطيران ، نائب مدير مطار الشارقة آنذاك، صلاح الدين الزين بسيارته الفارهة. أثناء تلك الرحلة القصيرة من إمارة الشارقة الي دبي أدار السيد صلاح مفتاح مسجل سيارته فكانت القصيدة تأليف الشيخ المجذوب قمرالدين تنبعث حية مدحاً وصوتاً شجياً زاد من روعة المشهد:

صَبَبتُ دُمُوعاً يَشهَدُ الحُزنُ أَنَّها

أَتَت مِن فُؤَادٍ بالغَرَامِ مُتَيَّمُ

وَلَيسَ لَهُ مِن ذَا التَّتَيُّمِ مُشرِحٌ

سِوَى أن يَرَى مَعشُوقَهُ فَيُسَلِّمُ  ويقول فيها:

لِسانِى تَحِيَّاتٍ تَلِيقُ بِقَدرِكُم

أُكُرِّرُها في حَيَّكُم وَأُهمهِم

لم أتمالك مشاعري فأجهشت بالبكاء وصببت ساعتها دموعاً يشهد الكون و الحزن أنها أتت من فؤاد بالغرام متيم.

أذكر أنني عندما دخلت قاعة المسافرين المغادرين بمطار دبى الدولى وجدت نفسي مسروراً فى رفقة الإخوة السادة نعيم حاج علي خلف الله ومحمد أحمد عبدالرحيم وعلى الفكى عثمان المدققين بوزارة المالية وآخرين أتوا من أبوظبى. لا أنسى تلك الليلة والطائرة تصل وتحلق بنا في سماء المدينة المنورة. لا أنسى وقتها أنوارها البهيجة وإشارة من كابتن الطائرة وهو ينبهنا إلى موقع الحرم النبوى لكي نراه من علو من نوافذ الطائرة الميمونة . لأول مرة ترى عيناى القبة الخضراء من عل تشع نوراً وجمالاً فتذكرت أيضاً المدحة:                    وللقبة الخضراء نور ساطع لا تراه  إلا البصائر فتمنيت لو أكرم برؤية ذلك النور الساطع الذى لا يرى بالعين المجردة ولا تزال هي أمنية باقية أعيشها بل أعيش تلك التجربة من الإنبهار كلما أكرمنى المولى بزيارة تلك المدينة التى يحبها أهل السودان حباً فى رسول الله الأمين صلي الله عليه وسلم. وهناك تحضرني قصيدة "ما العز إلا للمدينة" للشاعر السوداني الشيخ صديق الأزهري أداء المادح الجليل علي بخيت الشاعر عليه رحمة الله ومن بعده المادح الشيخ عبدالله الحبر متعه الله بالصحة والعافية: ما العز إلا للمدينة وحدها    مأوي الرسول ومهبط الأملاك علقت آمالي بها فتنزلت     طوع المني من هامة الأفلاك ذو العرش عظم قدرها وأجلها   من أجل ساكنها الكريم الزاكي لولا شفيع المذنبين بها       لما عكفت عليها العالمون بواكي ولما جثا الملك المعظم قدره     بترابها متضرعاً شاكي يا نفس من لي أن أزور ضريحها      لتقر من أنوارها عيناك وأمرق الخدين من حصبائها      ويشرف الترب المطهر فاك ولو لم تكوني في الكتاب سعيدة    يانفسي لم تصلي إلي الشباك ولا أمنت من الحساب وهوله       ومن العقاب ومن شديد هلاك لك يا مدينة في الجوانح صورة     جلت القلوب لنا بها مرآك أهوي قبابك والجبال وسيما أحداً        وماءك والثري وطيب هواك سبحان من جعل النبي محمداً        قمراً منيراً في سماء علاك بل كان شمس هداية عم الوري        وسراج عدل برجه مغناك كنت السعود وكان بدراً  كاملاً          نزل السعود ولم يزل في فناك إلي أخر القصيدة

بعد خروجنا من المطارأكرمنا الله بالإقامة فى حى ثنيات الوداع بالمدينة المنورة بمنزل الأخ الفاضل السيد عبدالله حاج على خلف الله والذى كان وقتها مديراً لفرع دار المال الاسلامى بالمدينة. كانت تلك أول مرة تطأ فيها قدماى ثرى المدينة الطاهر. أقلتنا السيارة وظهرت أمام عيوننا لافتة كبرى كتب عليها "ثنيات الوداع". فى تلك اللحظة لكأننى بجموع الأنصار مصورة أمامى تهتف وتنشد أهازيج القصيدة المشهورة:                    طلع البـدر علينا          من ثينـات الوداع                    وجب الشكر علينا         ما دعــا لله  داع                    أيها المبعـوث فينا         جئت بالأمرالمطاع                    جئت شرفت المدينة      مرحباً يا خيـر داع

وهكذا عشناها أياماً جميلة في هناء وسرور فى كنف المصطفى صلى الله عليه وسلم. لقد أكرمنا الله بلقاء العديد من الأهل والأقارب وزملاء الدراسة الذين فرقتنا عن البعض ظروف الحياة. وقد كانت فرصة طيبة أن التقى بكل من أشقائى المجذوب والطاهر وأيضاً أخى التيجانى الحافظ الأمين وحسن محمد مدثر الحجاز والباقر سلمان الأمين الريشابى والسيد بابكر عبدالرحمن عثمان عليه رحمة الله والدكتور خالد أمين والسيد العوض أبوالقاسم الشافعى و شقيقه السيد أبوعبيدة والكثير. كانت  لتلك التجربة الأولي من تجارب الحج  الإثارة القوية للعواطف خاصة عند دخول مكة المكرمة ورؤية الكعبة المشرفة لأول مرة في التاريخ وهي تطل شامخة ساكنة وجميلة  بطلعتها البهية. في رؤية الكعبة متعة للنظر  وإحساس عميق من التأدب والطمأنينة والتأمل في أغوار التاريخ  لم أعهده من قبل ولن أنساه. أذكر وأنا أواصل طوافى حولها كانت  تتجلي لي صورة سيدنا إبراهيم عليه السلام وإبنه اسماعيل رضي الله عنهما ولكأنني بهما يُشَمِّران ويشدان السواعد يبنيان ويرفعان قواعد بيت الله،  جزاهما الله أحسن الجزاء. حمدت الله حمداً كثيراً وقد مَنَّ علىّ بتلك الزيارة الأولي وذلك الطواف والسعى وقد مَنَّ على غيرى من ملايين المسلمين الذين شهدوا تلك الديار منذ عهد سيدنا إبراهيم ومن تبعه من الأنبياء إلى يومنا هذا. اللهم تقبل سعي وحج وإعتمار كل زائر لبيتك الحرام خاصة حجاج هذا العام  ولا تردهم وتردنا أبداً خاسرين خائبين ولا تحرمنا من زيارته المرات العديدة ما دمنا أحياء قادرين آمين.

هكذا ينتهى موسم  الحج سريعاً في كل عام ولكن تبقى الذكريات حية مع بقاء الأيّام وتتجدد الأعوام،  ومع كل بارقة برق وسحب تتجمع وقدوم موسم حج تهيج شجون الكثير من المحبين فيهرع منهم من كتب له الله الإستطاعة الصحية والمادية  إلى تلك الديار المقدسة وتتجدد الذكريات ويلتقى المرء السعيد هناك بوجوه جديدة من مختلف أنواع وألوان البشر الذين تغمر وجوههم البهجة وكلهم وقوف علي صعيد واحد في اليوم الحاسم يوم التجرد والدعاء المصحوب بترقب القبول وأحسن الجزاء من رب رحيم كريم.  فيوم الحج الذي كنت في طفولتي أظنه ذلك اليوم الذي تبرق فيه السماء  عرفته لاحقاً من بعد علم وتجربة أنه في الحقيقة يوم عرفة

د. عبدالمنعم عبدالمحمود العربي

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.