بقلم د." طبيب" عبدالمنعم عبدالمحمود العربي , السويد
تهاجر عن الأوطان المهارات والكفاءات بل حتي رعاة الغنم والإبل إلي بلاد الله مجبرة ومتوكلة علي الله " ومن يتوكل علي الله فهو حسبه" مثل ما تهاجر الطيور سنوياً جنوباًً آلاف الأميال هرباً من صقيع بلاد الشمال الأوروبية إلي بلاد لا تعرف لغة طيورها ولا تضاريس طبيعتها وحرارة شمسها ولا طعم مائها أو نباتها أو شراسة إنسانها. هكذا شاء الله لنا الهجرة والشتات والإندماج مع شعوب غريبة الشكل واللسان والوطن ولكن عقيدتنا وقلوبنا تظل صامدة تنبض بحب وطن عزيز وأهل كرام وديار حبيبة تركناها في المدن والبوادي والجبال كما تترك الطيور أوكارها. لكل المهاجرين والمهَّجرين داخل الوطن وخارجه أهدي هذه الخاطرة،  من فيض ووحي ليلة حالكة الظلام ، شتوية ولدت من ضمن ليالي بلاد الشمال المحبطة ببردها وسكونها والأفق البعيد لوحة  فيها  يتلاشي أمام ناظري خيطاً رقيقاً من دخان غلب عليه الضباب الكثيف فتلاشي وقد انعدمت نقطة التلاشي:
مهما تعاظم بعدك يا ديار
فالشوق لك بحر ليس له قرار
الحنين يدركه الفؤاد
يحكى طيات السنين
يثير نيران الشجون
فيسل دمع المقل الهتون
كم فيك من عصفورٍ يعششٍ
على شقيقة السقف أو شق الجدار
مشقشقاً أغرودة الصبح الجديد
تطرب الحادى وحتى الصغار
الحياة حلوة فيك يا أجمل ديار
راحة بل واحة من سعادة وذكريات
لألاءة  كالكوثر الوضاء فى عمق الدجى
واللؤلؤ المضيئ كالبرق فى وضح النهار
الأم تبدأ صبحها بصلاتها ودعائها
ثم بادئة أعمالها بإيقاد نار
الأب ينشد رزقه فجر النهار
هناك "برَّاد" شاهى على "كانون" نار
وبقايا هشة من "شريق" قمح الديار
تحوطها "جِمالُ الشيلِ" الزغب الصغار
الكل يكدح يومه من غير كدر ولاشجار
رغم الهجير ورغم الصعاب
رغم الظلام والزمهرير والمستحيل
على بعد المدى يتمايل النخل والشجر الطويل الحراز والطلح وغابة السدرالغزير و على وقع ضربات العصي وحناجر النفير تغني رجال تمجد الصبر والكرم الأصيل 
الليل يطويه الزمان فى عمق الظلام
والأب لايزال فى طول غياب
و"أمشير" تصول بكل أرجاء البيوت
تهز الشبابيك العتيقة وكل باب
عبر الشقوق لها صفير وزفير
تنهش أجساداً لم تعرف الصوف أو الحرير
ورغم  ذاك الليل يطول ولا يزال يطول
هناك من بعيد الجدة  ترنو تارة محتارة
تسند رأسها "الرِّعيش" بإبهام ضعيف
تهمهم تارة من غير كلام أو إبتسام مهمومة
تحجى تارة "فاطمة السمحة" أو أبو زيد الهلالي والكثير المثير من أقاصيص الزمان كأنها حكايات "بيدبا" أو ألف ليلة وليلة"
أمسياتها فيض المحبة وبحر الحنان
ألأم تغالب صبرها يشدو صوتها ذاك الحنون
سيرة الماضى المنيّر   يبرق كعقد من جمان
أجمل لوحات الفنون فى كل ليلة وكل قصيدة
لكن رغم السمر و رغم الأحاجى والنشيد
يطول بحر بل محيط من غياب
ويطول ليل الإنتظار على الزغب الصغار
قدر عشرات السنين
ويتلاشى رويداً نشاط من حياة
وحتي من علي البعد نبح الكلاب
لكن الصبر قد عرف وولد في تلك الديار
فإذا بعربدة الشياه تخترق الجدار
وجلبة أغنام تُسمع هناك من بعيد
كأنها في تناطح شديد وشجار
حتى البهام تمأمئ "وتنطط" فى إنبهار
رغم برد "أمشير"والصفير والزمهرير
فقد غمرتها، بهجتها نفحات "قش" الجروف
شمت لطائفها من بعيد عبر الأنوف
فصار طرباً يزداد معه الصياح والضجيج
ويتكسر عندها جدار الصمت الرهيب
بعودة مفترس الظلام "الرجل العجيب"
بطل "ألف ليلة وليلة " مبدداً ذعر الصغار
فتعود الحياة نبضاً من جديد ويحلو الكلام والليل يستمر يغطيه السكون والظلام والكل ينام مع تلاشى "نقرات" الطبول فليهنأ البيت السعيد و في الصباحات المشرقة تولد حياة من جديد وعن الوطن الكبير ينقشع الظلام يسود النظام والوئام والإحترام  
د. عبدالمنعم عبدالمحمود العربي
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.