بقلم: د. "طبيب" عبدالمنعم عبدالمحمود العربي - لندن

في ممارسة مهنة الطب كثير من المعاناة النفسية والعقلية والجسدية لأنها صنعة تتصارع فيها قدرة الطبيب ورباطة جأشه بين قوتين عظيمتين لا يستهان بهما  "الحياة والموت الآني أو البطيءء". فعلي الطبيب أن يجتهد في التفكير السليم للوصول للتشخيص الصحيح  ثم إختيار العلاج الملائم ومواصلة المتابعة إلي أن يصل بمرضاه الي بر السلامة   والتي حتماً للأسف برغمها لا تدوم إلي الأبد مهما طال الزمان وإلا لكان بمقدور الملك الحسين بن طلال الحياة إلي الآن بما كان يملك من مال وجاه وسطوة، لكنه في النهاية خت السلاح وذعن للموت.  هكذا وبعد عناء ثمانية ساعات كل يوم ينقضي لابد للطبيب من أن يعطي لنفسه وذهنه وأهله حقوقها. لذلك بعيداً عن المهنة ومتطلباتها  تختلف هوايات ومشارب أي طبيب عن الآخر. لي زملاء كثر من السودان وغيره نتبادل الرسائل والمواضيع التي نجد فيها راحة وسياحة فكرية أو فنية أو دينية وأدبية بما في كل ذلك حتي من تطريب الإنشاد والغناء الراقي المفيد.

قبل أسابيع وصلني من زميلي وصديقي السوداني د. حسن صالح محمد إستشاري الباطنية بويلز فيديو كليب قصير عن عاملة قهوة تتفنن في إضافة الحليب الساخن إلي القهوة المركزة وقد أعدتها داخل مجموعة من الفناجين الجميلة لكنها كانت تسرق أنظار الزبائن باللوحة الجميلة التي تنجم عن إختلاط الحليب الأبيض مع اللون البني فكانت ترسم قلوبا وورودا وعبارات تجريدية جذابة. بدوري شاركت بنفس الرسالة صديقي وزميلي د. إبراهيم العمري الأستاذ بجامعة بيروت الأميريكية فقام مشكورا بالرد عليّ بالرسالة أدناه بعنوان قصة القهوة والفناجين أدعو القارئ والقارئة الموقرين لقراءتها لما تحمل في طياتها من مقاصد وحكم: إليكم الرسالة:

في إحدى الجامعات التقى بعض خريجيها في منزل أستاذهم الشيخ العجوز بعد سنوات طويلة من مغادرة مقاعد الدراسة وبعد أن حققوا نجاحات كبيرة في حياتهم العملية ونالوا أرفع المناصب وحققوا الاستقرار المادي والاجتماعي. بعد عبارات التحية والمجاملة طفق كل منهم يتأفف من ضغوط العمل والحياة التي تسبب لهم الكثير من التوتر. غاب الأستاذ عنهم قليلا ثم عاد يحمل أبريقا كبيرا من القهوة ومعه أكواب من كل شكل ولون ، أكواب صينية فاخرة، أكواب ميلامين ، أكواب زجاج عادي، أكواب بلاستيك، وأكواب كريستال. بعض الأكواب كانت في منتهى الجمال تصميماً ولوناً وبالتالي كانت تبدوا باهظة الثمن بينما كانت بينها أكواباً من النوع الذي تجده في أفقر البيوت.

قال الأستاذ لطلابه "تفضلوا، و ليصب كل واحد منكم لنفسه القهوة".  وعندما بات كل واحد من الخريجين ممسكا بكوب خاطبهم الأستاذ مجددا : هل لاحظتم ان الأكواب الجميلة فقط هي التي وقع عليها اختياركم وأنكم تجنبتم الأكواب العادية ؟؟؟. من الطبيعي ان يتطلع الواحد منكم الى ما هو أفضل وهذا بالضبط ما يسبب لكم القلق والتوتر. الآن ما كنتم بحاجة اليه فعلا هو القهوة وليس الكوب ولكنكم تهافتم على الأكواب الجميلة الثمينة و بعد ذلك لاحظت أن كل واحد منكم كان مراقباً للأكواب التي في أيدي الآخرين فلو كانت الحياة هي  "القهوة"  فإن الوظيفة والمال والمكانة الاجتماعية هي الأكواب وهي بالتالي مجرد أدوات وصحون تحوي الحياة ونوعية الحياة (القهوة) تبقى نفسها لا تتغير و عندما نركز فقط على الكوب فإننا نضيع فرصة الاستمتاع بالقهوة وبالتالي أنصحكم بعدم الاهتمام بالأكواب والفناجين وبدل ذلك أنصحكم (((( بالاستمتاع بالقهوة )))). إنتهت القصة.

تعليق الدكتور ابراهيم:  في الحقيقة هذه آفة يعاني منها الكثيرون فهناك نوع من الناس لا يحمد الله على ما هو فيه مهما بلغ من نجاح لأنه يراقب دائما ماعند الآخرين يتزوج بامرأة جميلة وذات خلق ولكنه يظل معتقدا أن غيره تزوج بنساء أفضل من زوجته ينظر الى البيت الذي يقطنه ويحدث نفسه أن غيره يسكن في بيت أفخم وأرقى وبدلا من الاستمتاع بحياته مع أهله وذويه يظل يفكر بما لدى غيره ويقول : ليس لدي ما لديهم !!!! قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من بات آمناً في سربه، معافاً في بدنه، يملك قوت يومه، فقد حيزت له الدنيا بحذافيرها) وقال أحد الحكماء: "عجبا للبشر!! ينفقون صحتهم في جمع المال فإذا جمعوه أنفقوه في استعادة الصحة، يفكرون في المستقبل بقلق وينسون الحاضر فلا استمتعوا بالحاضر ولا عاشوا المستقبل، ينظرون إلى ماعند غيرهم ولا يلتفتون لما عندهم فلا هم حصلوا على ما عند غيرهم ولا استمتعوا بما عندهم، خلقوا للعبادة وخلقت لهم الدنيا ليستعينوا بها فانشغلوا بما خلق لهم عما خلقوا له"

عزيزي القارئ والقارئة بناءاً علي القصة أعلاه أترك لكل منكم المجال وحرية التفكير والمراجعة وأن يعلق كل منكم علي ما هو فيه شخصياً  من حال وسلوك وتعامل مع نفسه وأهله والآخرين وما أنيط له من مسؤلية  وما نحن (كل أهل السودان) فيه الآن من حياة  كلها معاناة وكدر إختلاف وغلط وحياة مضت سبقت في السودان كانت فيها القهوة "بكرية"

المخلص

د. عبدالمنعم عبدالمحمود العربي

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.