لدينا فى السودان نماذج كثيرة من قصص النبوغ الذي يولد فى القرى والبوادي فيجدر توثيقها والإحتفاء بأصحابها. من بين ذلك الكم المهول قصة طفولة سودانيين عصاميين تستحق كل منها أن تدرس فى المدارس الأولية . الأولى للأستاذ دكتور صديق أمبدة التي كانت رحلة عصفور بري كان حراً طليقاً فى إحدى بوادي غرب السودان فانطلق يوماً من مهد عشه الصغير محلقاً متنقلًا (عابراً القارات) فحط الرحال على فنن أخضر وسط جنائن بلاد الفرنجة الخضراء وارفة الظلال ليعود إلى وطنه مكرماً متوجاً بتاج الدكتوراه من جامعة مانشستر ليفيد ويحاضر فى كبريات الجامعات السودانية. الثانية مثلها قصة منازل الظعائن السودانية التي ولدت فى دار حمر بغرب السودان بميلاد مؤلفها العبقري الآخر الدكتور إبراهيم البشير الكباشي التي كانت كذلك جداً أنموذجا مؤثرًا . إنني أرى كلاً منهما قدوة تحتذي. أيضاً كل واحدة من القصتين وحيثياتها الإجتماعية والبيئية تعيدني إلي الوراء، أيام ترحالي المفرح السعيد مع المعلم الأديب حسن نجيلة رحمه الله، وأنا حينها تلميذ بالمتوسطة كنت قارئًا نهماً ومن الضمن لكتابه "ذكرياتي فى البادية"، ثم من بعدها سعدت كثيراً بزيارتي التاريخية الموفقة أثناء مرحلة المدرسة الثانوية لعروس الرمال ونيالا وجبل مرة والدلنج فتحققت بالبرهان عن كل ما خطه قلم الأديب حسن نجيلة عن روعة تلك الأماكن وطيبة وكرم أولئك القوم الخُلَّصْ من معشر السودانيين. عجبي لماذا هم اليوم يختلفون ويتقاتلون؟ اللهم أصلح الحال.

سرد قصة طفولة الأساتذة أمبدة والكباشي تحديداً بتفاصيلهما الدقيقة تثيران العواطف الجياشة والحنين عند كل الذين عاشوا أيام صباهم الباكرة فى رحاب بوادي الريف الحالم الجميل، زمن السعن النديان فى الشعبة أو فرع الشجرة فوق معلق مليان روب، والبهم ينطط يلعب مع الصغار، وقدام الصريف أو بيت الشعر والبروش أم ضفائر وحجول تهب النار ، وهناك قعدة رجال شيوخ وشباب فرسان، وفى الحلقة الكبيرة فناجين الجبنة البكرية عليها تدور، وطمبور "أبسداري الكلس" أنغامه تحنن تجنن تَحَفِّزْ وتنبش الأشواق من أعماق الصدور. ويا حليل الذكريات الجميلة التي كلها صارت لدى أصحابها فقط تأريخًا يحكى. وهكذا سطرت صفحاتها رونقاً بديعاً من لوحات حياة فريدة من نوعها بقيت تجمل ممرات ودهاليز العصور.

فى مثل هذا الجو السوداني المفعم ببساطة الحياة، طيبة أهلها وبداوتها وترحالها ولد وترعرع زميلي الطبيب حالياً، "الفلاني" القبيلة، من أبَّالة نيجريا. أين ولد ومتى كان ذلك؟ يقول "إنه سؤال ليس له جواب"!هكذا بدأ يحكي لي هذا الصديق "الفلاني " من غير شهادة ميلاد رسمية أو زمان ومكان لصرخته الاولى. خصني بشيء من ذكريات طفولته الغابرة، مسافراً بي ضاحكاً من الأعماق، فى رفقة عفوية إلى سهول نيجريا وصحاريها وهو حافي القدمين الصغيرتين يركض مع صغار أشقياء "الفريق" هنا وهناك فى نعمة وسرور وسط منازل الظعائن المتباعدة لكن مسافاتها قريبة من بعضها . تارة يتسلقون بخفة العصافير أعلى ظهور الجمال وتارة على ظهور ما يحلوا لهم من شياه وأغنام القطيع التي نشأت بينهم وبينها صداقة معرفة وصحبة دروب ومراتع رعي أو عند موارد سقيا هي كانت طلب المستحيل. لم يروا أو يسمعوا ببيت تجره عجلات يسمى بالسيارة. لكنهم مرة شاهدوا شخصاً يمر راكبا مؤتراً ( عجلة نارية) بدلًا من صهوة بعير فصاروا يركضون ويركضون خلفه حتى كادوا يضيعون فى الخلاء يحتويهم محيط سراب الرمال الذي ابتلع بعيداً صوت محرك الموتور وشبح ذلك الزائر الغريب. كانت تمر عليهم أيام وليالي الصيف الحار قاسية لا ترحم وهم ينتظرون على أحر من الجمر بوادر الخريف لينتقلوا "نشوغاً" إلي براحات "أين ما تكون" موطناً جديداً، مخضرة الزرع، فيدر فيها الضرع وتغني الدنيا للحياة فى احتفالية بهيجة أجمل الألحان، وتحنو الطبيعة بجميل الألوان وطيور وأزهار وفراشات تصحبهم رحلة الحياة السعيدة هروباً من قساوات صحاري العدم وأفق لاشيء من بعده سوى عالم الضياع

"الخلوة" والمدرسة المتنقلة جعلته الوحيد الذي يحظي بالقبول للدراسة فى المدرسة المتوسطة. قال لم أكن ذكياً مقارنة بالآخرين لكنني كنت أصبر وأريد أن أرى ذلك العالم الذي كانوا يحكون لنا عنه ولا نستطيع حتي تخيله من فرط جهلنا وبساطة حياتنا البدوية. لكي يتم تسجيله بالمدرسة لابد له أن يكون حاضراً هناك إما يوم الجمعة أو السبت أو الأحد، لكي يبدأ الدراسة يوم الإثنين، وإلا ستفوت عليه تلك الفرصة الذهبية. قال والله صرت فى إكتئاب شديد وحسرة لأننا لا نملك أي من النقد الذي يمكنني من السفر مسافة المائة وعشرين كيلومتر حيث توجد المدرسة. أيضاً لا يملك سوى قميص واحد وكان يمشي حافي القدمين طيلة طفولته . هما قدمان مشققتان لم يتذوقا طعم لبس الأحذية! مرت الأيام مسرعة والعوض على الله! فالسماء لا تمطر ذهباً والحال ظل كما هو ، وقلب الطفل صار يدق مسرعاً كلما دقت الساعات معلنة نهاية يوم فات عليه من غير فرج خاصة يوم تلك الجمعة الأخيرة المشهودة! قال لأمه وهو يبكي والحسرة لا يسع تحملها جرمه الصغير، الوقت رايح، نسوي شنو؟ فقالت له الله كريم، أصبر يا ولدي وسأسأل فلانة خالتك إن كان عندها ما تستطيع تسلفنا بالذي يكفيك. ظلت تبحث هنا وهناك عند الخالة وغيرها لكنها تعود بالخيبة. فجأة قال جاءت فتاة صباح يوم الأحد ( آخر أيام التسجيل لدخول الداخلية) دخلت على أمه وسلمتها صرة ثم خرجت، فزغردت أمه وتهللت أساريرها من الفرح . قال صرت أقفز وأقفز من الفرح بعدما فرجت، فأسرعت إلي خيمة تاجر الفريق واشتريت قميصين وصندلاً مصنوعا من البلاستيك وشنطة صغيرة "سكندهاند" مصنوعة من الكرتون المقوى، بني لونها ، مخربشة وقفلها مكسور. ربطتها بحبل بعد أن حشوتها بالقميصين. قال والله لأول مرة أشعر أنني أنا الوحيد السعيد فى كل الدنيا "ومو نفسي" التي أعرفها جيداً. لم أصدق نفسي فكدت أطير من الفرح!

أسرع إلى حيث المدرسة تنتظره. كانت مقابلته ناجحة خلال ذلك اليوم الأخير (الأحد) وتم له القبول. ووزعوهم على غرف صغيرة ! قال لأول مرة يدخل غرفة تحوطها جدران أربعة وشبابيك ملونة تنفتح وتنقفل، وسقف تخيل أنه سيسقط عليه من علوه، ولأول مرة تحسس بيديه الرقيقتين السرير، آه شيء عجيب! إنه مريح، لكنه كان في البدء يخشى السقوط منه ( لأنه تعود على الرقاد على الأرض طيلة سنينه ) لم ينم ليلته الاولى من الفرح والإندهاش. إندهش من تقديم الوجبات المنتظمة وأواني الأكل التى كانت بالنسبة له حدثاً كبيراً . لم يفوت عليه أن يتمعن فى مصدر الإضاءة التي لم تعرفها عيناه من قبل. قال هكذا تأقلم مرحلياً بعد أن بدأ يتعرف على الآخرين وصارت الأيام والشهور تمر وكذلك السنين حتى نجح ودخل المدرسة الثانوية. قال سمعت بالأزهر في مصر وقلت لازم التحق به بعد ما انتهي من المدرسة الثانوية لأكون شيخا كبيرا في مجال علوم الدين. أثناء العطلات المدرسية كان يعود إلي بداوة أهله ويشاركهم كل نشاطاتهم المعهودة. قال فى مرة من المرات قام بعض طلاب داخلية المدرسة الثانوية بإحتجاج على نوع الأكل وقالوا لازم نقوم بإضراب عن الدراسة. قال يوم الإضراب وجدت نفسي الوحيد الذي يجلس فى الفصل لأنني خفت أن أفصل، وإذا فصلت سيكون مصيري أن أعيش أبالاً طيلة حياتي ، أما الطعام بالنسبة لي فقد كان تحولاً كبيراً ونعمة لم أصدقها نزلت عليّ من السماء ، فلذلك لم أحتج وأتبع القطيع أبناء الأسر الغنية المنعمين مقارنة بوضعي

هكذا صعد صديقنا "الفلاني" المحترم بصبره وجهده عتبات سلم العلم وترقى فصار اليوم الحكيم الذي يطبب البشر فى بريطانيا بعد أن زار الأزهر الشريف فخذله. قلت له تستحق أن أناديك "بالحكيم لقمان" لأن حكمتك فى تضحيتك "للضرورة" بعدم مشاركتك إضراب التلاميذ هي التي توجت كفاحك أخيرا فصرت حكيماً ناجحاً . الآن حكمتك فى ممارسة التطبيق شملت تطبيب مختلف أنواع البشر وعلى رأسهم الإنجليز أنفسهم وفى عقر دارهم، ليت كان هذا العطاء فى ديار أمك وابيك!. قلت له هكذا الهمة العالية لا تخذل صاحبها إن كان لديه بعد نظر وهدف معلوم وقديماً قيل"من تعلقت همته بالثريا لنالها "

فى الختام:
كل الشكر والإحترام لزميلي "الفلاني" النيجيري الأصل، البريطاني الجنسية ، شيخ التيجاني، إستشاري الباطنية بالمملكة المتحدة. لقد استمعت له بشغف وقد سمح لي فى نفس الوقت بكل تواضع أثناء ركوبي معه على متن سيارته الفارهة المرسيدس، أن أسرد للقراء الكرام هذا الجزء من قصة مسيرة طفولته الشيقة لعلها تفيد. رغم تاريخ طفولته القاسي ومعاناته المتراكمة فقد صارت عنده الآن كلها مخزون من ذكريات لا تنسي خاصة التي عاش أحداثها فى بادية نيجريا مع أهله الأبالة. إني أرى فى حياة أهله فى بادية نيجريا ما يشابه نمط حياة أهلنا من أبالة بادية السودان فى ديار حمر وأم بادر " يا حليلة".....هل يا ترى أيعاوده الحنين لمنازل الظعائن القديمة وركوب المسروجات من الإبل؟ أشك فى ذلك. الزمن هو الذي يتبدل ويغير معه كل شيء... للأسف برغمنا أنا وزميلي هذا نعيش مثل كثيرين غيرنا زمن القسوة والفساد وانعدام الرحمة والتواصل فى الله بين الناس وإختلال توازن أحول طبقات البشر، زمن استراتيجية المصالح الغالبة ، زمن الهجران والشتات والا مبالاه، زمن ضياع العصافير فيه تهجر الأوكارا والنَّاس تهجر الديارا ..... آه من غلب المشردين والحيارى. يا رب رحمتك ولطفك ....فكم من دماء ودموع قسرًا وقهراً قد تدفقت أنهارا …… ومدن كثيرة الحروب أبادتها تقتيلاً ودماراً

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.