الغريب عن وطنه مهما طال غيابه
مصيره يرجع تاني لأهله وصحابه
ينسى آلامه وشجونه
ينسى حرمانه وعذابه
إلا قلبي يا حبيبي فى هواك طال اغترابه

اغترب الملايين منا أبناء السودان بمختلف أعمارهم ومهاراتهم وتشتتوا فى بلاد المهجر الواسعة ومن الضمن أذكر هنا صداح نجوم الغربة، الفنان المرهف صاحب الحنجرة الذهبية، الطيب عبدالله، متعه الله بالعافية، الذى عاد للوطن بعد ما طال حنينه وغيابه سنين عددا عن الوطن تاركاً نفسي وغيري من خلفه نذرف دموع الفرح لحظة عودته لأرض الوطن والجموع المحبة تستقبل عودته عند مطار الخرطوم، وفى نفس تلك اللحظات كنا نغالب دموع أشواقنا نحن وكلنا حنين للعودة كمثله لكنه سرعان ما خذلنا وعاد أدراجه غريباً مغترباً بعيدا بعيداً عن الوطن ربما إلى الأبد! ويا حليل شندي بلد الجمال عنده وعندي!

ما أصعبها دنيا الغربة ، غربة النفس، غربة فراق الأهل، الحبيب الصحاب وفوق ذلك غربة البعد عن الوطن وإن كان ريفاً أو بادية أو رأس جبل أو حنين لنخلة تنحني فوق جدار هالك فهو عند أهله لنعم الوطن. لعتمة الحياة صعوبة حارة قد تولد الإكتئاب والإنعزال وغربة النفس . وعند البعض قد توهم الخيال وتثريه بأفكار المغامرة والتجريب أو بحلم جميل ربما يتحقق إذا حاول حظه باحثاً طريقه مغترباً فى بلاد الذهب الأسود أو قاصداً جنات الفردوس فى المروج الأوروبية والأمريكية الخضراء. لم تعد بلاد الذهب الأسود جاذبة كما كانت خلال الثلاثين سنة الفائتة، فصار درب الحلم الأخضر أصعب الخيارات المتبقية تطبيقاً مادياً وعملياً مروراً عبر الصحاري وابتزاز تجار البشر حتى وصول بحر الضياع. وفى بحر الضياع ما أصعب الهلاك والفقدان المر فى بطون الحوت الذي لا يرحم.

لكن أصعب أنواع الغربة غربة النفس والقلب داخل الوطن نتيجة إستعباد نظام جبار قاهر شعبه يتحكم فى كل صغيرة وكبيرة ، يمتلك كل شيء من أراضي وثروات الوطن ، بل المواطن نفسه عبداً مسيراً لا مخيراً ولا رأي له، من ما يضطر الشباب إلى التضحية بأرواحهم داخل أوطانهم ثائرين يطلبون الخلاص والإصلاح والبعض يختار طريق المستضعفين الذين وجه لهم الخطاب "ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها" فمنهم من ابتلعته الصحاري القفر ومنهم من ابتلعه بحر الضياع والقليل من حط الرحال بعد النجاة بجسم نحيل منهك يرتجف من برد بلاد الحياة فيها حقيقتها معاناة تبدأ هكذا بطقس متقلب يجب تحمله وقوانين إدارية واجتماعية صارمة الإنضباط يجب احترامها لتحقيق العدالة والمساواة المستدامة . هكذا يكون حال من حظي وكتبت له النجاة ومن ثم الاستقرار بإقامة أو مواطنة عليه أن يكافح ولكي يعيش لابد أن يتعلم لغة جديدة ويتأقلم مع ثقافات الاخرين ولكي يعمل كالآخرين ليقتات قوت يومه وليكون فرداً عاملًا في الحياة ومجتمع ونهضة تلك البلاد ومهما كانت مهنته فالمهم أن لا يصير عالة.

وأيامنا هذه كمسلمين داخل الأوطان أو فى بلاد المهجر أيام عيد وفرح بأننا قد صمنا بحمد الله الشهر الكريم لكن أي حالك هذا ياعيد هذه السنة قد عدت فيها ووباء الكورونا القاتل ( كوفيد 19) يحاصرنا أثناء أداء عملنا اليومي ( يصطاد ما يشاء) وحتى أثناء خروجنا الضروري لتسوق متطلبات الأكل والشرب، بل يحاصرنا لكي نبقى محبوسين داخل بيوتنا إن لم تكن هناك حاجة ماسة للخروج من المنزل. هكذا توقفت أعمال الكثيرين والإنتاج الإقتصادي فى جميع أقطار العالم وصارت العلاقات الإجتماعية بين الأسر والأفراد وحتى بعض الأعمال لا تتم إلا عبر وسائل الاتصال المتاحة مسموعة ومرئية لكنها برغمها لا تشفي غليل لقاء الأحباء من الأزواج والأبناء أو الوالدين والأقارب. وهكذا صارت للغربة فى منظورها العريض أسباب وصور مختلفة تتعدد وتتجدد من حين لآخر. أيضاً فى هذه الأيام تعود لنا ذكرى الشهداء من شباب السودان غض الإهاب الذين قبل عام مضى شجعاناً فدوا بدمائهم الطاهرة الوطن، وكان يوم للتأريخ يوم فرح وإستقلال جديد للوطن قاطبة ، بل ولكل من ينشد الحرية ، لكنه يوم بدون شك يبعث حزناً فى بيوت وأزقة وحارات وردهات جامعات ومدارس كان فيها شباب وشابات "فل وياسمين تعطر الأجواء" ونباتاً أخضراً قمحاً وشعيراً ينتظر نضجه ثم حصادة والوطن كله كان فى أمس الحاجة إليهم ناهيك من حاجة ذويهم الذين جرحوا وحزنوا بفقدهم إلى الأبد. اللهم أغفر لهم وأرحمهم وصبر ذويهم وأصحابهم وكل الساحات والأماكن التى تذكرهم إلى الأبد فى صفحات تاريخ الوطن. ليت السعادة تعود يوماً يارب قريبا. فسعادة الحياة وراحة النفس قد تتوفر ونحن أبناء الأرياف والمدن الصغيرة نتذكرها كما كنا ننعم بها أيام زمان ، فى بساطة لا تحتاج إلى بهرج وتعقيد فقط تتم إن توفر فيها بصدق وتحضر الأمن والأمان والحرية وصدق التعامل وحسن الذوق والسلوك ونظام يحق الحق على الجميع، الناس فيه سواسية كأسنان المشط.

أختم مقالي عن عيدٌ الغربة مع غربة النفس وبحر الضياع والحنين للوطن بقصة تروى أن أعرابية كان يهواها أحد خلفاء بني العباس، فتزوج بها فلم يوافقها هواء البلاد. صارت تنحل وتتأوه معتلة رغم ما هي فيه من نعيم وعظمة. فسألها عن شأنها فأخبرته بنار لواعج الشوق إلى البراري وأساليب الرعاء وورود المياه التى تعودت عليها. حاول يحل المشكلة فبنى لها قصرًا على رأس البرية بشاطئ نهر الدجلة سماه المعشوق. وأمر بالأغنام والرعاء أن تسرح وتتراءى أمامها، فلم يزدها ذلك إلا اشتياقا لوطنها. مر بها يوما زوجها من حيث لا تشعر به ( مختبئاً) فسمعها تنتحب وتبكي حتى ارتفع صوتها وشهيقها وهى تقول:
وما ذنب أعرابية قذفت بها صروف النوى
من حيث لم تك ظنت
تمنت أساليب الرعاء وخيمة
بنجد فلم يقض لها ما تمنت
إذا ذكرت ماء العذيب وطيبه
وبرد حصاه آخر الليل حنت
لها أنة عند العشاء وأنة سحيرا
ولولا أنتاها لجنت
فخرج عليها الخليفة وقال: قد قضي ما تمنيت، فألحقت بأهلك من غير طلاق. فما وقع عليها وقت أسرَّ من ذلك، وسرى ماء فى وجهها من حينها فعجب الخليفة والتحقت بأهلها تحمل معها جميع ما كان عندها فى قصرها.

القراء الكرام هل يا ترى سنعود خلال سنة أو إثنتين من أقطار الشتات كلنا للسودان، بدواً وحضراً ، ونجده حراً مستقلاً يحكمه فقط شعبه بأنفسهم شعارهم "مدنية حرية سلام وعدالة" ومن غير وصاية عالمية أو من جار أو جائر بعيد لا تهمه إلا مصلحته فقط؟. أرجو وأسأل الله أن يتقبل دعاءنا وكلنا من القلب نحمله ليل نهار حلماً نرجوه مع الصبر والتحمل والتجمل أن يتحقق.

لكم من القلب أطيب التهاني والتبريكات بمناسبة العيد، والأماني الحلوة مقرونة تتدلى من السماء نعمة وبركة، عناقيداً حبلى تتراءى فى عالم الرؤى، فالتدم أيها الوطن، والغريب عن وطنه مصيره يرجع مهما طال غيابه. التحية للفنان المرهف، الأستاذ الطيب عبدالله، رد الله غربته وكل الجميع بالعافية

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.