لا أحد يدرك معنى وطعم العافية إلا إذا أصابه هو أو أحد من ذويه مرض او حادث عارض يهدد البقاء. قد نرى من بين غيرنا من هو مريض أو معاق ولكن الإحساس الحقيقي بمعانات أولئك لا يكتمل إلا بعد خوض مرارة مثل تلك التجارب القاسية. فريق الأطباء والممرضين هم الأكثر عرضة لمشاركة المرضى وذويهم بصورة أو أخرى مراحل المعاناة المختلفة التى تتجدد وتتنوع لحظة تلو لحظة يومياً على مدار الأربع وعشرين ساعة. صنفين من المعاناة أقدمهما كمثال فى هذا المقال لما تحتويه كل قصة منهما من دروس اترك للقاريء التفكير والتفكر فيها:

(١) "ليتني كنت مثلك" I wish I would be like you
هكذا خرجت أمنية صعبة المنال من فم "آرنولد" بعد أن حاول جاهداً أن يستنشق ما قُدِّرٓ له من جرعة الأوكسجين التي لا يحق له تجاوزها بحكم تليف رئتيه المزمن نتيجة إدمانه التدخين خلال عشرات السنين. تصلبت كذلك الأوعية الدموية فالقلب مريض والأرجل صارت لا تقوى على حمل جسمه المترهل لان خشونة مفاصل الركب فشلت معها محاولة أنقاذها بالتدخل و تركيب ركب إصطناعية. قال لي صرت أسير جاهداً على اربع فتعثرت ورغم عزيمتي القوية إنهزمت أمام الأمر الواقع وصار الكرسي المتحرك وسيلة تحركي إذا وجدت من يساعدني. ثم زاد الطين بلة تفاقم عجز الرئتين وانسدادهما المزمن وكما تراني فأنا الآن فى حالة يائسة بائسة لا أحسد عليها. الموت أهون عليىّ من هذه الحياة التى لا طعم ولا قيمة لها. قلت له مجاملاً " لا يغرنك مظهر الآخرين فتتأثر سلباً فأنا الذى تحسدني على حالى اليوم لا أدري ما سأصير إليه عندما أبلغ سنك رغم أنني لم أدخن لأنني أكرهه ولا أطيقه لأنه يكتم نفسي، أما رحلة الحياة فلابد لها من نهاية حتمية وكل نفس فى نهاية المطاف نجدها غصباً عنها تكون بما كسبت رهينة. أيضاً قلت له لو قيل لك وانت فى ريعان شبابك، وقتك ذاك أن عواقب التدخين وخيمة حاول ايقافه سوف لن تصدق لكن الآن وان عرفت الحقيقة فللأسف إترز تووليت .قال" صدقت . أثناء طفولتنا خلال أربعينات وخمسينات القرن الماضي كان التدخين موضة جاذبة وتقديم السيجارة للآخرين كان نوعاً من الإكرام وحسن الضيافة والتحضر حيث يتم تقديمها مثلها مثل كوب الشاهي أو القهوة!". قلت له لون رئة المدخن يتحول إلى الأسود نتيجة تراكم القطران وقد شاهدت ذلك عندما كنا طلاباً نقوم بدراسة علم التشريح وتطبيقه على جثث الموتى. شددت على يده مودعاً وقلت له سنساعدك ما أمكن لكن وضعك عموماً غير مطمئن ، فقال متحسراً " آه من ثمانين سنة ضاعت من عمري وآه من آلاف الجنيهات التى أحرقتها بل حقيقة لقد ادركت الآن أنني قد دفعت بنفسى من جيبي ثمن موتي، للأسف تووليت يا دكتور إيقاف التدخين، Doctor :it is unfortunately too late to stop smoking"، إتفقنا أن نتركة بدون تدخل إنعاش لقلبه الضعيف حالة توقفه في أي لحظة.

مات آرنولد بعد أيام قليلة كلها كانت معاناة وعذاب لشخصه وطاقم التمريض بل لذويه الذين كانوا يناشدون بان نريحه من العذاب : please kindly keep him comfortable

(٢) ليلة مناوبة كطبيب مبتديء لا أنساها
العام ١٩٨٤
المكان مستشفى الباطنية والأطفال برأس الخيمة ( الإمارات العربية المتحدة)،
شيوخ الخليج يتبارون فى بناء المستشفيات التي تحمل أسماءهم مثل مستشفى شيخ زايد العسكري ومستشفى خليفة ومستشفى القاسمي ومستشفى المكتوم . كان يوجد مستشفى واحد برأس الخيمة يتبع لوزارة الصحة كان ندية من الكويت بحمل إسم سيف بن غباش. عملت فيه بداية مهنتي وكان شبه مملكة سودانية طبية حيث كان رئيس الأطباء د. جعفر العوض أحمد ( أخصائي التخدير) وكبير الجراحين مستر أحمد سراج الدين باقوري ورئيس قسم الباطنية د. مرتضى محي الدين مهدي وكبير الصيادلة الصيدلي مهدي محجوب ورئيس قسم الأشعة عثمان فزع ورئيس قسم أمراض الدم د. أحمد عبدالله .كنت أنا والفاتح إسماعيل أبتر وأسامة الزين وصديق حسن أحمد البشير وعبدالمتعال محمد أحمد (الآن كلهم إستشاريين كباراً يعملون في السودان والخليج والمملكة المتحدة وأمريكا) نعمل أطباء مقيمين بقسم الباطنية مع عدد من الزملاء من مصر وفلسطين تحت إشراف الدكتور الخلوق مرتضى محي الدين مهدي.

كانت خلال ليالي مناوبتي حيث أنام داخل قسم الباطنية تأتيني الحالات عن طريق الزملاء الذين يناوبون بقسم حوادث الباطنية. خلال تلك السنة قام شيخ صقر حاكم رأس الخيمة رحمه الله بإفتتاح مستشفى آخر بالإمارة يحمل اسمه لإستقبال حالات الجراحة والعظام والولادة . حوالي الساعة الواحدة صباحاً جاءني راكضاً المناوب دكتور محمد خضر المصرى الصعيدي يدفع شاباً فى الثلاثين من عمره ويصيح " دكتور عبدالمنعم ألحق بسرعة حالة جيست بين وكرر ها chest pain عدة مرات, ورمى بالكرسي امام إستقبال العنبر ورجع إلى عيادة الطواريء فرحاً أنه قد تخلص من انفجار قنبلة موقوتة .

وجدت نفسي قبالة شاب هندي ثلاثيني العمر يميل إلى الوزن الزائد. عرفته من أول وهلة لأنه إفتتح حديثاً صالة لغسيل السيارات قدم لي فيها خدمة أكثر من مرة وعرفت منه وقتها أنه فى الأصل مهندس لكنه يريد العيش بأي وسيلة. طبعاً لابدالتحرك بسرعة فى مثل هذه الحالات الحساسة.قال لى أنه قد شعر بألم شديد في الصدر منطقة فم المعدة والجزء الأيسر من الصدر إيقظه بعد الساعة الثانية عشر مساءاً فركب سيارته تصحبه زوجته الشابة التي اقترن بها حديثاً وبالخطأ ذهب الى مستشفي صقر الجديد فقالوا له إذهب إلى حوادث قسم الباطنية بمستشفي سيف بن غباش. أعترف انه يدخن أكثر من عشرين سيجارة يوماً. بالعجل حولته إلى السرير وأحضر الممرض ترولي لوازم الحالات الطارئة وجهاز الإنعاش بالصعقة الكربائية. تمكنت بسرعة من من عمل تخطيط للقلب فوضح أنه يعاني من إحتشاء كبير وحاد فى العضلة القلبية نتيجة فى الغالب لحدوث جلطة كبيرة في أوعية تغذية القلب. العلاج الوحيد المتوفر آنذاك كان المورفين لتسكين الألم والهيبارين ليذوب الجلطة. أثناء تركيب إبرة الوريد لبدء العلاج بالعقاقير من مورفين وغيره شهق شهقة واحدة وتوقف القلب فجأة فبدأت وحدي إنعاش القلب يساعدني فقط ممرض واحد وممرضة. لا يوجد فى ذلك الزمن طاقم مساعد آخر ومتخصص لأن المستشفي يفتقر قسم عناية مركزة والأخصائي الباطني المناوب يحتاج عشرين دقيقة لكي يصل إلينا فى حالة إذا وفقنا فى إيقاظه من نوم عميق. بإختصار فشلت المحاولة الإنعاشية بما فيها الضربات الكهربائية لإنعاش القلب. كل الذى حصل لم يستغرق الخمس دقائق مات خلالها ذلك الشاب الهندي رغم استمرار محاولة الإنعاش لمدة نصف ساعة متواصلة وحينها كانت عروسه الجديدة تنتظر و الامل يحدوها راجية العودة إلى عشهما سالمين ولم يكن الوقت كاف لكى تعلم او نبلغها بالحاصل لأن كل تطورات الموقف قد تفاقمت بسرعة وصورة دراماتيكية .
هذا الشاب في الغالب أنه مات نتيجة جلطة إنسدادية في أوعية القلب أدت إلي إحتشاء ( موت) كبير في العضلة القلبية وحسب الإمكانات البدائية المتاحة آنذاك لم تتوفر له فرصة للنجاة . عوامل مساعدة لاحتمال حدوث مثل هذه الحالة التدخين وزيادة الوزن وربما يكون معدل الكوليسترول في أعلي مستوياته وأيضاً أن المريض جاء إلى المستشفى متأخراً وقائداً سيارته بنفسه وذهب إلى المستشفي الخطأ لان عامل الزمن جداً مهم لنجاح إسعاف مضاعفات حدوث حالات الذبحات والجطات القلبية. أما أصعب تجربة صاحبت وضاعفت من حزننا تلك الليلة هي لحظة إخبار زوجته!.
إنها ليلة لا تنسي على مر الأيام ومثلها قد يحدث فى أرقي المراكز أو أكبر المستشفيات العالمية حتى وإن توفرت أحدث التقنيات إذا كان عدد أيام العمر قد شارف الصفر عداً تنازلياً لا رجعة منه. هكذا لله فى خلقه شئون.

الدرس المستفاد فى كلتا الحالتين:؟
(1) الحذر من التباهي بالقوة وكمال الصحة أمام المرضى والضعفاء من كبار السن بل بجب العطف عليهم وملاطفتهم ومساعدتهم
(1) أهمية توفر التقنيات ووسائل الإتصال والنقل مع المراكز الصحية لها أكبر دور فى إنقاذ مثل حالة ذلك الهندي. سيارات إسعاف اليوم مجهزة وبتدريب عالي المستوى ليقوم طاقمها بمعالجة الذبحات والجلطات القلبية قبل أن يصل المريض إلي مركز العلاج. مثلاً رسم تخطيط القلب يصل إلى الطبيب المناوب قبل وصول المريض إلى الطواريء وعندما يصل إمكانية إنقاذه على الفور بقسط القلب والدعامات يتوفر فى معظم المراكز وفى أي وقت
(٣) يبقى من غير جدال أن التدخين ما هو إلا "أفيون الشعوب القاتل" فأحذروه يا أولي الألباب
عبدالمنعم

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
/////////////////////