بلغني الليلة نبأ رحيل الدكتورة فاطمة عبدالمحمود. ربنا يرحمها ويغفر لها ويجعل قبرها روضة من رياض الجنة. كانت كمثيلاتها فى السودان أيقونة قد تجلت فى تاريخ نبوغ المرأة السودانية خاصة فى المجال العلمي كما فى ولوجها بشجاعة عالم السياسة حتي أنها تقلدت منصب وزيرة منافسة بقوة فكانت لها حياذة قصبة السبق من بين كل نساء الدول الإفريقية والعربية وهى فقط شابة في العشرينات من عمرها .

أكتب معزياً ولست من حزبها ولكن أيضاً بمناسبة شهرتها كوزيرة أيام حكم النميري أحببت أن أذكر هذه الطرفة التى حدثت أيام كانت المرحومة دكتورة فاطمة وزيرة للصحة أو الرعاية الإجتماعية. حدث أن أحد ابناء الدناقلة ( الفلاليح الييض) كان قد تم نقله ليعمل ممرضاً مسؤلاً بدرجة مساعد طبي عن أحد نقط الغيار الطبية ببربر. يبدو أنه لم يكن مرتاحاً من رؤسائه ومن ثم الحياة فى بربر صارت هكذا جحيماً لا يطاق. جاء عصر يوم لمنزلنا لمقابلة والدي رحمه الله. استغرب والدنا من تلك الزيارة الغريبة ولكن برغمه هش وبش في الزائر الغريب على المدينة. بعد التحية والإكرام قال الممرض لوالدنا أنه يعاني من أجحاف ويريد من والدنا أن يخبر إبنته الدكتورة فاطمة متوسطاً لكي تساعده في أن ينقل إلى أي بلد آخر. والدنا استعمل الدبلوماسية فتبسم ولم يخيب ظنه بل طمأنه قائلاً " إن شاء الله موضوعك يصير فيه خير ونسأل الله أن يعجل لك بالنقلية من بربر طالما انت غير مرتاح لكن أوصيك بالإستغفار وكثرة الصلاة على النبي!" انتهت الزيارة بإنشراح أسارير الممرض خمسيني العمر فانصرف. والصدفة قالوا تصدق أو تبرر الخرافة " أقصد حدوث الكرامة"، فقد هكذا خدمت الصدفة "كرامة الدعاء أثناءالمقابلة" وصدق نية الممرض حيث لم تخذله فنقل من غير أن يكمل شهراً آخر ببربر إلى ما شاء الله.

قبل سنتين مضتا وأثناء عطلة الشتاء خلال شهر ديسمبر حملتنا الصدفة مروراً ذات ليلة بشارع حوادث مستشفى الخرطوم لندخل صالة مجمع عيادات أطباء من بينهم طالعنا إسم صديقنا البروف عبدالعزيز أحمد عمر أستاذ وإستشاري الأمراض النفسية بجامعة الخرطوم. قررنا مقابلته لنسلم عليه بعد غياب إن أمكن أو إن تعذر أن نترك له مذكرة . بالفعل كانت المقابلة مستحيلة ولم أجد وريقة لأكتب مذكرة لكن كانت توجد من على البعد سيدة وقورة تتلحف بثوب أبيض تجلس على أحد كراسي المراجعين البالية. كانت تراقبنا وكانت تحمل ظرفاً أبيضاً مستطيلاً خالياً من عنوان، لعلها فى ظننا أنها كانت تنتظر دورها لمقابلة أحد الأطباء عند ذلك المجمع . اخرجت من الظرف حزمة من الجنيهات أدخلتها في محفظتها ونادتني وقالت لى "أراك تبحث عن شيء تريد أن تكتب عليه ، تفضل هاك اكتب مذكرتك على هذا الظرف أنا لا احتاجه". ثم إستطردت " أنا زميلة دكتور عبدالعزيز وأعتقد أنك واحد من جملة الزملاء. أنا عيادتى هنا لكن الليلة انتهت بدري ومنتظرة زول من أهلي يجي ياخدني عندنا مشوار". إزداد فضولي فقلت لها بعد أن شكرتها " عفواً ما إسمك؟" قالت " د. فتحية عبدالمحمود". قلت لها مداعباً " أنا أخوك د. عبدالمنعم عبدالمحمود" فقام مرافقي شقيقي د. بابكر مكملاً المداعبة قائلاً " إيه رأيك عندنا كمان فاطمة عبدالمحمود وعندنا د. علي عبدالمحمود". والله دي صدفة أغرب من غربية (كان هذا ردها مندهشة). حكت معنا هنيهة منشرحة وتعرفنا عليها أكثر وعن تخصصها وعند وداعنا لها قالت " يا أخوانا لازم نتقابل عشان نحدد كيف نوزع اكتشاف الورثة البينا". إفترقننا على أمل اللقاء ولم يتم فى زحمة رحلة الحياة المعقدة ونظل سوياً نحمل فى السويداء حب تلك الورثة النفيسة التى يسعدنا الإحتفاظ بها ألا وهي الإسم النادر المشترك بيننا وآخرين " عبدالمحمود"

هذا هو السودان الطيب بطيبة أبنائه " فكلنا نظل بإذن الله إخواناً يجمعنا الشرق والغرب والشمال والجنوب صرة واحدة قوية صلبة" ونعوذ بالله من السياسة وشرها وأمراضها!

رحم الله دكتورة فاطمة عبدالمحمود وكل موتى المسلمين. ربنا يكرمها بالفردوس الأعلى. العزاء من على البعد للدكتورة فتحية ودكتور علي وبقية الأسرة من أبنائها وأسرتها الممتدة
عبدالمنعم

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.