يالدنيا العبوس ما فيكي راحة

يوماً فى زعل ويوماً فى انشراحة

" العوض أب رزق" شاعر من حي طيبة ببربر، عليه رحمة الله

(1)
ماتت خالدة عبدالسلام طالبة طب جامعة الخرطوم فى عمر زهر ياسمين الصبح الربيعي المشرق وروح رقيقة لها كانت هي كعبق الفل اليانع، حتى وإن أسدل الليل أستاره وسكن العالم الحي كانت خالدة ذات الإثنين وعشرين عاماً لا تسكن لها جوانح ولا يهدأ لها قلب وبال، ففكرها وتفكيرها بوضع أسرتها ومستقبل تحصيلها الدراسي حمل ثقيل تكاد تنوء عن حمله الجبال . أسرتها المتواضعة كانت هي هدفها السامي فنذرت نفسها للتسلح بسلاح العلم فى أرقى مستوياته والكفاح من أجل توفير الحلال الذى يسد رمق الوالدين وأشقاء وشقيقات كم كانوا كلهم ينتظرون على أحر من الجمر تخرجها كطبيبة ناجحة . ومع سهر الليالي وسط كتب وملازم علم الطب البشري المنهك لم تنهزم وتضع السلاح ارضاً بل استمرت فى دراستها وتخيرت طريق "البركة ما من كثير، والرزق الثابت نابت وإن كان قليلاً" فصارت تجني دخلاً حلالاً من صنع يد شريفة، وإن ضاقت الدنيا فأرض الله كانت واسعة وهذا ما فعلته مهاجرة خلال رحلات شتاء وصيف ولكن لله فى خلقه شئون ويختار ما يصعب علينا فى الظاهر تحمله و أما الذى خلف الحجب لأمر عجيب وسر يصعب إدراكه أو فك رموزه. حزنت من أعماق القلب مع الذين حزنوا لفراقها وهم قد عرفوها ، أحبوها وتعاملوا معها ثم تجمهروا حزينين يدفنون جسدها النحيل الطاهر على تربة مدينة العين بالإمارات العربية المتحدة التى أحبتها وأحبها أهلها. كانت الفقيدة تزور هكذا أهل مدينة العين تقدم لأسرهم مساحة واسعة من البهجة وولوج عالم الزينة والجمال الذي يحتاجونه وهم يستعدون لإستقبال الأعياد ومناسباتهم السعيدة. حادث سيارة أليم قضى على زهرة كانت قد أينعت على تربة صالحة سقياها ماء زلال. آه من لوعة فراق أصحاب العمر القصير وآه من لوعة الأهل الذين كانوا ينتطرون بلهفة إكتمال نمو تلك الزهرة حتى تتحول إلى ثمرة وفاكهة ناضجة تنفع العالمين وتسر الناظرين. لك من الله الرحمة وأعلى الفراديس لك بإذن الله وكرمه مسكناً مع السهداء والصديقن ولأهلك صبراً جميلاً وعوضاً كبيراً وبركة ورحمة من الله تتولاهم دنيا وأخرى. لا أعرفك ولكن يكفينى ما قد عرفت من حديث الذين قد عروفك وشيعوك.

(2)
ورحل عنا كذلك الشاب مبارك بخيت زين الشباب ، إنه والله كان المبارك صباح الخير والسرور ، حلو المعشر وجميل الخصال فهو حسب تجربتنا معه الأمين الذى كان يؤتمن فى السر والعلن. مبارك شاء الله أن يعمل مع شقيقي إسماعيل بمحله فى سوق السجانة منذ سبعة سنوات حتى مجيء أمر الله. تزوج خلالها ورزق من الصغار وحج بوالدته العام الماضي . كان هادئاً قليل الكلام إلا فى ما يفيد فتحسبه كبيراً رغم أنه فى منتصف العقد الثالث. توفي يوم الجمعة الماضى فجأة وهو يقوم بإعداد مهمة عمل لزبون كي يتم تنفيذها يوم السبت. لم يعرف له مرضاً مزمناً أو طارئاً . وهكذا انطفأت شمعة كانت تنير ظلمة أسرة كبيرة ممتدة . غادر الفانية مبارك المبارك الكريم المستقيم والأمين فترك مساحة كبيرة من الفراغ وجرحاً لا يندمل بسهولة وترك زغباً تحتاج إلى رعاية. هكذا روحان عطرتا فى الأيام الفائتة السموات روحاً وريحاناً عند صعودهما إلى مولاهما ، ربي أكرم مثواهن.

(3)
شارع المشتل وسط حي الرياض بالخرطوم صورة مصغرة لما يجري يومياً أثناء رحلة الحياة الاهثة فى الخرطوم الكبرى " إنها لوحة فوتوغراجتماعية" إن صح لى تسميتها بذلك لأنك أثناء ساعات الظهر بشمسه الحارقة تشاهد أصنافاً من البشر منهم الغنى المتخم والفقير المدقع ومنهم من يمر راكباً أغلى موديلات السيارات الحديثة المشهورة عالمياً ومنهم من يمر راجلاً أو راكباً على حمار أو كارلو أو رقشة أو من هنا وهناك طفل يدفع بساعدية النحيلتين "درداقة" هي مصدر قوت أسرة تنتظره كل يوم.

أذكر أننا خلال الشتاء الماضى كنا جوار شارع المشتل حوالي الساعة الرابعة بعد الظهر بصحبة شقيقي إسماعيل وعندما بدأنا التحرك من أمام أحد المخابز جاء نحونا طفل لا يتعدى الثانية عشر من العمر يركض حاملاً كرتونة صغيرة عليها ربطات صغيرة الحجم من حزم النعناع الأخضر. قلت لإسماعيل بالله أنتظر نشوف ماذا يريد منا هذا الطفل . كان يلبس جلباباً أقصر من طوله وسفنجة قديمة تقيه من حر الرمضاء. يبدوا عليه الجفاف من العطش والحر والإجهاد. سألته " أخبارك يا ابني". قال لنا " والله عاوز أبيع ما تبقى من هذا النعناع لكى أجرى أحصل بصات ضهارى الخرطوم وأهلي بيكونوا منتظرنني أعود قبل الغروب. عليكم الله ساعدوني وممكن ابيع لكم الثلاثة لفات فقط بعشرة جنيه". تدخل أخى إسماعيل " لا تشتري نعناع الشارع لأنه ملوث"!. قلت له "هذا الطفل مكافح، شوف بدل ما يكون جالس الآن في مدرسة واقف فى الشارع وفي الهجير ليسترزق وما تدري كم عدد الذين يعتمدون عليه من أهله كل يوم؟ أنسي موضوع التلوث والتكن نيتنا مساعدة أسرة بكاملها وما تنسي أخى أن الماء طاهر وطهور ومافى سم بيعقب النار كما تقولها حبوباتنا". قمت بشراء كل كمية النعناع فانطلق الطفل فرحاً. أما إسماعيل فقد قال لي عندما أوصلني " عليك الله أديني حزمتين ثلاتة من نعناع الولد ، والله ريحته حلوة!"

هكذا الحياة تتعدد فيها صور المعاناة ونوع المصائب التى تنتج جراء الفقر والمرض وعدم الاستقرار و أيضاً نتيجة الحروب أو الكوارث الطبيعية التى لا تفرق أو ترحم. الصور الثلاث هى مرآة تعكس الحال في السودان لا فرق كونه يحدث فى الشرق أو الغرب أو الشمال أو جنوبه بما فى دلك دولة الجنوب الحديثة الميلاد. ولا يبقي فى الحياة سوى العمل الطيب والذكرى الطيبة الجميلة ودولة تجيد التخطيط السليم والتنفيذ المتقن والعدل بين الناس وتوفر الخدمات الازمة حسب ما يتوقع دافع الضرائب من عائد ملموس

التعازي الحارة لأسر الطالبة خالدة عبدالسلام ومبارك بخيت فكلتا الأسرتين تحتاجان الدعم المعنوى والمادي من أهل الخير والبر والإحسان وكذلك مثل ذلك الطفل أيضاً أطفال كثيرون و على الدولة أولاً وآخراً أن تنقذهم فهم فى الحقيقة عماد مستقبل الوطن ورجاله وهذا ما نرجوه

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
كتبوا عن خالدة:

لَكِ الخلدُ يا خالِدة ..

خالِدةَ عبد السلام ، ابنة الاثني والعشرينَ ربيعًا طالِبةُ كليّة الطبِّ في جامعة الخرطوم مِن أسرة سودانيّة مكافِحة ، امتهنت الحِنّاء في السودانِ لتوفِّر رسومَ دراستِها ولتساعِد ولو بالشيء اليسير بتلبيّة احتياجات أسرتِها الكبيرةِ والمُجاهِدة ..

ونظرًا لبراعتها واتقانِها تعاقَدت مَعها رابطة الجالية السودانيّة في مدينةِ العينِ الإماراتيّة لتعمل اسبوعًا كعصفورةٍ مهاجرةٍ طالبةٍ لرزقِها في كلِّ موسمٍ من مواسمِ عيد الفطرِ وعيدِ الأضحىَ والعيدِ الوطنيِّ ، تارِكةً وراءها بهجة قضاءِ العيدِ مَع الأهلِ والأحبّة ، موقِنةً أنّه :
إذا كانت النفوس كِبارًا * تعبت في مرادِها الأجسامُ ..

لَم تخلد خالِدة إلى الراحة ولم تَركن إليها ، ولم تعتقِد يومًا إلّا بقدسيّة العملِ وكرامتهِ ورفعتهِ ، نشأت على الكِفاحِ منذ فتحت عينها على هذهِ الدنيا ، وتنقلت مِن مكانٍ إلى آخر تَطلبُ الرِزق الحلالَ الطيّب ..
يشهدُ لخالِدة كل مَن عرفها بالخيرِ ، ويخبرني زملائِي من الجاليّة السوادنيّة أنّها لم تكن ترضى أن تأخذ اكراميّة على عَملها ، تقولُ أنَّ البركة والنماء في حقِّها مِن عرقِ جبينها ..وليسَ هذا بمستغربٍ عن أهلِ السودانِ ، خيرة مَن عرفت من الناسِ، أهل الطيبِ والخيرِ والكَرمِ وحب العروبةِ ..

صَلينا قبل قليل عقب صلاة العصر على خالِدة ، بعد حادِثِ دَهسٍ تعرضت لَه أوّل أيّام عيد الفطرِ المبارك أثناء تنقلِها لاداءِ عملِها دَخلت إثره في غيبوبةٍ جتّى توفاها الله فجر هذا اليوم ..
توفيتَ خالِدة ودفِنت بعيدةَ عن أهلِها ، لكِن عوضها الله بأن حضر جنازتها آلاف مِن سكّان مدينةِ العين ، مواطنون ووافِدونَ ومن شتّى الجنسياتِ يدعونَ لها بقلوبٍ مُخلصة وضارِعة إلى الله..

أبشِرك يا خالِدة بقولِ مَلك الملوكِ : وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ..
وأيِّ هجرة كهجرةٍ تعفُّ فيها نَفسك وأهلكَ ...

أودِّعك يا بنيّتي خالِدة عبد السلام ، وقد ارتحتِ مِن عناءٍ وكَبد الدنيا وانتقلتِ إلى فسحةِ الآخرةِ لترقدي بسلام في جنّاتٍ ونهر ، في مقعدِ صدقٍ عندَ مليك مقتدِر ..
بقلم : د.إبراهيم السريحين
محاضر / مدرسة الشرطة العين.
من الاردن الشقيق

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.