بقلم د. طبيب عبدالمنعم عبدالمحمود العربي
المملكة المتحدة

الأطباء وطاقم التمريض هم أكثر الناس معايشة لحالات الموت المختلفة أسبابها داخل المستشفيات. لا يختلفون عن سائر البشر فى التعبير عن شعورهم الإنساني عند مواساة أقرباء المتوفى. الصعوبة تكون فى ابلاغ الخبر إذا كان الموت سريعاً أو غير متوقع أو سببه ليس واضحاً مما يستوجب تشريح الجثة.في مثل هذا الموقف الحرج Breaking of the bad news يحتاج إلى خبرة وفن ورباطة جأش. القصة التالية عايشتها وأريد سردها مع تغيير الأسماء ومكان الحدث لكي يتعرف القاريء من بلادنا الحبيبة على بعض العادات والتقاليد لدى شعوب أخرى تبعد عنا وكيف كمثال لذلك يتصرف بعضهم بغرابة عند موت عزيز لديهم. والأهم من سرد هذه القصة كمؤمنين أن للموت عندنا "ذكراً وحضوراً" وقع خاص فى نفوسنا نعيش هيبته والخوف منه لأنه يعنى ويذكرنا أن صحائف كل منا قد طويت لحظة خروج الروح ويا ويل من يخرج من الدنيا كمن يخرج "من المولد بدون حمص! ". فيا لساني أعوذ بالله منك أن تزلني وتدخلني النار.


دورين “Doreen” إمرأة في الرابعة و الستين من العمر أدخلت المستشفى أثناء إحدى عطل الأسبوع بإرتفاع فى درجة الحرارة وهبوط ضغط الدم وفقدان السوائل الحاد نتيجة القيء المستمر إضافة إلى عدم الرغبة في الأكل والشرب منذ عدة أيام. أثبتت الفحوصات المبدئية أنها تعانى من ارتفاع درجة الحرارة وإلتهاب المسالك البولية واحتمال تسمم فى الدم مما تسبب أيضاً مع مفعول الجفاف وهبوط ضغط الدم فى حدوث خلل حاد فى وظائف الكلى. تم مبدئياً وعلى الفور إسعاف المريضة بالسوائل والمضادات الحيوية القوية المفعول. تحسنت حالتها تدريجياً نوعاً ما. فى صباح الإثنين عند بدء الدوام تم تحويلها إلى القسم الذى يخصني الإشراف عى مرضاه.

الأنطباع الأولي لدى المشاهد أنها تبدو إمرأة أصغر من عمرها الحقيقي بحوالي عشر سنوات وأكثر. جميلة و شقراء، كثيفة الشعر واسعة العينين الزرقاوين، تجمل وجهها ابتسامة خفيفة تخفى حزناً لكن تجامل بها كل فرد رغم إرهاق الوعكة الحادة التى لم تنقشع بعد. أيضاً تبدوا من طريقة حديثها وهيئتها العامة وملابسها وما تتجمل به من حلي أنها من طبقة إجتماعية راقية. تحسنت أحوالها يوماً بعد يوم.لكن المفاجأة المحزنة أنها قررت فجأة عدم الإستمرار في العلاج وإن لم نوقف المحاليل والأدوية ستوقفها بنفسها بنزع الدربات وتوصيلات الأجهزة الكهربائية المعينة، وقررت جادة أن نتركها لتموت. الحياة عندها لم تعد تسوي شيئاً بعد وفاة زوجها كما تقول. تسكن في بيت بمفردها وابنها الوحيد يعيش فى مدينة بشمال البلاد تبعد عنها مئات الأميال وله ظروفه التى تشغله عنها فلا تلومه. فى مثل هذه الحالات لابد من التأكد من سلامة عقل المريض وهذا يتضمن فحص المخ ووظائف الأعضاء والتأكد من عدم تفاقم انتشار عدوى الباكتيريا فى الدم كما يتم إستدعاء الأطباء النفسانيين الذين ايضاً يساعدون فى تشخيص حالة ذلك التصرف الغريب من هذيان أو إكتئاب حاد نتيجة المرض. فإبداء رأيهم مهم جداً من النواحي العدلية حالة حدوث أي شكوى من ذوي المريض أو المريض نفسه. أيضاً تناقش مثل هذه الحالة بحضور طاقم كامل يشمل الاطباء والنفسانيين والممرضين والعلاج الطبيعي والمشرف الإجتماعي .....إلخ " multidisciplinary meeting “ لوضع خطة لتحديد العلاج المناسب أو الخروج من المأذق بدون تداعيات

سألت دورين إذا لم تمانع أن نتصل بإبنها فوافقت بعد فشل كل المحاولات لإقناعها. للأسف لم يكن الإبن أفضل من والدته. قال على التيليفون "نحن أسرة برغماتية وكل منا حر فى أي تصرف يختاره وأنا احترم رغبة والدتي فالرجاء أتركوها تنام بهدوء وألا تتعذب من أي ألم عند الموت."
فى هذه البلاد توجد فى كل المستشفيات تخصصات تتعلق بالإشراف على مثل هذه الحالة وحالات الأمرض المتقدمة الخطورة أو الميؤس منها كالسرطانات وغيرها. لهم بروتوكولات معتمدة يسمونها "End Of Life pathway “ يطبقونها لكي يموت المريض تدريجياً تحت رحمة المسكنات طبعاً بموافقة أهل المريض.

ما هي إلا أيام قليلة رحلت بعدها دورين فى هدوء وسكينة الساعة السادسة من صباح يوم الخميس. عند حضورنا للعمل الساعة التاسعة صباحاً بلغتنا الممرضة المسؤلة بالوفاة وأنهم قد أخطروا إبنها الذى قال لهن إنه سيحضر على الفور. بدون شك حزن الجميع على موت تلك المرأة الأنيقة الجميلة التى كان المتوقع شفاؤها وخروجها معافاة إلى بيتها.

وأنا مستمراً فى المرور الصباحى استدعيت لكى أقابل إبن دورين لأحكي معه وأواسيه حسب الواجب والنظم المتعارف عليها. وجدته مصحوباً بزوجته شاباً أنيقاً في الأربعينات من العمر طويل القامة أشقر الشعر واسع العينين مثل والدته ويلبس أجمل أنواع الثياب.
كان صامتاً طيلة الوقت. فى نهاية المقابلة عادة ما تترك الفرصة لأهل المتوفي لكى يشاهدوا الجثمان ويعيشون جواره لكي يشبعون عواطفهم بعضاً من الوقت قبل نقله إلى الثلاجة.
وكانت المفآجاة للجميع حيث دعي لمشاهدة أمه فتحدث قائلاً " لا أبغي مشاهدتها، فقط أريد عقدها، رجاءاً أحضروه لي". هكذا ودعته ومرافقته ، ذهبت فى سبيلي وأنا أغالب صراع الحزن على تلك المريضة وصراع التعجب من تصرف ذلك الإبن وحيد أمه. أحضروا له العقد الذهبي فوضعه في جيب سترته وغادر هو وزوجته بعد إن حررت له شهادة الوفاة. فجالت بخاطري ذكرى يوم ودعت والدتي مغادراً السودان إلى عملي بالإمارات. كانت أصعب تجربة فى حياتي لأنها كانت مريضة وساعتها تدعو لي وتسأل الله أن ألقاها مرة أخري فأجهشت ، وللنحيب ينابيع أحياناً تنفجر ، فظللت أبكيها أمامها حية لأنني كنت متأكداً أنها لحظة فراق أبدي وسوف لن تجمعنا الدنيا من بعد!. حزني على أمي جاوز العشر أعوام بعد وفاتها فقد فاق فى ظني حزن الخنساء على أخيها صخر.

تعليق:
هكذا تمر بنا أثناء حياتنا اليومية صور شتى من حالات الموت منها نتعلم الكثير. فى هذه الحالة أعلل تصرف الإبن بأنه قد لا يتحمل ساعتها رؤية والدته جثة هامدة بعد أن كان ينعم بحنانها حضوراً كماً وكيفاً وملاطفتها له. أما طلبه أخذ عقدها الذهبي فالتفسير الغالب أن بعض الأسر الأروبية تُوَرِّثْ أجيالها شيئاً مثل الخاتم أو العقد والسوار رمزاً لإستمرارية شجرة العائلة، والله أعلم.

أما الدرس المستفاد هو:
رفقاً بالوالدين يا أحباب ، رجاءاً عضوا عليهم بالنواجذ إن كنتم تنعمون بصحبة وجودهم بينكم، فالفراق والله لمر وأليم، وأن لا تغفلوا عنهم إن كنتم بعيدين فى بلاد الشتات. ويا حكام المسلمين العظماء ويا كل غافل تذكروا أن فوق كل عظيم "العظيم الحق" وأن الموت لملاقي كل نفس، يحوم حولكم كل لحظة وكل ثانية فأيقظوا من سباتكم! أسأل الله لي ولك عزيزي القاريء حسن الخاتمة

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.