فى طفولتى كان كل الأطفال يساقون إلى الخلاوي قبل بلوغهم السابعة لدخول المدارس الإبتدائية. كان عرفاً سائداً في كل مدن السودان كما في مدينة وبربر وريفها حيث تكثر الخلاوي وأشهرها خلاوي الغبش غرب النيل وخلاوى الشيخ عبدالصادق ( الشايقي) والبكاي والبدري وغيرهم شرق النيل. أنا كنت الوحيد في أسرتنا الذي شق عصا الطاعة ورفضت دخول الخلوة وعجز الوالد فتركنى لحالى أستمتع باللعب وممارسة هوايات الطفولة بل كان يساعدني في تحقيقها، فجاء من بعدي أشقائي مولانا الطاهر وإسماعيل فلم يفكر الوالد في ادخالهما الخلوة. عندما دخلت المدرسة الأولية وجدت صعوبة المنافسة مع الآخرين خلال الصف الأول والثاني خاصة في مادتي الدين واللغة العربية لأن كل من في الفصل كان قد تخرج فى تلك الخلاوي وكلهم يجيدون بطلاقة القراءة والكتابة ومباديء الحساب ويحفظون القرآن حتي جزء قدسمع. كانوا يضحكون عليّ عند تسميع القرآن في حصة الدين وكنت أصغر من في الفصل جرماً . هذا ما حفزني للمنافسة والإجتهاد فصرت اتقدمهم عند دخولي الصف الثالث ومن ثم كنت أول الفصل في السنة الرابعة وأحرزت المركز الخامس من العشرة الأوائل في إمتحان الدخول للمدارس الوسطي في منافسة تشمل مدينة بربر وريفها الممتد من خِليوة بعطبرا إلي منطقة شيري بالمناصير. عند دخولي المدرسة الثانوية لم يدخلها أي من أولئك الذين عاصرتهم خلال المرحلة الإبتدائية. لم يصلوا إلى الشباك، واللبيب بالاشارة يفهم !

الآن رغم تقدم وسائل العلم والتعلم نوعياً وتقنياً وتوفر المعلومات وتحسن مستوي الفرد ( المفروض يكون بمقارنة زمن طفولتنا) نجد ان الخلاوي اليوم تمثل سجناً ووكراً تمارس فيه أبشع الجرائم الجسدية والنفسية وتحرش جنسي من قبل الذين نحسبهم شيوخ خلاوي العصر الحديث المستنيرين ، للأسف الشديد هذا يحدث في السودان. قبل أشهر قليلة كتبت وكتب غيري في هذا الموضوع عن الطفل المجنزرة رجليه الذي هرب بجلده من خلوة بشرق نيل الخرطوم ينشد الحرية ويتمنى مواصلة تعليمه كغيره من أطفال السودان.

اليوم يعيد التاريخ نفسه وبسرعة تسابق الريح جريمة مماثلة يتنافس فيها المتنافسون من شيوخ خلاوي اليوم ، بل أبشع ما تتداوله المواقع الإحتماعية من صور وفيديو طفلين ثلاثة عشر وأربعة عشر أعمارهما مجنزرة أرجلهما ومغلفة تلك الجنازية بأقفال فولاذية ثقيلة الوزن . يقولان أنهما ربطا عند شجرة لمدة اسبوعين يجلدان كل يوم من قبل شيخ خلوة بمنطقة جبل الأولياء ويعيشان علي وجبة عصيدة فقط تقدم عند وقت الفطور والغداء وبعد ذلك ينامان الليل الطويل على القِوي. هل يجوز هذا يا وزارة التربية والتعليم؟ هل يجوز هذا يا الدعاة ويا أأمة المساجد ويا مقدمي البرامج التليفزيونية الدينية والنفسانية والأسروية ...... إلخ التى لا تفيد؟؟؟. الواقع طفولة ( المفروض تعتبر كنز السودان الموعود بخيره) للأسف منها المشرد ومنها اليتيم ومنها الفقير ومنها من ولد وسط مناخ جهل معتق ويحكى كل حالها بمرارة عن مستقبل وطن ينذر بالهلاك وظلمة ظلماء تهدد سماء الوطن كله. فهل من منقذ من كل هذا الضلال ولمثل هؤلاء الأبرياء ، يارب؟ أرجو ذلك
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.