"تستلقي قرية المصباح على جنبها بدلال بين حاشيتي النيل الأزرق و شريط الأسفلت، يهدهدها مجرى ويوقعها آخر كعجوز متصابية أدركتها السنين، ترجو طالب متعة، أوسطها مترهل وضامر طرفاها، ثديها منهدل وكرشها منبسط، وعجزها منبعج، توسد رأسها درج الغاب وتاج ضفائر الماء خمار ووشاح ، وحلتها حجر المسيد وقبة الشيخ المصباح".....(المؤلف)

هذه هى "قرية المصباح" المعنية بحكاياتها الجميلة فى الكتاب الذى أهدانيه مشكوراً مؤلفها الأخ الصديق والزميل الدكتور الطبيب والأديب المبدع عبدالمنعم عبدالباقى علي، كبير إستشاريي الأمراض النفسية والعصبية بمنطقة نيوكاسل، المملكة المتحدة

هذا السفر حامل الرواية قد ولد وحبا ومشى فقط خلال أربعة أيام وليالي "حسب إفادة المؤلف". هو من طباعة مؤسسة مدارك فى العام 2008. متوسط الحجم (21.5x14x1.5 cm) ، عدد صفحاته 198. عظم الغلاف من النوع السميك أصفر اللون. إضافة لذلك فللغلاف سترة رائعة التصميم والمنظر تتكون من غطاء ورقي ما هو إلا لوحة فنية جاذبة، خلفيتها تجمع لون البرتقال والمانجو وكعك العيد وذهب السودان و أيضاً رسماً لريش طاؤس هو رمز الزهو وعظمة جمال خلق الله في الكون حيث الطاؤس هو الطائر الوحيد الذي يباهي بجمال ذيله كل الطيور الجميلة بما خصه الله به من ذيل ذي ألوان رائعة تكون لوحة تسر الناظرين عندما ينفش ذلك الطائر ذيله متبختراً وهو يسير الهوينا وسط الحدائق. لقد أبدع الفنان الياس فتح الرحمن في تصميم هذا الغلاف حتي في إختيار نوع حروفية وألوان عنوان الكتاب. أيضا الإسم نفسه لجميل فمع "الزهو" الجزء الأول من سلسلة الحكايات قد تزين أكثر بحمله العَلَمْ "المصباح" الذي هو فى حياتنا ودنيانا القروية تلك الشعلة الهادئة وهو ينير الدروب والليالي المظلمة و هو الضوء الحالم الذي يبدد وحشة الذين يسكنون فى الكهوف و الأكواخ فى الصحاري أو البوادي النائية فتولد هكذا المؤانسة والصحبة التى تجعل من الليل أنساً حتي وإن كان ذلك من على البعد مع الأحباب الذين تشتتوا في التخوم الغير محسوسة أو مرئيّة . والعنوان أيضاً يحمل فخراً ذكر إسم "القرية" التي في اللغة هي المدينة والمكان الذي يعيش فيه الناس يتكاثرون ويعملون متعاونين ، يبدعون ويتحضرون يعمرون الأرض فيكونون أمة.

مضمون الكتاب هو إبداع كاتب بل ما هو إلا فنان يرسم بالكلمات صوراً من قريته التى هي واقعية وتحمل بين طياتها فى نفس الوقت تراثاً سودانياً وكلمات دارجة وان وثق لها الكاتب مشكوراً فالخوف عليها من الزوال وارد مع الهجوم الكاسح لدخول العولمة بيوت تلك القري فتبدلت لهذا السبب فى زمننا هذا كلمات كثيرة وحلت محلها لهجات شامية وخليجية وأروبية. لكن وجود مثل هذه المؤلفات لضرورة أيضاً في نشر ثقافتنا وتراثنا السوداني الغني بالدروس والقيم والحكم ليس للأجيال السودانية القادمة فحسب بل لشعوب كل البلاد المجاورة والصديقة أفريقية كانت أم عربية لكي يعرفون حقيقة من نحن. وإن كانت قصة حكايات قرية المصباح وتعدد شخوصها وحكاويهم تذكرني بحكايات المرحوم الأديب الكبير الطيب صالح لكن لا يجوز الحكم عليها بالتقليد المحض لأسلوب الأديب الطيب صالح عليه رحمة الله لأن التنوع الإثني والثقافي الذى يتمتع به السودان هو ما يؤثر في نوع الحياة اليومية والعادات ومفردات مصطلحات لغة التعامل والمزاح بل حتى الأسماء الحركية فى تلك القري. ففى هذا الكتاب د. عبدالمنعم قد أمعن فى مزج العامية السودانية البحتة (التى من مفرداتها ما لا نجده مستهلكاً في بلد آخر إلا فقط ربما فى تلك القرية ، حتى أنه قد قام بشرح ما يصعب فهمه فى آخر الكتاب) مع شيئ من العربية الراقية رقي معرفته بها وتبحره في بحورها ولا غرابة إن كانت بعض مفرداتها صعبة ليستوعبها القاريء العادي ذلك لأن دكتور عبدالمنعم قد تفقه فى ناصية اللغة العربية فولد كاتباً مجيداً وشاعراًمتمكناً. وإن أخذته الأكاديميات العلمية و مهنة الطب خاصة في هذا التخصص الإنساني الحساس الهام لكنّه أيضاً وبكل قوة قد دخل هكذا عالم الثقافة والفن والأدب بإجتهاده والمثابرة فى القراءة والتثقيف حتى نجح مثل الذين تخصصوا في ذلك المجال متخرجين فى الكليات والمعاهد الأدبية. هكذا عصامياً ومهنياً قد جمع دكتور عبدالمنعم الحسنيين وهذا مما يساعده متمكناً أكثر من غيره كطبيب في التعامل مع مرضاه وطريقة التشخيص وعلاجهم وإنني على يقين إنه لمحبوب عند كل مرضاه.

لا أريد هنا أن أطيل وأذكر بالتفصيل أسماء ابطال تلك القرية (لكثرتها) النابضة بالهدوء أحياناً أخرى بالهر ج والمرج وحكاوي كبار الشيوخ المتصوفين وغيرهم والنساء ، لكن أقول ليت هذا الكتاب قد جاء فى شكل سيناريو روائي يصلح للتمثيل بدلاً من حكايات وونسة وليته يجد مكانه في الأسواق ومتناول اليد لكل إنسان يبحث في أغاوير التراث السوداني ودنيا الريف السوداني وسلوك الناس السمح البسيط الذى يتحلي بروح الإخاء والتكافل. ليت هذا السفر يقدمه المؤلف العام القادم ليتنافس مع المتنافسين علي جائزة الأديب السوداني الطيب صالح. كنت أحبذ أن يكون حجم الحرف أكبر قليلاً من ما جاء لتسهل مطالعته وهذا قد يحتاج إلى تكبير مساحة الكتاب فى نسخة جديدة تتضمن أكثر من التنقيح أو الإضافة. سعدت بإغتناء هذا السفر الجميل الذي راق لي و بما أننى لست أديباً أو خبيراً فى النقد الأدبي لكي أنقد أو أنتقد ما جاء فى هذا الكتاب إذاً لا يجوز لى أن أضيف أكثر من ما قاله عن هذا الكتاب أدباء ونقاد محترمون معروفون منهم الكاتب دكتور عبد اللطيف البوني والكاتب والناقد عيسى الحلو والشاعر محمد المكي ابراهيم.

من ضمن تعليق الأستاذ عيسي الحلو قوله " الجديد فى هذه التقنية الروائية أن المؤلف ينظر للمشهد الواقعي والحياتي الوجودي فى شموليته على أساس أن قانون الدراما هنا رغم أنه يظهر نفسه فى السبب وأصل السبب ، إلا أن هناك أقداراًعليا تمسك بزمام الحراك الدرامي وتدفع به إلى نتائجه. ومن خلال هذا الطرح الصوفي يتضح المنهج الروائي الجديد الذى يحاول هذا الكاتب الجريئ القدرة الجمالية أن يقدمه ليرفد به الرواية السودانية لتضيف للرواية العالمية دون أن تقلدها وتحذو حذوها وتتابعها كوقع الحافر على الحافر". أما الدبلوماسي والشاعر محمد المكي أبراهيم من نتيجة قراءته وانطباعه للرواية فقد قال " ما الذي أتى بهؤلاء الناس إلى ضفاف النيل الأزرق وجعلهم يتخذونها وطناًمستقراً؟ هل هو وعد اللبن والعسل الذي كانت تمثله الأرض السودانية للمهاجرين الذين تدفقوا عليها طيلة القرنين السادس والسابع عشر ؟ هل هو قرب الماء والكلأ وما يبعث من دفء وأمان فى مخيلة البدو وسلالاتهم وهم يلوذون بالنيل من شظف الصحراء وتقلبات مزاجها غير المضمون؟. تجيبنا على هذه الأسئلة هذه الحكايات التى يرويها الدكتور عبدالمنعم عبدالباقى عن قرية المصباح وأولها الحكاية الحالية "الزهو" يظل فيها المكان هو المكان ولكن الأشخاص يتبادلون المواقع أو يفسحون لآخرين هم حيناً أولادهم فى الأجيال الاحقة وحيناً أسلافهم وأجدادهم فى الأجيال السابقة."

وكتب عنه الأستاذ محمد مبروك محمد " من هم دكتور عبدالمنعم عبدالباقى علي؟ هل هو قروي من أهل السودان أم من مدنها؟ وهل تلقى تعليمه بمدارس السودان ثم عرج على دار العلوم فى القاهرة ودرس بها اللغة العربية والأدب العربي وعرج على جامعة روما وأكسفورد والسوربون ودرس اللغات المقارنة أم أنه طبيب تخصص فى الطب النفسي؟ الإجابة فى هذه الحكايات.

التهنئة للآخ دكتور عبدالمنعم عبدالباقى على هذا المجهود المقدر ، ويبقى الأمل كبيراً فى انتظار ميلاد بقية الحكايات شقيقات "الزهو" من "قرية المصباح".

عبدالمنعم
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.