قلما يجود هذا الزمن العصيب بساعة صفاء مع من تصفوا نفوسهم وقلوبهم فالحياة صارت عسيرة ومتطلباتها شغلت الناس عن جلسات الأنس التي كانت برحابة وأريحية تعطر دنيانا في زمن مضى لا نزال نعتبره جميلاً بقياس ما نعانيه اليوم من هول المصائب وإبتلاءات السنين المتواصلة.

رحم الله كل الأفذاذ من العلماء والكتاب والشعراء والفنانين والعمال والفلاحين وامهاتنا فى برزخهم أخالهم ينعمون بفضل الله ورحمته. مع مثل هذا الرحيل المر يبقى الفراغ الموحش الكبير ولكن السلوى تكون فى ما بقي من بصمات أعمال وإنجازات رائعة ومقدرة يسجلها التاريخ . فالشهرة سلاح ذو حدين إن حدثت لكن نعم الشهرة إذا حسنت سيرة صاحبها ، أخلاقاً وسلوكاً وصدقاً في القول والتعامل مع الآخرين بشفافية مع غزارة الإنتاج النافع للبشرية. الطيب صالح وعبدالله الطيب وأحمد شبرين كانوا ثلاثتهم من الذين يشرفون السودان في كل المحافل داخلياً وخارجياً بما أنجزوه من عمل وما تركوه من أثر طيب فبلغوا الشهرة المحلية والعالمية بشهادة من يقدرون أعمالهم .

حظيت بساعة صفاء مع الأستاذ الفنان الرقيق أحمد شبرين بمنزله العامر فى حي الرياض بالخرطوم خلال شهر يوليو 2016. كنت وآخرين نجد كل المتعة عندما يصفو مزاجه رغم المرض المزمن ويحدثنا في أي موضوع، فقد كان متحدثاً وروائياً بارعاً وموسوعة فى التاريخ والأدب والفنون والتراث والدين وجمائل الأخلاق، ملكات وصفات لا يستهان بها لأنها من الصعوبة أن تجتمع في شخص واحد إلا عند الأذكياء. كان من ضمن الحديث رحلة شبرين مع الطيب صالح وعبدالله الطيب مدعوون لحضور إحتفال الجنادرية الثقافي الذي تقيمه المملكة العربية السعودية. وإليكم الأعزاء القراء القصة كم رواها شبرين عليه رحمة الله:

قال كان فى مطلع وجودنا بالمملكة زيارة للأمير متعب بن عبدالعزيز صباح يوم الإحتفال وكان معنا أحد المصريين الذي كعادة المصريين أراد أن يتولى متصدراً قيادة الوفد. قال إستأذننا لكى يلقى كلمة أمام الأمير وفعلاً قد فعل بعد موافقتنا. الإشكال الذي وقع فيه المصري أنه خاطب الأمير ناطقاً إسمه أكثر من مرة ب" مُتْعَبْ". قال بعد أن خرجنا تصدر الطيب صالح الحديث والأنس وسخر من المصري قائلاً له " بأي حال ولغة يجوز لك مخاطبة الأمير وتغيير إسمه إلي مُتْعَبْ بدلاً من مُتْعِبْ؟". قال: كاد المصري أن يجن وصار يردد "أنا أولت كدا؟؟ يالهوي يالهوي". وعندما حلّ ميعاد الحفل ذاك المساء قال جلسنا ثلاثتنا وكعادة تواضع السودانيين في المؤخرة. قال جاء سكرتير الحفل مهرولاً عندما بان له من بعد وجود بروفسيور عبدالله الطيب فطلب منه أن يشارك بكلمة. لم يرق ذلك التصرف لعبدالله الطيب الذى رد علية بقوة بالرفض لأنه غير مضمن فى البرنامج. قال شبرين لعبدالله الطيب " يا أخي أنت رجل موسوعة وتحفظ ليتك شاركت وطيبت خاطرهم". قال صمت عبدالله الطيب برهة ثم قال لشبرين " أراك تحمل أوراقاً فأعطنيها". شبرين قال كنت أحمل جريدة وقصاصة ورق فأعطيتها له وخلال خمس دقائق إذا بعبدالله يؤلف قصيدة!. قال نادينا السكرتير وقلنا له دكتور عبدالله وافق يلقي كلمة ويمكنك وضعه فى البرنامج.
جاء دور عبدالله الطيب الذي وقف شامخاً وخاطب الحضور بأن في عصر الجاهلية يوجد شاعر ربما تكونوا قد لم تسمعوا عنه من قبل قال قصيدة يصف فيها حال جزيرة العرب وسوء الحال واخلاق الناس فى ذاك الزمن. ثم قرأ عليهم قصيدة الأعرابي التي كانت بالطبع من قبيح الهجاء. شبرين مواصلاً يقول" صمت الناس وكأن على رؤسهم الطير ، ولو رميت إبرة على الأرض لسمعت صوتها. قال، تابع عبدالله الطيب الحديث بعد الإنتهاء من قصيدة شاعر الجاهلية قائلاً " وبهذه المناسبة هآندا أرد علي ذلك الشاعر بقصيدة ألفتها الحين"
شبرين قال والله لقد أبدع عبدالله الطيب وكانت قصيدته تلك جعلته نجم الحفل من غير منازع فوقف الحضور وهم يصفقون، فقام الأمير محمد الفيصل محيياً ونادى عبدالله الطيب وأجلسة تكريماً جواره. شبرين قال عبدالله الطيب لم يعجبه الحال ولم يستمر في الجلوس طويلاً جوار الأمير فقام وعاد إلى كرسيه . شبرين قال قلت لعبدالله " إيه الشي العملته دا؟". قال ضحك قائلاً " هذا إسمه الشعر الدبلوماسي".

شبرين قال " قصيدة عبدالله الطيب كان صداهاً كبيراً حتى أنهم رتبوا لنا برنامج سياحي في جدة ومن ضمنه زيارة لمستشفي حديث جديد وكبير يعود للملك. قال شبرين ان المرافق السعودي قد سأل عبدالله الطيب عن رأيه في مستوي المستشفى لكن كان بروف عبدالله فجاً وقال له " هذه مبالغات جمالية أنا لا أحبها لأنها لا تتناسب مع المرض". شبرين قال حاولت ألطف الموقف ولكن قال والله تذكرت كلام عبدالله الطيب وأنا ساعتها مستشفياً بعد تلك الرحلة بسنوات فى أحد المستشفيات الراقيةبألمانيا وفى نفس الوقت كان عبدالله الطيب يرقد بالسكتة الدماغية في أرقي مستشفيات لندن، قال لم أحس بأي متعة لجمال المكان أو طعماً للأكل أو غيره فتذكرت كلمات البروف عبدالله وقلت والله لقد قال كلمة صدق وقد تنكر العين ضوء الشمس من رمد فعبدالله الطيب لم يستفد نفسه كذلك من مستوى مستشفيات لندن في استطبابه بشيء.
نهاية القصة المؤسفة أن الورقة التى كتبت عليها القصيدة العصماء التاريخية قد وقعت من البروف عبدالله الطيب أثناء تحركهم لتناول العشاء مع الأمير متعب وعلموا أن أحد السودانيين الحاضرين قد وجدها واحتفظ بها ولكنها لم تعود إلي صاحبها، فضاعت!

رحم الله تلك الإهرامات العظيمة الثلاثة، الطيب صالح وعبدالله الطيب وأحمد شبرين الذين إن شاء الله في عليين ينعمون فى الفراديس بفضل الله ورحمته. اللهم لا تفتنا بعدهم ولا تحرمنا أجرهم ولا من علمهم واللهم أجعل من شباب السودان من يحذو حذوهم.

عبدالمنعم
" القصة أعلاه مسجلة عندي بصوت
الاستاذ شبرين"

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

///////////////////