قضيت الخمس شهور ونيف المنصرمة بالسودان – ما عدا رمضان المعظم الذي استمتعت بجزءٍ منه في أديس على قمة المرتفعات الإثيوبية، ثم عدت لأمعائي (أي فلذات كبدي) بأبو ظبي في العشر الأواخر؛ وقفلت راجعاً للخرطوم فجر ثاني أيام العيد، وغادرتها أخيراً إلى أبو ظبي قبيل عيد الأضحي بيوم. ولقد سعدت أيما سعادة بالتئام الشمل مع الأقارب والأصدقاء القدامى وأبناء الدفعة فى وطن النجوم، وبنوستالجيا الأطلال - مراتع الصبا ومهد الطفولة - وبحفلات الأعراس وجلسات الأنس البرئ على بنابر بائعات القهوة، وليالي مراسي الغربة بشاطئ النيل، وثمة حلقة ذكر صوفي تحت أجنحة الختم والبرزنجي ذات مرة، وقعدات المثقفين بالخميسيات؛ وما انفك الغناء السوداني يطربني ويشجيني رغم تقدم السن ووهن العظم وطول هم بات يعروني - كما قال محمد سعيد العباسي.
وما زال فى غالبية أبناء السودان روح نضالية ونخوة وكرم ودفئ ومحنة وشجاعة ورباطة جأش مع خفة دم؛ بيد أن الثقافة التى سادت مؤخراً على الرغم من كل ذلك هي القيم المادية والتهافت على الثراء الحرام وأكل السحت والكذب واللف والدوران وشيوع ممارسات السماسرة السوقة hustlingوالأنانية والحلول الفردية وانحسار الوطنية، تحت غطاء الإسلام السياسي والمتاجرة بالدين والتنسك المظهري الذى تراه أينما ذهبت، متسربلاً بالبراقع والجوارب والعباءات السوداء التى تستبطن أكداساً من الحلي الذهبية، وغير ذلك من الأيقونات التى تميز برجوازية المدن الورمية المتأسلمة، بالنسبة للنساء؛ واللحي الشعثاء والجلابيب القصيرة والقلنسوة بلا عمامة فى حالة الذكور، مع التخاطب بلغة إسلاموعصابية وافدة، تمنحك جواز مرور للتماهي مع الطغمة الحاكمة، أو على الأقل للتعايش معها وفق نواميسها ولهجتها المفعمة بالرمزية: ياشيخنا، وسع الله لنا فى الرزق، جزاك الله خيراً، الابتلاءات، جعلها الله في ميزان حسناتك...الخ؛ أو الهتاف "الله أكبر!" بمناسبة وبغير مناسبة، كالهر يحكي انتفاخاً صولة الأسد.
وإذا غصنا فى تلافيف الحياة، وتعاطينا الواقع الاجتماعي بكافة تجلياته أفقياً ورأسياً، وتقاسمنا اللقمة وافترشنا الثرى مع المسحوقين بالأحياء الشعبية أو فى الأصقاع النائية مثل قرية (قنتى) عند منحني النيل قبل أن يتجه شمالاً صوب الريف (أي مصر)، أو اتّكأنا (تجدّعنا) على الأرائك والطنافس التركية والخليجية الوثيرة بالقصور المخملية التى رصعت الأطراف الراقية – كالبصلة فى الروب - بالعاصمة المثلثة وحواضر أخرى طفت عليها مثل مدني وسنار، لأدركنا تماماً أننا بصدد انشطار طبقي لم يحدث مثله فى تاريخ السودان، ولا شبيه له إلا في نيجيريا؛ بل ربما يكون النموذج الأقرب للحالة السودانية هو الهند – حيث طبقة المهراجات البراهمين الأرستقراطية الصناعية/التجارية فى القمة، والمنبوذين ومئات الملايين من الكادحين الهنود فى القاع. غير أن براهمين السودان هم كوادر الأمن والمؤتمر الوطني، الإفرازات المستولدة من تنظيم الإخوان المسلمين، ومن سار فى فلكهم من الأقارب والأصهار، مثل طه عثمان الحسين الذى ما كاد يخدم بالقصر الجمهوري مديراً لمكتب الرئيس لبضع سنوات حتى اقتني فيللا بمدينة النخيل بدبي فى الأول من يناير الماضي (يوم الذكرى الستين لاستقلال السودان) سعرها خمسة ملايين دولار (كما وثق لذلك الباحث عبد الرحمن الأمين بصحف الأربعاء 28 سبتمبر)، وقطعة أرض فى كافوري بالخرطوم بحري بنفس المبلغ، كما اقتني عروساً جديدة – لعلها الثالثة أو الرابعة - فى ذات العام؛ بينما هناك عشرات ملايين الأسر التى ما برحت تكابد العيش، وبالكاد تستطيع أن توفر وجبة واحدة في اليوم لأطفالها، دع عنك السكن ومصاريف المدارس وتكاليف العلاج والمواصلات...إلخ.
ويعطيك السياسيون - الحاكمون والمعارضون - انطباعاً بأن أولوياتهم ليست معاناة الجماهير والتردي الإقتصادي والتهتك الإجتماعي والانهيار التام لصحة البيئة، بقدرما هي تقاسم كيكة السلطة واستمرار الأوضاع الطبقية الراهنة، مع تغييرات طفيفة window dressing لا تمس إلا بعض رموز الطاقم الحاكم الذين يعاد تدويرهم نحو مواقع أخرى بنفس المخصصات والأبهة والحرس الرسمي. وكما كان الحال أيام الطاغية نميري فهنالك ثوابت لا معدى عنها ولا محيص، (أي: سيك سيك أبو الدنان معلق فيك)، وهي الرئيس شخصياً ورهطه الأقربون من أشقاء وأصهار، وبعض الرموز الأمنية والعسكرية الهادفة لتذكير من يهمهم الأمر بأن هذه السلطة باقية بسطوة الحديد والنار ومقيمة ما أقام عسيب، علي طريقة الجنرال فرانسسكو فرانكو الذي حكم اسبانيا لأربع وأربعين سنة خلال القرن العشرين بمباركة الغرب والشرق.
ومن هنا نقرأ المباصرات الجارية حالياً بالخرطوم وأديس أبابا لمحاولة إنزال النظام سلمياً soft landing وحل الأزمة السودانية. وما يدل على أنها مجرد تحصيل حاصل هو أنها ليست المحاولة الأولى من نوعها، فلقد ظلت الإنقاذ منذ مجيئها للسلطة فى 1989 تمني المعارضة بالمشاركة فى السلطة، وتلقي إليها بعظمة ما، وتلقي فى روعها أن سلطة الإخوان المسلمين منفتحة ومرنة وقابلة للتفاهم، وتدخل معها فى عشرات الحوارات والتفاهمات والاتفاقيات؛ بيد أن الأوضاع ظلت كما كانت قبل سبع وعشرين سنة: فلا زالت السلطة في يد رجل واحد، وما انفكت المعارضة تتلمظ الأحاديث عن كيفية الخروج من النفق الإخواني المظلم، بينما يظفر النظام من كل جولة بالإنفراد بأحد فصائل خصومه وبالمزيد من التشظي والفت فى العضد والفتن التى يزرعها داخل صفوف المعارضة. وفى هذه الأثناء، تم فصل ثلث الرقعة السودانية بذهاب الجنوب عام 2011، وما انفكت الحرب ضروساً ونازفة كشلال الدم بدارفور وجبال النوبة وجنوب النيل الأزرق، مما ينبئ بفصل تلك الأقاليم كذلك وانضمامها لدولة الجنوب بحكم المتاخمة الجغرافية والتماثل الإثني والغبن المشترك ضد الشمال الذى يصر الإخوان المسلمون على إلباسه هوية مستعربة ومتأسلمة "بالعافية"، وجعله غير عابئ ببني وطنه الأكثر إفريقية وسواد سحنة، الذين يتوجب الجهاد ضدهم حتى يدخلوا فى جحر ضب خرب، كما حدث فى الجنوب ويحدث الآن فى المناطق المذكورة.
من بين هذا الركام والاستسلام لتكتيكات النظام الثعلبية المراوغة والمخاتلة يلفت نظرك النضال الذى يخوضه بعض الشباب والطلاب السودانيين المصادمين؛ إنهم يعفون عن المغنم ويخوضون الوغي فى عقر دار النظام، فوق المنابر الأدهوكية التى ينصبونها كيفما اتفق بالعاصمة المثلثة والأقاليم، وحيثما يجدون أي تجمع للسودانيين المستبسلين مثلهم، والذين لا يولون الأدبار كالحمر المستنفرة إذا لمحوا سيارة أمن ذات دفع رباعي مدججة بالجلاوزة القتلة متجهه نحوهم. ولكنه فى رأيى جهد معرض للوهن والقنوط والتشبع ومن ثم التكلس والضياع - إذا لم يلتئم مع نضالات الطبقة العاملة عبر تشكيلاتها النقابية، ومع الحركة الشبابية عبر الإتحادات الطلابية؛ وبما أن تلك النقابات والإتحادات مزيفة الإرادة فى الغالب الأعم، ومخترقة من قبل تنظيم الإخوان، فمن الأفضل التركيز على إعادة إصطفافها وتنقية صفوفها و"تكريب" مفاصلها تماماً قبل خوض الجولات القادمة من الصدام مع النظام الفاشستي الحاكم. إن التغيير الذي يأتي عبر الغرف المغلقة بفنادق أديس الفاخرة وردهات الخرطوم حيث تلتقى النخب الحاكمة والمعارضة سلوك بيروقراطي مضروب ومخترق وزائف وعقيم (شغل أفندية)، مثله مثل ذلك الجهد الذى أتي بحكومة سر الختم الخليفة بعد ثورة أكتوبر وما تمخض عنها من ديمقراطية كسيحة، 1964 – 1969، أدت فى النهاية لإنقلاب مايو 1969؛ والجهد الذى أتي بحكومة الجزولي دفع الله (الإخوانجي) بعد انتفاضة أبريل 1985 وما تمخض عنها من ديمقراطية أشد كساحاً، 1986 – 1989، قادت فى النهاية لإنقلاب الإخوان المسلمين فى يونيو 1989؛ نحن فى الواقع أسري للحلقة الشريرة المعروفة: إنقلاب – ديمقراطية معطوبة - إنقلاب عسكري، حتى إعلان آخر.
لا مفر من أن يأتي التغيير علي يد الجماهير المكتوية بالنار فى قاع السلم الإجتماعي؛ وبالطبع، يجب ألا تتحرك تلك القوى بصورة عشوائية وفوضوية، حيث أن مثل هذه التحركات قصيرة النفس، وتهزم نفسها بنفسها، وتجيد الأنظمة القمعية التعامل معها ووأدها فى مهدها؛ إذ تحتاج القوي الشعبية لمن ينظمها ويقودها عبر مسالك النضال بصورة تتميز بالإتقان والصبر والتؤدة والعيش وسط الجماهير والإلمام بكافة قضاياها ومطالبها وبمشروعيتها وسندها القانوني والعرفي، وبكافة الأساليب النقابية والنضالية التى تتقدم بها الحركة الجماهيرية خطوة خطوة نحو الثورة الشعبية الشاملة التى تقتلع النظام من جذوره وتأتي بآخر قائم على إرادة الشعب وبمحض اختياره الحر، تحت رايات الديمقراطية الحقيقية والإلتزام بحقوق الإنسان. وليس ذلك ضرب من التنظير السفسطائي ولكنه قراءة للمستقبل القريب مؤسسة علي تاريخ السودان وتاريخ البشرية الزاخر بالهبات الشعبية السلمية والمسلحة التى أودت بأشرس الدكتاتوريات والأوليقاركيات: الثورة الأمريكية 1775 والثورة الفرنسية 1789 ، وثورة 1848 التى انطلقت من جزيرة كورسيكا بالبحر الأبيض المتوسط واكتسحت أوروبا ودكت حصون الإقطاع، والثورة البلشفية الإشتراكية فى روسيا 1917، وثورة أكتوبر 1964 السودانية وأختها انتفاضة أبريل 1985، وأخيراً انتفاضات الربيع العربي بالشرق الأوسط، وآخرها وأهمها انتفاضة الشعب المصري فى 3 يوليو 2013 التى أطاحت بحكم الإخوان المسلمين الذين اختطفوا ثورة 2012.

آخر الكلم:
هذا أو الطوفان ! أي إن البديل للثورة الشعبية القاعدية هو التكتكة والتحالفات الزئبقية والمطاولات والتعقيدات التى نشهدها اليوم، والتى لن تحل الضائقة الإقتصادية ولن تضع الخبز على موائد الكادحين السودانيين، إنما ستقود رأساً لثورة الجياع – ثورة سبارتاكوس الإغريقي والقرامطة العباسيين. وبالطبع لن تتمخض ثورة كهذه عن وطن جديد ديمقراطي معافي متماسك وسليم الرقعة، ولكننا سنجد أنفسنا فى وضع مماثل للصومال، أو قل سوريا واليمن وجنوب السودان وسيراليون وزائير وإفريقيا الوسطى. إن القوى الإقليمية المحيطة بنا لن تسعفنا ولن تسعى بالحسنىى بيننا، فلكل منها أجندتها الخاصة، وكثير منها لا تحرص على وحدة السودان، لأنها لا تستبشر خيراً بسودان تسود فيه ديمقراطية وسلام وتعلو فيه رايات حقوق الإنسان، إذ أن معظم القوى المتاخمة للسودان تحكمها أوليقاركيات قرونوسطية، والحديث عن الحرية وحقوق الإنسان يسبب لها حساسية وغثيان؛ فليس أمام السودانيين غير الإعتماد على أنفسهم، وعلى إرادة الجماهير، ولا بد من صنعاء ولو طال السفر.

وإذا الشعب يوماً أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر.

الفاضل عباس محمد علي – مقيم بزيارة فى الإمارات العربية المتحدة.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.