بسم الله الرحمن الرحيم

على قدر أهل العزم تأتي العزائم    وتأتي على قدر الكرام المكارم!

​التسريبات التى ما فتئت تخرج من اجتماعات قادة نظام الخرطوم، (وآخرها ما نشره البروفيسور إريك ريفز بتاريخ 27 الجارى)، وتصريحات الصقور المعروفين باللؤم (وشيل وش القباحة) مثل الدكتور نافع، تشير إلى أن هذا النظام سادر فى غيه لا يلوى على شيء، وأنه يرقص على جميع (الخيوت)، ويقفز عشرات المرات فى الظلام، مثل لاعب الكنكان الذى يغير استراتيجياته المكانية المرة بعد المرة (أعنى يغيّر البيلية) طمعاً فى أن يبتسم له الحظ على طاولة الميسرة؛ فكل ما يبديه النظام من تراجع أو استعداد للتفاهم مع الخصوم، مجرد مناورات ومسرحيات لكسب الزمن ودغدغة مشاعر المراقبين المحليين والإقليميين والدوليين الذين ظلوا يتطلعون لخروج السودان من النفق حالك الظلام الذى توغل فيه منذ نيف وعقدين من الزمان.

​ومن أهم المراقبين الإقليميين الجاران الجنب – العربية السعودية ومصر: فعلى الرغم مما يدبره نظام البشير لهما فى الظلام، ومما يضمره تجاههما من غدر وضرب تحت الحزام، ( مثلما ورد فى آخر تسريب من القصر الجمهوري بأن حكومة السودان عازمة على المضي فى إيواء الكوادر الإخوانية الهاربة من مصر، وتوفير الحماية وفرص التعليم والاستثمار لهم)، نلفى النظام يشارك "تقيةً" فى "عاصفة الحزم" وفى الحلف السعودي المنشأ الهادف لمكافحة التطرف والإرهاب الدولي، ونجد البشير يبدو كأنه يتمسح بالمحور المناوئ للإخوان، ويقسم بأنه قد تخلى عن حلفه مع إيران راعية الإرهاب بالشرق الأوسط، وبأنه قد أدار ظهره لفكر الإخوان المسلمين (فجأة وبلا مقدمات)، وقلب ظهر المجن لتنظيمهم الدولي الشرير ذى التجليات المزعجة بدولة داعش وسيناء وسرت بليبيا واليمن وغرب وشمال إفريقيا. وتلك فى حقيقة الأمر لعبة لولبية معقدة يجيدها نظام الخرطوم بما يتسربل به من ثقة فى النفس زائدة عن اللزوم، (وهي أصلاً غرور كاذب)، مشفوعة بفكر "التقية" الذى تلقاه من أساتذته الشيعة الإيرانيين، ومن فلسفة الكذب التى أورثهم إياها شيخهم حسن الترابي منذ الليلة السابقة لإنقلابهم المشؤوم: (إذهب أنت ياكولونيل عمر إلى القصر الجمهوري، وسوف أذهب أنا إلى معتقل كوبر حيث اختلط واتعايش مع المعارضين للتمويه والتخابر وخلط الأوراق وتغبيش الوعي المحلي والإقليمي والعالمي). والحق لله فقد نجحت تلك المكيدة، إذ سارع الرئيس المصري حسني مبارك بالإعتراف بالنظام العسكري الجديد، بل سوقه للدول العربية النفطية الأخرى التى سارعت كذلك بتبادل المصالح مع النظام السوداني الوليد، دون أن تدرى أنها دللت عقرباً ستستحيل عما قريب إلى حية تسعى لأن تلقف ما حولها.

​وعلى الرغم من ممارسات النظام الكاشفة لهويته (مثل موقفه المؤيد للغزو العراقي للكويت فى الثاني من أغسطس 1990)، ما زال نظام البشير ينطلي على بعض القوى المحلية والإقليمية والدولية، وقد استمرأ الكذب والتمويه كطبيعة ملازمة له كظله.

​ولكن، هناك من يعرف إخوان السودان (كجوع بطونهم)، ومن لا ينخدعون بألاعيبهم الثعلبية؛ وهناك من ظلوا يحذرون الشعب وقوى المعارضة من مغبة تلك الألاعيب، مثل الأستاذ فاروق أبو عيسي رئيس قوى التحالف، الذى جاء فى آخر تصريح له: (إن نظام الإخوان المسلمين غير جاد فى أي حوار مارسه مع قوى المعارضة، وإن ما يسمي بالحوار الوطني الذى يدار حالياً بقاعة الصداقة بالخرطوم سينتهى بوثيقة تودع فى أعماق الأدراج لتستقر هناك؛ وإن هذا النظام غير معني بمصالح الشعب السوداني بأي حال من الأحوال.) وهنالك معارضون آخرون مثل فاروق ما زالوا على العهد ولم تستدرجهم حبائل النظام. وإلى هؤلاء أتقدم بالاقتراح التالي:-

 
• أولاً:-

لا بد من بذل المزيد من الجهود لتوحيد الخطاب المعارض وبلورة نمط إعلامي محدد يستطيع الرأي العام الإقليمي والدولي أن يتفهمه ومن ثم يتجاوب ويتماهى معه. إن كثرة الأحزاب والمنابر المعارضة (بالمئات) تجلب الربكة والارتياب والسأم، وتؤكد الصورة التى يروج لها النظام والتى ظل يغسل بها الأدمغة، وهي أن البديل سوف يكون فوضى واحتراب سرمدي، على غرار ما يدور في جنوب السودان، بين فصائل وإثنيات وطوائف أصلاً pugnacious، ولقد جبلت على التشاكس والخلافات منذ فجر الحركة الوطنية. وكدليل على إمكانية توحيد الخطاب المعارض أكثر مما هو عليه الآن، لا بد من إحياء فكرة القناة الفضائية، أو على الأقل وب سايت وإذاعة بالإف إم. وكدليل على وحدة الهدف بين فصائل المعارضة أرى الآتي:-

ثانياً:-

​ترتيب وفد من أكبر الزعامات السودانية الموجودة حالياً بالخارج، عبر كل ألوان الطيف السياسي (باستثناء الإخوان المسلمين)، للقيام بطواف يشمل دولتين فقط: المملكة العربية السعودية ومصر، بدعوى تفعيل الحوار القومي وتسريع الوفاق، وطلب التوسط لتوطين الحل السلمي للأزمة السودانية، وتجنيب هذا البلد المستغيث الصوملة والحرب الأهلية الشاملة الوشيكة.

​أما الأجندة الأخرى the ulterior motive التى قد يتطرق إليها الوفد إذا كانت الظروف مواتية، أي الظروف الخاصة بالمضيفين ومدى استعدادهما للخوض فى مواضيع غير معلنة سلفاً، فهي كما يلي:-

 
1. الرهان على نظام البشير رهان خاسر، فهو توأم لنظام بشار الأسد، ولن يتخلي عن السلطة حتى لو اختفى السودان كلية من خريطة العالم، وحتى لو أبيد شعبه عن بكرة أبيه. هذه هي قناعة النظام الراسخة.

 
2. إن السودان يمر بمفترق طرق لا تخطئه العين رغم تشبث النظام بالبقاء الأبدي، وسوف يتم تغيير النظام الراهن سلماً أو عنفاً؛ وحري بالقوى الأساسية بالمنطقة، لا سيما الجيران الجنب وبالجنب، أن تتحسب لذلك وأن تتجاوز النظام الراهن وتخطب ود الشعب السوداني، وليس تنظيم الإخوان الذى تم تجريف السند الجماهيري من تحته، والذى اكتسب كراهية الشعب بعد ربع قرن من البطش والقمع والتجويع والفساد وخدمة الأجندة الأجنبية (الإيرانية بالذات)، ومن تقسيم للوطن.

 
3. إن الدعم المالي والاستثماري الموعود من العربية السعودية لنظام الخرطوم لن تتم ترجمته إلى مشاريع تنموية محسوسة تصلح من شأن الاقتصاد أو ترفع من مستوى الحالة المعيشية للجمهور أو تساهم فى ترميم البنية التحتية، ولكنه سوف يتحول إلى الحسابات المصرفية الخاصة بالأسرة البشيرية الحاكمة وبرموز العصبة الإخوانية المتحكمة منذ ست وعشرين سنة.

 
4. إن السودانيين يتشككون فيما قد تم خلال السنوات الماضية من مبادرات مشتركة ومشاريع استثمارية فى مجال الزراعة لأنها كانت محاطة بالتحركاتالمشبوهة وبعدم الشفافية، ولأن الخزانة العامة لم تستطعم منها شيئاً يذكر حتى الآن: لا رسوم ولا ضرائب ولا ريع أو نصيب معلوم فى الإنتاج؛ وغير معروف حتى الآن ما هو استحقاق الدولة وأصحاب الأرض بالتحديد؟ وما هي الآثار البيئية والاجتماعية؟ وما هي الفوائد قريبة وبعيدة المدى؟ وما هي الأضرار على التربة؟ وبالتالي فإن الدخول مع نظام الخرطوم فى المزيد من مثل هذه التعاقدات سيكون له ما بعده بمجرد زوال النظام الراهن، وسوف يقود لخلافات ومنازعات مع الدول المتورطة.

 
5. هنالك من الأدلة (مثل تسريبات البروفيسور ريفز) ما تشير إلى أن نظام البشير يكذب على دول المحور المناوئ لتنظيم الإخوان المسلمين الدولي، وأنه ما زال غارقاً وملتزماً تجاه ذلك التنظيم، فلا بد على الأقل من الحذر، إذا لم يتيسر نفض اليد كلية من هذا النظام.

 
6. إن القوى السودانية المناهضة للإخوان المسلمين ولفكرهم المنحرف واضحة المعالم وذات حضور فى المعترك السياسي منذ عشرات السنين، على الرغم من تشتتها وتعدد منابرها؛ ولقد ظلت السجون تستقبل أفواج هؤلاء المعارضين منذ أن سطا هذا النظام على الحكم فى 30 يونيو 1989، كما حصد الرصاص والمشانق الآلاف منهم؛ ولا زال معظمهم يجأرون بالصوت الجهوري الرافض، ولا زال بعضهم ينافحهذا النظام بالسلاح فى مناطق العدائيات بدار فور وجنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق؛ ولقد استمرت هذه المعارك الحضرية والريفية بلا توقف. وحيث أن العنف لا يجلب إلا العنف والثأرات العميقة، فإن الارتكان للتعقل والحلول السلمية التفاوضية هو الحل الأمثل (فوضع السيف فى موضع الندى مضر   كوضع السيف فى موضع ندي)؛ غير أن نظام الخرطوم دأب على إهدار مثل هذه الفرص، إذ يقول شيئاً للإعلام بغية اكتساب نقاط فى مجال العلاقات العامة، بينما يستبطن شيئاً آخراً كله مرارة وحقدولؤم ونوايا شيطانية. ومن هنا، فإن الوساطة السعودية / المصرية مطلوبة، على غرار ما فعل الملك فهد عليه رحمة الله الذى أتى باللبنانيين المتقاتلين لطاولة المفاوضات فى الطائف وخرج بإتفاق سلام ظل سائداً فى لبنان منذ ثلاثة عقود؛ وعلى منوالمؤتمر اللاءات الثلاثة عام 1967 بالخرطوم الذى عقد الصلح بين الملك فيصل والزعيم جال عبد الناصر عليهما رحمات الله وبركاته.

 
7. إن النظام البديل الوشيك للحكومة الحالية سوف ينضم لعاصفة الصحراء وللحلف المناوئ للإرهاب والتطرف عن قناعة ومبدأ، وليس مزايدة ومتاجرة وتقية كما يفعل النظام الراهن؛ وإن القوى المعارضة لنظام الخرطوم كانت جالسة فوق الجمر طوال فترة حكم الإخوان المسلمين التي امتدت لست وعشرين سنة، لذا فهي صاحبة "وجعة" حقيقية، واليتيم لا يوصّى على البكاء. فضلاً عن أن السودانيين أهل نزال وبسالة عندما تدلهم الخطوب، يغشون الوغى ويعفون عن المغنم، كما شهدت لهم بذلك الكويت عام 1958 عندما جاءتها كتيبة من الجيش السوداني (بأمر حكومة عبد الله خليل الديمقراطية) لتدافع عن تلك الدولة الشقيقة ضد عدوان قوات عبد الكريم قاسم العراقية المتحرشة بالحدود. كما عرفتهم ساحات الوغى في الحرب العالمية الثانية عندما كان الحافز هو منح البلاد استقلالها إذا أبلت قوة دفاع السودان بلاءً حسناً؛ وقد كان، إذ تحقق أول نصر للحلفاء على يد الضباط والجنود السودانيين ضد الطليان في إرتريا وإثيوبيا عام 1941، وفي العلمين تحت قيادة الجنرال مونتقمري الذي أجبر الجنرال الألماني روميل على الانسحاب من الصحراء الشمالية برمتها. وغير ذلك كثير من المعارك التي شارك فيها السودانيون وأبدوا شجاعة سارت بذكرها الركبان(حرب القرم 1853/56 وكتيبة المكسيك The Mexican Brigade 1863). إن تغيير النظام الراهن من شأنه أن يلم شعث الأقاليم والقوميات، ويرسخ الحكم الراشد والعدل بينها، فتتوقف الحروب العديدة الداخلية التي أشعلها نظام الإخوان المسلمين؛ ومن شأنه أن يعيد للجيش سيرته الأولى من ضبط وربط وعقيدة قتالية منطلقة من إحساس وطني صادق وإنتماء عربي وافريقي له تبعاته والتزاماته في الجبهتين على حد سواء - العربية والإفريقية.

إن طوافاً من هذا القبيل سوف يلقى حجراً ضخماً في المياه الراكدة، وسوف يثير فضول وشهية الإعلام الإقليمي والدولي، وسوف يدفعه لتسليط الضوء على النظام السوداني، وكشف المخبوء من علاقاته المشبوهة بتنظيم الإخوان العالمي، ومن أفاعيله بالشعوب الإفريقية المسلمة المغلوبة على أمرها في دارفور وجنوب النيل الأزرق والنيل الأبيض. وإن مصر بالذات تحتاج في الظروف الراهنة لمن يقف معها بصدق ونية سليمة وهي تتصدى لتآمر الإخوان المسلمين الذي لا ينضب، ولمن يؤسس معها موقفاً موحداً خالياً من المزايدات السياسية فيما يختص بمسألة مياه النيل ومشكلة سد النهضة.

وأرى أن هذا الوفد لا يتجاوز صلاحيات البنيات المعارضة الموجودة في الساحة، قوى الإجماع ونداء السودان والجبهة الثورية، بل متجاوب مع طروحاتها، ومنطلق من المنحنى الذي تناهت إليه جهودها، وممثل لها. ولقد عرف تاريخ السودان الحديث التوافق على الوفد القومي المؤلف من الأحزاب الإتحادية والجبهة الإستقلالية عام 1946 الذي غادر مطار وادي سيدنا إلى القاهرة ليحتج على بروتوكول صدقي/ بيفن الذي كان من نتائجه أن صرح صدقي باشا وزير الخارجية المصري بمطار الماظة عند عودته من لندن:( لقد أتيتكم بالسيادة على السودان في جيبي.) كما شهد التاريخ أيضاً أعظم حدث إجماعي وهو التوحيد الذي تم بين أحزاب الحكومة والمعارضة لإعلان الاستقلال من داخل البرلمان في ديسمبر 1955.

ومن هذا المنطلق، أقترح أن يتكون الوفد من:

 
1. مولانا السيد محمد عثمان الميرغني- رئيساً
2. السيد الصادق المهدي
3. الكماندر مالك عقار
4. الدكتور جبريل ابراهيم
5. الأستاذ ياسر عرمان
6. الأستاذ التوم هجو
7. السيد مو إبراهيم، ممثلاً للمستقلين ورمزاً للأواصر المصرية السودانية.

وإذا اعتذر مولانا عن رئاسة الوفد، تمنح للأستاذ علي محمود حسنين.

آخر الكلم:

يقول السودانيون "القحة ولا صمة الخشم"، وكل حركة معها بركة، فنرجو أن تجد هذه الدعوة استجابة من هذه العناصر الوطنية المعروفة، ونرجو أن يتولّى الأخ مو ابراهيم مسألة اللوجستيات الخاصة بهذه المهمة.

هذا، أو سينطبق علينا قول إبن خالي عبد الباقي ودكور، المعروف بالمكاشفي محمد بخيت، الذي كتب قبل يومين بالفيس بوك قائلاً:

​(لماذا تقارع غيظهم بالصمت

​وتدير شمسك نحو جدران الخفوت

​وتطعم الطاغوت زادك ما تبقّى من سنام الروح

​تمنحهم أجنة طفلك المخبوء ترضعهم وترسلهم

​إلى تلك البيوت

​تقاس بهم طوابقهم عمائمهم وأدراج الصعود

​ويساقون بليل نحو سطح المذبحة

​يكملون الحبة الحمراء بعقد المسبحة

​فلماذا تمنح السفاح من رئتيك

​آخر شهقة... وما تبقى منك

​أنفاساً وقوت

​ثم تلتفت بشوق وتموت

​قل لماذا؟)

و لما سألته من يقصد بالتحديد، أجاب قائلاً:

(قاصد كل الصامتين المنتظرين على الرصيف والمواقف الحربائية وسكان المناطق الرمادية والقابضين على العصا من منتصفها بينما الوطن يذبح من الوريد إلى الوريد.)

والسلام

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.