داعش

بسم الله الرحمن الرحم

-  الشارقة –  أغسطس 2015

  

  لقد تشرنقت الحركة النازية في ألمانيا والفاشية بإيطاليا وإسبانيا في عشرينات وبداية ثلاثينات القرن العشرين كإفراز للظروف التالية:

  1. كان النظام الرأسمالي العالمي تحت زعامة أوروبا وأمريكا يمر بأسوأ أزمة في تاريخه، بلغت ذروتها في العام 1929 المسمىب(سنة الكساد العالمي)، حيث عاش معظم أفراد الشعب الأمريكي على الإغاثة، ووقفوا أمام الكنائس في طوابير لانهائية من أجل كوب الحساء، بمن فيهم مستر جون ديروكفلر نفسه.

2. إهتزت ثقة الشعوب في أنظمتها السياسية والإقتصادية، وأصبح العامة والنخبة على حد سواء نهباً للإيديولوجياتوالفلسفات البديلة للديمقراطية الليبرالية - كالفوضوية والراديكالية؛ وتلك هى السنوات التي برز فيها الإتحاد السوفيتي للوجود، ورغم أن الشيوعية لم يقدم بديلاً جيداً للرأسمالية الغربية من حيث الإستقرار والرخاء الإقتصادي،إلا أنها ضربت مثلاً ما كنموذج لهيمنة الدولة على الإقتصاد وسيادة القطاع العام، وتقديم الحد الأدنى من ضرورات العيش للطبقات الكادحة، من طعام ومسكن وعلاج وضمان إجتماعي، ولو على المستوى النظري.

3. ومن هنا راجت فكرة الإشتراكية؛ وحتى النازيون والفاشيون كانوا قد جاءوا في أول أمرهم متسربلين بالشعارات الإشتراكية، وقد أغوتهم فكرة الإقتصاد الموجَه، مصحوبة بشحنات مكثفة من الشوفينية (العنصرية ) والإنكفاء على الذات وإزكاء نيران التعصب القومي والإنتصار للوطن ظالماً ومظلوماً، وعدم التعايش مع الآخر أياً كان، بل تصفية هذا الآخر كما حدث لليهود والحلب "القجر/النوَر".

4. وكانت أوروبا تتمرغ في إسقاطات الحرب الكونية الأولى (1914-1918 ) وما تمخضت عنه من إفتئاتات ومرارات وأحقاد وأطماع توسعية مجهضة، كما أن الدول المنتصرة في تلك الحرب لم تقم بعملية توزيع للمستعمرات بينها بالقسطاس،وبالطبع أخرجت الدول المهزومة من المعادلة كليةً - ألمانيا وإيطاليا والإمبراطورية العثمانية - فباتت الأخيرة تبحث عن وسيلة لإعادة رسم خرائط العالم، لا سيما المستعمرات.   ولقد تلاعب النازيون والفاشيون بمشاعر جماهيرهم إزاء القضايا سالفة الذكر، وقفزوا للسلطة ممنّين شعوبهم ببرامج إقتصادية وإجتماعية طموحة للغاية؛ ولكن ما أن تمكن أدولف هتلر من ناصية الرايخ الثالث بألمانيا، وما أن أصبح الدوتشي موسليني دكتاتوراً بلا منازع في إيطاليا، حتى استحالت دعواتهم للإشتراكية والعدالة الإجتماعية إلى ملك عضود؛ ثم أصاب النظامين جنون العظمة وغرور القوة arrogance of power ، وفي معيتهما الإمبراطورية اليابانيةالفاشية التوسعية، وانخرط ثلاثتهم في منظومة دول المحور Axis التي شنَت حرباً شاملة ضد الحلفاء (بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة وروسيا وتوابعهم) - انتهت بهزيمة المحور بتكلفة عالية من الدمار والدماء اصطلى بها الطرفان.   وعلى نفس المنوال، تحاول المنظمات الإسلاموية المتطرفة بالشرق الأوسط أن تستثمر الظروف الإقتصادية الصعبة التي تمر بها معظم الدول العربية (بإستثناء النفطية منها)، وما تعانيه شعوبها من تخلف إقتصادي واجتماعي ومسغبة وحاجة وبطالة، تحت ظلال الإنفجار السكاني والخلل الديموغرافي وتهتك البنية التحتية وتوقف الصناعات المحلية وكساد التجارة والسياحة، وتسعى للتلاعب بعواطف الجماهير،خاصة الشباب المائق ضئيل التجربة السياسية، وتوعدهم إما بالجنة إذا استشهدوا، أو بدولة الخلافة الراشدة الجديدة إذا نجح مسعاهم - تلك الدولة (الإفتراضية) القائمة على الفضيلة والعدل والإحسان والرحمة والرخاء، على نسق النموذج الذي تركه العمران....عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز عليهما رضوان اللَه؛ وهي بالطبع دعوة حق أريد بها باطل، فقد أثبتت التجارب أن هؤلاء الإسلامويين الجدد مجرد لصوص عطشى للسلطة والثراء الحرام، يتاجرون بالدين من أجل الدنيا، رغم أن هذه الحقيقة ما انفكت غائبة عن كثير من شباب الأمة العربية والإسلامية.

فلقد نجحت داعش مثلاً في استقطاب عشرات الآلاف من شباب المسلمين من مشارق الأرض ومغاربها، بما في ذلك الدول الغربية حيثاكتشف هذا التنظيم الشيطاني منجماً من الصبية المساكين أبناء الطلاب والمهنيين المسلمين الذين هاجروا أو جاءت بهم الدراسة فوق الجامعية لأوروبا وأمريكا، ومن ثم استغرقهم التحصيل والركض وراء المؤهلات الأكاديمية ولقمة العيش، وتركوا أبناءهم نهباً للناشطين والدعاة الإسلامويين – ومن بينهم كوادر داعش السرية - بالمساجد وغيرها من أماكن تجمعات المسلمين.

ولقد ظهرت داعش في ظروف مشابهة لتلك التي نشأت في كنفها النازية والفاشية، وأهمها الشيخوخة والتكلس والإفلاس الذى ران على الأنظمة والإيديولوجيات السائدة:-

• فلقد تهاوى نموذج القومية العربية وما صاحبها من زخم الإيديولوجيات المتأثرة بالشيوعية (وبالفاشية) - كالإشتراكية العربية الناصرية والبعثية والقذافية والمايوية النميرية بالسودان والتجربة اليمنية الجنوبية الراديكالية.

• وحاول الإخوان المسلمون أن يسدوا الفراغ الذي تركته القومية العربية المتراجعة، ولكنهم لم يقدموا نموذجاً واضح المعالم ومقنعاً للجماهير، بل قدموا تجارب مثقوبة ومشوشة كما حدث في مصر والسودان؛ وعلى إثر ذلك تدثرت الحركة الإسلاموية بالشعارات الجهادية الهلامية، وتوقفت عن الصدع بكنه وماهية البرامج الإقتصادية والإجتماعية التي تنطوي عليها، وآثرت قعقعة السلاح ودوي الإنفجارات كما فعل النازيون والفاشيون عندما سطوا على السلطة فى ألمانيا وإيطاليا، عملاً بقول الشاعر العباسي أبي تمام:         السيف أصدق إنباءً من الكتب        في حدَه الحد بين الجد واللعب

      بيض الصفائح لا سود الصحائف     في متونهن جلاء الشك والريب.

  • ولقد برز الدواعش على إثر انهيار المعسكر السوفيتي وتصدع التجربة الشيوعية، وبدا لهم كأن العالم بحاجة لنظرية ثالثة بعد فشل كل من الإشتراكية بشرق أوروبا، والرأسمالية بغربها وفي الولايات المتحدة - إذ أن أزمات النظام الإقتصادي الغربي ما فتئت تتكرر في فترات متلاحقة، (كل أربعين سنة تقريباً)، مخلفة وراءها ملايين العاطلين عن العمل والمزيد من التهميش للسواد الأعظم من السكان وإتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء، مع خواء روحي وجدب ثقافي وإنحطاط أخلاقي تجسده ظاهرة زواج المثليين الرائجة في أمريكا بالتحديد وفي معظم الدول الأوروبية، كأن العالم قد حل مشاكله برمتها وتفرغ لمتع الفرج والدبر.

  • ويبدو أن الإسلامويين المتطرفين – خاصة الدواعش - يحسبون أنهم سيتقدمون للبشرية بنموذج بديل للإشتراكية والرأسمالية ضربة لاذب، بيد أنهم لم يبلوروا أطروحة متماسكة للمشروع الإقتصادي والإجتماعي والأخلاقي الذي يجسدونه؛ وفي حقيقة الأمر فإن ممارساتهم على أرض الواقع، حيثما تولوا أمر الناس في سوريا وغرب العراق وسرت بليبيا وفى سيناء، عبارة عن هجمة قمعية وحشية لا تختلف عن ليل النازية والفاشية الأسود، بل زايدت عليهما وبزّتهما في صنوف البطش بالخصوم، كالحرق بالنار وجز الرؤوس عشوائياً وتحطيم الآثار التاريخية للشعوب التي تركتها ولم تمسها الدولة الإسلامية منذ عهد المصطفى عليه الصلاة والسلام في القرن السابع الميلادي، مروراً بالدولتينالأموية والعباسية والإمبراطورية العثمانية، حتى اليوم.

• ومثلما فعل النازيون الألمان، فإن داعش تتمرحل عبر التحالفات التكتيكية المؤقنة مع الخصم – تقيةً - حتى "تتمكن" وتؤسس دولتها المشروعة المعترف بها، ثم تتنمر وتستأسد بعد ذلك وتعلن الجهاد الكوني ضد دار الكفر، أي العالم بأسره- (خاصة إذا تماهت مع الجمهورية الإسلامية الفارسية وأنبتت أنياباً نووية). فلقد بدأ هتلر باكتساب بريطانيا لصفه، وتوصل مع رئيس وزرائها نيفيل شامبرلين لإتفاقية ميونيخ 1938، وبموجبها غضت بريطانيا الطرف عن اقتحام الجيش الألماني لتشيكوسلوفاكيا فى نفس ذلك العام، لتسوية بعض الظلم الذي حاق بالأولى جراء اتفاقية فرساي  1919 التي ضمت إقليم بلزن الألماني لتشيكوسلوفاكيا. وهنالك اليوم إشارات عديدة (كتلك التى وردت فى مذكرات هيلارى كلنتون) إلى أن الغرب لا يمانع فى، بل يشجع، قيام دولة خلافة يديرها المتطرفون الإسلاميون، علها ترضي غرورهم وتكف شرورهم وتحصرهم في بقعة محددة (كالخُرَاج) يمكن مسحها من الوجود بقنبلة واحدة إذا دعا الداعي.

• ولقد نشأت دولة المتطرفين بالفعل في لب الصحراء الشمالية الغربية للعراق، مزودة بكمية لا بأس بها من آبار النفط ومصافيه. ولقد ظلت قوات التحالف بقيادة الجيش الأمريكي تقصف هذه البقعة منذ عام كامل دون طائل؛ وإذا ما أصاب هذا التحالف أي قدر من الملل أو الاستكانة والتشبع، فإنه قد يرفع يده ويعطي الضوء الأخضر لداعش كما فعل شامبرلين في ميونيخ. (وبالمناسبةً، لم تبد إسرائيل إنزعاجاً يذكر حتى الآن من هذا الكيان الداعشي، مما يثير العديد من علامات الاستفهام).

• وليس هنالك أدنى شك في أن الدولة الداعشية ستجد من يعترف بها إذا خرجت للوجود، وسيكون أول المعترفين تركيا وإيران والولايات المتحدة وربما الصين وروسيا - إذا تمت صفقة دولية شملت تسوية الحالة السورية وتقسيم العراق إلى مواطن للشيعة والسنة والأكراد - ومن هذا الركام تستولد الدولة الداعشية الفاشية بغرب العراق وشرق سوريا؛ وقد تعترف بها كذلك هذه أو تلك من الدول العربية المرهونة لتنظيم الإخوان الدولي، أو تلك التى يمكن شراؤها بحفنة دولارات.

  آخر الكلم:

  • وبما أن هذا الكيان الداعشي السرطاني خطر على الأمة العربية والإسلامية وكذلك الأمن والسلام العالمي، فلا بد من حزمة إجراءات ضرورية لاستئصاله ووأده في مهده بصورة أكثر جدية وبرؤية أكثر وضوحاً.  

• ومن المؤكد أن القصف الجوي وحده لا ولن يكفي، ولا مفر من أقدام على الأرض BOOTS ON THE GROUND، أي قوات كالصاعقة ذات شوكة وشراسة على غرار المارينز الأمريكية، بإشراف جامعة الدول العربية، بموجب إتفاقية الدفاع  المشترك الموقعة في 13 أبريل 1950، وقرار مجلس القمة العربي لعام 2007 القاضي "بتفعيل الأنشطة العسكرية وتأسيس قوات طوارئ لحماية المناطق الملتهبة التي انفرط فيها الأمن مثل العراق ودارفور وجنوب لبنان والصومال".وهنالك سوابق للعمل العسكري العربي المشترك، خاصة ما حدث في حرب  1948 ضد عصابات الهجانة اليهودية التي اشتركت فيها القوات اللبنانية والأردنية والسورية والمصرية والعراقية والسعودية، بالإضافة لآلاف المتطوعين من أرجاء العالم العربي كافة، (بما في ذلك السودان – راجع مذكرات خضر حمد)، وما يحدث الآن فى اليمن (عاصفة الحزم) .     • لابد أن تستصحب العمليات العسكرية حملات إعلامية وتثقيفية وتعبوية ضخمة وشاملة في جميع أركان الوطن العربي، رامية لفضح الفكر الأصولي المتطرف وتفنيده من جذوره حتى ثماره السامة الراهنة، وداعية للتمسك بالإسلام الوسطيّ المعتدل، دين الرحمة والإنسانية والسلام والعدالة واحترام الجار وأهل الذمة؛ وسوف تستلزم هذه الحملات زيارة لمقررات التربية الإسلامية والتربية الوطنية بكل المراحل الدراسية في جميع الدول العربية...بغرض غربلتها من المواد المشكوك في أمرها، خاصة أدبيات سيد قطب ومحمد قطب وحسن البنا والمودودي وكافة مؤسسي حركة الإخوان المسلمين، بالإضافة للفقهاء والأئمة المتشددين، مع التركيز على الاستنباط الإبدعي والتوجهات الداعية للتعايش مع غير المسلمين في الوطن الواحد، ولنبذ العنف وترسيخ نواميس الشورى وحرية الرأي وحقوق الإنسان واحترام المرأة.   • وحيث أن العمل الفكري المفتوح على هذا النحو يتطلب أجواءً مفعمة بالحرية وعدم الخوف من الرقيب والأجهزة الأمنية، فلابد من تشريعات جريئة تتبناها كل الدول المشاركة في هذه الحملات، تضمن حرية الإعلام وتمهد لازدهار الحركة النقابية الديمقراطية وتبعث الحياة والثقة بالنفس لدى فعاليات المجتمع المدني؛ وسيتم التطور عبر هذه المؤسسات نحو النقابات والمنظمات الجماهيرية الراسخة والبنى التشريعية الصحيحة والصحية - وليس الدمى وال rubber stamps التى تضعها الدولة تحت إبطها، مثلما يحدث في الأنظمة الشمولية والفاشية.     • وسوف تتدرج الحركة الجماهيرية من جمعيات حماية المستهلك ومجموعات الضغط... حتى تبلغ شأو النقابات المهنية والعمالية والفلاحية التي يتم تدريب الكوادر الوطنية في معامعها ونضالاتها على التنظيم والانضباط المؤسسي وأساليب الكفاح السلمي وأدب التفاوضnegotiations والأخذ والرد والإقدام والتراجع التكتيكي (خطوة إلى الخلف وخطوتان إلى الأمام) وال bargaining والعفو عند المقدرةوالموضوعية والوطنية والتجرد؛ ومن هذا الزخم  تتبلور الأحزاب السياسية المستقبلية التي لا مفر منها بالنسبة للنظام الديمقراطي.   • إن الحملة ضد الإتجاهات الإرهابية المتطرفة بالوطن العربي يمكن أن تصطاد عصفورين بحجر واحد:   1. فهي سوف تقضي على داعش فكراً وممارسة.

2. وسوف تساهم في وضع لبنات المجتمع الديمقراطي، مجتمع الكفاية والعدالة الاجتماعية والتقدم الاقتصادي والطمأنينة والسلام – المجتمع التعددي الحر - والمتماسك فى نفس الوقت - الذي تتطلع إليه جميع الشعوب العربية والإسلامية.              أليس كذلك؟   والسلام.   الفاضل عباس محمد علي ، الشارقة

أغسطس 2015.                

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.