مقال معاد

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحزب الإتحادي الديمقراطي أصبح كاليتيم ...ويحتاج لعودة الروح!

 (( لقد نشرت هذا المقال بصحيفة "أخبار العرب" الظبيانية يوم 14 يونيو 2001 ،

الحزب الإتحادي الديمقراطي أصبح كاليتيم ...ويحتاج لعودة الروح!   (( لقد نشرت هذا المقال بصحيفة "أخبار العرب" الظبيانية يوم 14 يونيو 2001 ، ضمن عمود أسبوعي اضطلعت به آنئذ بتلك الصحيفة الغراء التى كان يدير تحريرها المرحوم حيدر طه – عطر الله ثراه – ولكنى أجده مناسباً كذلك للظروف التى يمر بها السودان اليوم، كأن الزمن متجمد عند نفس النقطة منذ عقد ونصف؛ وأود أن أهديه بصفة خاصة لمجموعة "الحوار الاتحادي الاتحادي بالواتساب " وشبابها المتفلت والمتوثب لانتزاع الحزب من براثن الطائفية والذيلية والخنوع للمؤتمر الوطني.))   كانت الجبهة القومية الإسلامية (الوعاء الذى حوى الإسلامويين السودانيين حتى انقلاب 30 يونيو 1989)...كانت تسلق الأحزاب الحاكمة قبلئذ بألسنة حداد، وتقول عنها ما لم يقله مالك فى الخمر،               مثل:   1. الأحزاب التى تبادلت الحكم منذ الاستقلال، وبالتحديد حزب الأمة (الأنصار) والإتحادي الديمقراطي (الختمية)، هي أحزاب طائفية بالدرجة الأولى، تتزعمها رموز طائفية / دينية توارثت مواقعها القيادية أباً عن جد، و لا سبيل لزحزحتها من تلك العروش. 2.  هذه الأحزاب لم تنجز ما وعدت، وما نظرت للحكم إلا كمطية للثراء وإرضاء المحاسيب وتكريس النفوذ الطائفي والقبلي وخدمة المصالح الحزبية الحصرية. 3. انحرفت تلك الأحزاب بالحركة الوطنية نحو ممالأة القوى الإقليمية الطامعة ثمناً لما تتلقاه منها من رشي على حساب المصالح والكرامة السودانية، (وهنا تزايد الجبهة الإسلامية على الحس الوطني باستثارة النعرة الشوفينية المعادية للتوجه القومي العربي، بينما هي مرهونة لدى محور أجنبي آخر، وهو التنظيم الأصولي الدولي). 4. الأحزاب الطائفية المذكورة لا تبارح الانقسامات والتشتت،وحكوماتها لا تعرف الاستقرار، ما بين الترتيبات الإئتلافية المتعددة والمتلاحقة. 5. الأحزاب الطائفية لا تمارس الديمقراطية فى كياناتها و لا تعرف الشفافية و النقد الذاتي، إنما هي كيانات أوتوقراطية تتنزل الأوامر إليها عن طريق (الإشارة) أو بالتعليمات السامية الواردة من شيخ الطريقة....الذى هو فى نفس الوقت زعيم الحزب ورئيسه ومنظره وفيلسوفه. 6. لا غرو أن تفشل حكومات تلك الأحزاب التى حكمت منذ يناير 1954 (قبيل الاستقلال) حتى 17 نوفمبر 1958، ومن أكتوبر 1964 حتى مايو 1969، ومن أبريل 1985 حتى 30 يونيو 1989، (باعتبار أن فترة العام التى حكم خلالها المشير سوار الدهب كانت أيضاً مرهونة للأحزاب التى خرجت للساحة إعلاماً وتحريضاً ووجوداً مكثفاً بالشارع، وبالتالي هيمنت بشكل أو بآخر على حكومة د. الجزولي دفع الله – 1985/1986 - )، ولم تتمكن حكومة الانتفاضة حتى آخر عهدها من التصدى لمشكلات السودان الأساسية المزمنة، وأهمها مشكلة الجنوب ومسألة الهوية ونوعية الدستور المناسب للسودان، والشروع فى تشييد الحد الأدني من البنية التحتية.   - ولكن الجبهة القومية الإسلامية التى انتزعت الحكم عن طريق انقلاب عسكري فى 1989 على أرضية النقد أعلاه الموجه للأحزاب الطائفية، وعلى فرضية أنها ستحكم بالعدل والإحسان وبسنة المصطفى عليه الصلاة والسلام وسيرة العمرين عليهما رضوان الله، لم تكن أفضل حالاً ولم "تنقذ" البلاد كما وعدت، بل كانت ضغثاً على إبالة، وكانت وبالاً على أهل السودان المساكين:   1. ها هي مشكلة الجنوب التى وعدت بحسمها فى عام واحد تناهز العام الثاني عشر، وتستفحل وتستحيل إلى حرب ضروس أقرب إلى (الأوس والخزرج)، التهمت مليوناً من الضحايا الجنوبيين، ونصف مليون من الشماليين، وشردت مليوني لاجئ لاذوا بدول الجوار الإفريقي؛ وظلت تستهلك مليون دولار كل يوم منذ يوليو 1989 – وغير ذلك من الآثار الجانبية. 2. الوطن الواحد مهدد بالتقسيم إلي دولتين، وها هي قوات جون قرنق على مشارف واو حاضرة الجنوب الثانية ومركز ثقل الدينكا قبيلة قرنق، وهي أكبر قبيلة فى الجنوب – بل فى السودان كله. 3. قبل سبع سنوات نشبت مشكلة بين السودان و مصر بسبب مثلث حلايب المأهول بقبيلة البشارين التى لا تنطق بالعربية بل باللغة البجاوية المنحدرة من اللغات الجعزية القادمة من اليمن والقرن الإفريقي منذ ألفي سنة. واقتحمت القوات المصرية مثلث حلايب عام 1995 ، وأحدث نظام البشير بعض الأصوات الاحتجاجية الخجولة، ثم لاذ الحكام "الانقاذيون" بصمت القبور، كأنما على رؤوسهم الطير. 4. قبل أربعة أعوام احتلت قوات قرنق منطقة الكرمك وقيسان الحدودية – بين جنوب شرق السودان وإثيوبيا – وتعالت أصوات الجبهة الترابية/البشيرية، وزمجرت وأرزمت وأعلنت الجهاد، ثم خبا صوتها فجأة و لاذت بالصمت الرهيب، واعتبرت الحركة الشعبية القرنقية تلك المنطقة جزءاً من جنوب السودان بوضع اليد، هادفة بذلك لتعديل حدود الجنوب عما كانت عليه عند الاستقلال فى 1/1/1956 ؛ أي أن الجبهة الترابية لا تفرط فى الجنوب فقط، ولكنها تمنحه الزيادة (الهوادة) المتمثلة فى جنوب النيل الأزرق ومنطقة أويل بجنوب كردفان (منطقة النفط المستخرج حالياً) ومنطقة جبال النوبة – (بالإضافة لمثلث حلايب الذى ورثه المصريون). 5. كان الدولار الأمريكي عام 1989 قبيل المجيء المشؤوم لنظام الإنقاذ يساوى أحد عشر جنيهاً سودانياً، وهو الآن يساوى ألفين وخمسمائة جنيهاً، مع ضعف شديد فى القوة الشرائية لدى السودانيين العاديين، رغم التدفق المشبوه للبضائع الاستهلاكية بالأسواق لمصلحة كوادر الجبهة والأجانب الكثيرين الذين استجلبتهم الحكومة ضمن صفقات تصنيع الأسلحة واستخراج النفط، من إيرانيين وعراقيين وكنديين وصينيين وغيرهم. 6. لقد أناخت المجاعة هذا العام على مناطق عديدة من السودان، والنظام يسميها فجوة غذائية - مكابرةً وتلبيساً؛ وفى الحقيقة يمر معظم السودانيين بمسغبة لا شبيه لها إلا فى عام لرمادة، ولقد باع الكثيرون ممتلكاتهم بثمن بخس ويمموا وجوههم شطر المنافى البعيدة والقريبة، ومن ظل باقياً بالداخل مافتئ يكابد شظف العيش فى ظروف لم تشهد البلاد مثلها منذ مجاعة (سنة ستة) –1896 – أيام حكم الخليفة عبد الله.   - والحالة هذه، لا بد من تغيير الوضع بزوال النظام الراهن، والتاريخ الحديث للسودان ينبئنا بجلاء أن الضيق يعقبه الفرج، كما تشهد بذلك ثورة أكتوبر 1964 وانتفاضة أبريل 1985 اللتان أطاحتا بنظامي الجنرال عبود والمشير نميري. وقد يأتي هذا التغيير عن  طريق حراك جماهيري سلمي داخلي (يتجاوب معه الجيش بالإحجام عن تنفيذ التعليمات الخاصة بضرب الجماهير المنتفضة)، أو قد يأتي التغيير عن طريق البشير نفسه إذا تمثل موقف الجنرال عبود الذى رضخ لرغبة الشعب وتخلي عن الكرسي بكل شجاعة وأريحية ووطنية، وقال لمستمعيه عبر المذياع يوم 26 أكتوبر 1964: "ما كنت أظن أن هذه الحكومة مكروهة لهذه الدرجة، وما كنت أعلم أن بني وطني السودانيين لا يرغبون فى بقائنا...."، وعند ذاك سلم عبود مقاليد الحكم بهدوء وبساطة لحكومة سر الختم الخليفة المؤلفة من أحزاب المعارضة كافة. أو ربما يأتي التغيير بأي وسيلة أخرى؛ وأياً كان ذلك التغيير، نسأل الله ألا تكون للقوى الأجنبية يد فيه، لأنها ستملي إرادتها. ومهما كان نوع التغيير فهو بالقطع لن يأتي بنفس الأحزاب التى حكمت إبان الديمقراطيات السابقة، فالسودانيون لا يرغبون فى تكرار التجارب الطارفة، و لا يريدون أن يقفزوا من الطاجن الساخن إلى النار، ويأملون أن تكون الأحزاب كلها قد وعت الدروس وجاءت بعقلية ومنهجية وهيكلية جديدة. ونسأل الله أن تكون الأحزاب قد استغلت الفترة الحالكة التى هبطت على البلاد منذ 1989 فى إعادة بناء نفسها وفق مفاهيم النقد الذاتي والديمقراطية داخل الكيان الحزبي. ولقد تواترت البياناتوالأطروحات فى الآونة الأخيرة التى تشير إلى أن الأحزاب قد تأملت فى دواخلها وعجمت كنانتها مجدداً بغرض استشراف جاد لمستقبل ديمقراطي يتجاوز سلبيات الماضي. ولقد ظهرت تيارات شبابية صحية (مثل حركة الإصلاح والتحديث) تدعو للم الشعث وتوحيد الكلمة ورفع راية الديمقراطية عبر الآليات المتحضرة المعروفة، مثل ورش العمل والدورات التثقيفية وإدارة المؤتمرات الإقليمية تمهيداً للمؤتمر العام. وتسعي هذه الحركات لنبذ التوريث والمحسوبية والتبعية للطائفية والشوفينية، ولرفع رايات التجرد والوطنية ونكران الذات، ولإرساء دعائم للتخطيط العلمي ووضع الاستراتيجيات الصحيحة التى تليق بحزب يسعي للبروز للسطح ببرنامج ثوري محدد – سياسي واقتصادي وتربوي وإعلامي – فى إطار السودان الجديد الذى تتصوره الحركة الوطنية. وبقدر نجاح هذا الحزب فى إصلاح أمر نفسه، بقدر ما ينصلح البلد الذى أصبح قاب قوسين أو أدنى من الديمقراطية التعددية. ولعمرى إن هذه دعوة لن ترفضها القيادة الحالية للحزب الاتحادي الديمقراطي التى أبلت بلاءً حسناً فى إطار النضالات التى خاضها التجمع الوطني الديمقراطي. وأياً كانت انجازات تلك القيادة أثناء فترة التجمع، فإنها قد تركت الحزب كاليتيم فى مائدة اللئام. ولا بد أن تضخ روح جديدة فى أوصاله ليتحرك كجسم واع ومتحضر ومدرك لمعطيات القرن الحادى والعشرين وللتحديات التى يواجهها السودان فى محيطه الإفريقي والعربي، و لا بد أن تزول عنه الهيمنة الطائفية وغير ذلك من السلبيات المدمرة. انتهى الاقتباس.    والسلام.   5  عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.