أجمع المراقبون والسابلة وزوار الأسافير والقادمون للتو من الخرطوم .. على أن الأمور في السودان بلغت أعلى مراحل التأزم، وأصبح ألا مفر من تغيير ما؛ وغالباً ما يكون ذلك التغيير عاصفاً كاسحاً من جراء ريح ثورية صرصر عاتية، أو تسونامي جماهيري يجتاح شوارع العاصمة المثلثة والحواضر الأخرى. وفي لحظة ما ستلتئم كافة ألوان الطيف السياسي والمناطقي في وحدة وتآلف وتضامن ليس له شبيه إلا ما حدث في انتفاضة ابريل ١٩٨٥ وثورة أكتوبر ١٩٦٤ وثورة ١٩٢٤ والثورة المهدوية عام ١٨٨١ - التي تكللت بالنصر في يناير ١٨٨٥. أي أن تاريخ السودان حافل بالإنتفاضات ضد المستعمرين والطغاة، فهو شعب من قديم الزمن لا يقبل الضيم والحقرة والاضطهاد، وله جلد على النوائب، وعزم وإصرار على التخلص منها، وروح إقدامية ضرغامية لا تعرف الاستسلام. ولو تساءلت عن الجنود السودانيين الأشاوس تجيبك صفحات النصر المؤزر في المكسيك والقرم والحجاز عندما استنصرت بهم الامبراطورية العثمانية في منصف القرن التاسع عشر، ثم الحلفاء الأوروبيون في طبرق ودرنة بالصحراء الكبري وفي كرن وأغوردات وأسمرا بالمرتفعات الإرترية والإثيوبية عندما استنجد بهم الجنرال مونتقمري في الحرب العالمية الثانية ١٩٣٩/ ١٩٤٥.

ليس هنالك أدني شك فى أن الشعب سوف ينتفض فى أي لحظة الآن ليطيح بالطاغية البشير ورهطه وزبانيته مافيوزي الإخوان المسلمين الذين نهبوا السودان ولم يستبقوا شيئا. ومن حسن الحظ أن أمرهم قد انكشف تماما بالنسبة للدول التى حسبوها حليفة في الآونة الأخيرة، ولا يقلل من ذلك أو يعتم الرؤية الخاصة به مساهمة بضع آلاف من المرتزقة السودانيين في حرب اليمن ضمن عاصفة الحزم، فلقد وضحت ملابسات وخبايا هذا الموضوع من خلال التصريح الأخير لأحد الإماراتيين (بأن النظام السوداني يشارك بجنده وسلاحه مع المعسكر المناوئ لإيران والإخوان المسلمين في اليمن....ولكن قلبه مع تنظيم الإخوان العالمي.) أي، لقد زالت ورقة التوت التى كانت تغطي عورة نظام البشير، وما عاد من الممكن التسول لدى كافة الموائد، وما عاد ممكناً مقابلة هؤلاء بوجه وأولئك بوجه آخر.....كشأن ذي الوجهين.

بيد أن ذات المراقبين محتارون في أمر المعارضة، فهي ما زالت شذر مذر ، ولم تحسم مسائل وترتيبات الوضع الإنتقالي الوشيك؛ وأخشي ما نخشي أن تتكرر علينا ثورات اليمن وسوريا التى اندلعت منذ ست أو سبع سنوات وما زالت تراوح مكانها.... لا أرضاً قطعت ولا ظهراً أبقت.

مهما يحدث، فإن زوال النظام العصبجي الإجرامي الراهن هو الأولوية الأكثر أهمية؛ إذ كما يقول المثل، لو اكتشفت أنك في حفرة ما تنفك تزداد عمقاً....فأول ما تبدأ به هو الخروج منها. دعنا أولاًنتخلص من هذا النظام البربري الآثم، بغض النظر عن ما يسمي (بالبديل) الذي يستخدمه النظام كفزاعة تخذيلية تفت في عضد الشعب. فليذهب هذا النظام إلي الجحيم ....ثم دعنا نفكر في البديل بعد ذلك....طالما تعذر ذلك الآن.

نسأل الله أن يقف مع شعب السودان وهو يتأهب للتحرر من أفظع نظام لصوصي همجي شهدته البلاد منذ التركية السابقة.
والسلام.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.