بسم الله الرحمن الرحيم

قضيت الثلاثة أسابيع المنصرمة بالقاهرة استجماماً وترويحاً واستزادة بما تيسر من العلم ومجالسة الأماجد واستشراف (الشمارات) في مظانها، وقابلت عشرات السودانيين القادمين من السودان سياحة وتجارة وطلباً للعلاج، أوهروباً من الخرطوم التى ضاق فيها العيش وتعسرت الحياة على أبناء الطبقة الوسطى وما دونهم؛ ولكنه هروب "بعودة"، إذ لا مناص من الأوبة لتلك الديار المستغيثة التى خيم عليها البوم الإخواني رمز الشؤم والخراب؛ لا مفر من العودة طالت الإقامة بمصر أم قصرت، فلقد تركوا "العقاب" وراءهم في حالة عوجاء، ولن يجدي الهروب فتيلا، (فالعرجاء لمراحها)، وما كل من خرج هارباً يستطيع أن يتحول إلى طالب لجوء أو يستطيع أن يتيه في بيداء الصحراء الليبية، أو يقتحم لجج البحر الأبيض المتوسط على ظهور القوارب المطاطية المهترئة الحالمة ببلوغ الشواطئ الأوروبية حيث الأمان وحقوق الإنسان وكسب العيش.

ولقد أجمع كل من قابلتهم في القاهرة على أن الموقف الإقتصادي والسياسي المتردي بالسودان قد بلغ آخر مداه، وعلى أن ثمة تغييراً سوف يحدث في أي لحظة – كيف وما هو....ومن منفذوه - الله وحده يعلم؛ ولكن من المؤكد أن الأوضاع لن تستمر هكذا لما لا نهاية. وقال لي البروف حيدر إبراهيم علي إنه كل صباح يطوف على كافة محطات التلفاز متوقعاً تغييراً ما في السودان؛ فلقد خيمت الأزمة الثورية فوق سماء تلك البلاد، وأصبح ألا مفر من أن تتفجر شوارع الخرطوم وغيرها من الحواضر والمدن والدساكر....وتخرج شواظها وحممها التى سوف تقتلع النظام الطاغوتي الحاكم من جذوره وتفرض إرادة الشارع ونواميسه وشرعيته الثورية وأوضاعه الإنتقالية البديلة.

والسر في بقاء هذا النظام المدمر رغم إفلاسه وضياع بوصلته وتوهانه فى العراء الجديب هو الزخم الإعلامي الذي ما فتئ يخدر الجماهير بالوعود البراقة المسيلة للعاب – مثل الخبر الرسمي الذى أوردته الأجهزة الإعلامية حول إلتزام السعودية بمد السودان بحاجته من المواد البترولية للخمس سنين القادمة؛ وهو خبر خال من الصحة تماماً، فالسعودية غارقة في هموم واهتمامات أخرى ليس السودان جزءً منها. أضف إلى ذلك الإشاعات التى تزحم الآفاق الإسفيرية حول الناقلات المحملة بالنفط الراسية على مشارف بورتسودان؛ ولقد نسي النظام وزبانيته أن محكوميهم الغلابة هذه الأيام مسلحون بتقنية المعلومات، وبنقرة واحدة على الماوس يأتيك القوقل بحركة ناقلات النفط في كل العالم، ولا تجد واحدة منها متجهة صوب الموانئ السودانية. إن من يكذب على الجمهور في هذا العصر pathetically واهم وموهوم وجاهل بمعطيات العصر ومتخلف لدرجة بعيدة.

وفي هذا الخضم، يتحدث الناس عن الصراع الدامي المتوقع بين شراذم الإخوان المتمكنين وغير المتمكنين، ويتوقعون كما قال الأستاذ فتحى الضو ( ليلة السكاكين الطويلة) في أي دقيقة، حيث يفتك الإسلاميون ببعضهم بعضا وتتناثر جثثهم في الشوارع كما تناثرت جثث البطل والخائن وكل الحاشية على المسرح في الفصل الأخير من تراجيدية هاملت لوليام شكسبير. ولكني أرى في عين رأسي سيناريو مختلفاً بعض الشيء: سوف ينفجر الشارع لا محالة، وسوف تتدفق الجماهير العزلاء صوب الشوارع مسلحة بسواعدها وحناجرها فقط، وفي ذلك قوة معنوية كاسحة تجعلها تفرض إرادتها كما فرضت الجماهير المصرية إرادتها في ثورة 25 يناير 2011 وحولت الجيش إلى مؤسسة صديقة للشارع، وحيّدت جهاز الأمن المكون من مليون ضابط ومخبر وجندي...وأحالته إلى مجرد خيال مآتة لا يهش ولا ينش، فأصبح حسنى مبارك وأولاده ورهطه وحزبه كالأرانب البرية المذعورة المحاصرة بكتل الصائدين. كما أرى في عين رأسي أباطرة الكيزان وكوادرهم يفرون بسياراتهم الفارهة ذات الدفع الرباعي نحو الحدود الشرقية والغربية والشمالية الغربية، أي القرن الإفريقي وتشاد وليبيا حيث الفوضى المتأججة، على طريقة (الردوم زيدوه كوم)؛ ولا أظن أن الكوادر الإخوانية المنعمة والناعمة من فرط مال السحت الذى كنزوه عبر الثلاثة عقود المنصرمة، وحولوه إلى أرصدة خارجية ومباني وممتلكات بالدول الآسيوية والأوروبية.....لا أظنهم راكزين في ساحات الوغي، بل أرى أنهم سوف يولون الأدبار، ولعلهم يرددون في سرهم : اللهم ثبت أقدامنا! (روى لي أحد الأصدقاء من رفاقي القدامى يدعى جاكوار: أنه قد هجم عليهم جماعة من المتطرفين بدار الحزب في الجريف، ولكنهم صمدوا وردوهم على أعقابهم كحمر مستنفرة فرت من قسورة، وكان أحد الملتحين الفارين يردد (اللهم ثبت أقدامنا!)، وهو يركض مثل العدائين الإثيوبيين في سباق الماراثون).

على كل حال، تصرمت أيام البشير وقومه، وسوف يتخلص منهم الشعب السوداني بين عشية وضحاها. ولا داعي للتخوف من عدم وجود قيادة واضحة تتولي أمر الشارع عبر هذا المنحني الوشيك، فلقد تفجرت الثورة المصرية في يناير 2011 وتقاطرت الجماهير وتحصنت بميدان التحرير، وبعد نجاح الثورة اتضح أن المحركين للشارع كانوا بضع شباب إسفيري هنا وهناك، يتزعمهم الصبي الفذ وائل غنيم المقيم آنئذ بدبي كجزء من العمالة الوافدة، شأنه شأن الكادحين الذين تلتقيهم كل يوم في المقاهي والمحلات، ولا تلقي لهم بالا.... إذ كما قال الشاعر: ترى الرجل النحيف فتزدريه.... وفي أثيابه أسد هصور. ومن محاسن الصدف أن معظم الكوادر السودانية الإحترافية والمنفعلة بقضايا شعبها موجودة في حرز أمين بالخارج، بعيداً عن معتقلات النظام وآليات قمعه ورقابته القبلية والبعدية، وجلهم "متوهطون" ومطمئنون بالدول الديمقراطية المتحضرة، والتواصل بينهم لا ينقطع، وما انفكوا يتشاورون عبر الإعلام الإجتماعي حول إجراءات وقوانين ودستور المرحلة الإنتقالية، وحول كيفية تحييد الجيش والشرطة، وكيفية التعامل مع الأجهزة الأمنية والمليشيات الموازية الموجودة مثل الفيل داخل الغرفة، وحول سبل توعية وتنظيم الجماهير. وحقيقة، لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، فهم فتية رضعوا من أثداء كنداكات عظيمات.


آخر الكلم:

وأثناء كتابتي لهذا المقال، أدركت عبر الهاتف من أستراليا أن لدي أزمة شخصية هي أيضاً في خواتيمها بإذن الملك العلام. فلقد اتصل بي إبني عباس من معسكر اللاجئين المحبوسين بمدينة ملبورن في أستراليا بعد أن قابل شقيقه عثمان لأول مرة بعد عشرين سنة، ووجده بصحة عقلية وجسمانية تامة بحمد الله وذاكرة خرافية وامتلاك لناصية العربية والإنجليزية، بعد كل ما سمعناه من السابلة الذين لم يكلفوا أنفسهم زيارته بهذا المعسكر - (الذى هو سجن فى نهاية التحليل، يحبس فيه المخالفون لقوانين الهجرة حتى يبت في أمرهم: إقامة أم تسفير).
ولعثمان قصة كنت قد أجلت الخوض فيها حتى يحين مثل هذا اليوم التاريخي الأبلج في حياته وحياتنا أنا وأمه وإخوانه وأخواته.
جاء عثمان من الهند عام 1997 بعد حصوله على دبلوم حاسوب من بنقالور، والتحق بشركة داناتا بمطار دبي، وفي نهاية عامه الأول حصل على تذكرة مجانية للذهاب لأستراليا لقضاء إجازته، ولكنه كان ينوي الإقامة هناك للدراسة للماجستير، ووافقنا على ذلك وودعناه في أغسطس 1998، فذهب واستقر بنواحي سدني، وأخذ يشق طريقه نحو الإقامة والدراسة، فطلب منا أن نزوده برسالة من التجمع أو الحزب الإتحادي الديمقراطي تشهد بأنه معارض وأن أباه معارض ولا يستطيعان الرجوع للسودان. وما كنت أعرف شخصاً يمكن أن يقوم بذلك مثل صديقي الراحل التوم محمد التوم الوزير الإتحادي للإعلام في ديمقراطية ما بعد انتفاضة أبريل 1985، فاتصلت به في لندن وزودني على الفور بالخطابات اللازمة على ورق مروّس وبتوقيعه وختم الحزب. وأرسلنا المظروف لعثمان بسدني، وسلمه للمحامي الذى أعطي نسخة منه للنيابة الأسترالية. وقامت النيابة بإرسال هذه الأوراق لوزارة الداخلية Home Office فاتصلت الداخلية البريطانية بالشخص الوحيد الذى يمثل الحزب الإتحادي الديمقراطي لديها، وهو المدعو عادل سيداحمد عبد الهادي، الذى قال لهم: (هذه الأوراق المروّسة والختم مسروقات من مركز الحزب بلندن، والتوم محمد التوم لا يمثل الحزب، ومحمد عثمان الفاضل عباس هذا لا علاقة لنا به وغير معروف لدينا). علماً بأني في نفس ذلك الصيف من عام 1998 كنت مدعوا لغداء بمنزل المدعو عادل سيداحمد على شرف مولانا الراحل السيد احمد الميرغني، بحضور رجل الأعمال أبرسي الكورتاوي والمهندس أحمد عمر خلف الله من أبو ظبي وعبد الوهاب مكي من أبو ظبي ومحمد حسن أحمد الصحفي عليه رحمة الله. وكنت معروفاً لدى كل هؤلاء ولكافة الإتحاديين بحكم المقال الأسبوعي الذى كنت أساهم به في (الإتحادي الدولية) صحيفة الحزب الإتحادي الديمقراطي والناطقة بإسم التجمع الوطني الديمقراطي التي كانت تصدر من القاهرة.

عادت الأوراق لسدني، وأخطر المحامي عثمان بالرفض، وسلمه نسخة الحيثيات التى تضمنت شهادة عادل سيداحمد (والتى أرسل لي نسخة منها لا زلت أحتفظ بها)، ووضح له أن الأمل ضعيف في كسب القضية وأنه غالبًا سوف يتم إعتقاله وحجزه في جزيرة نائية بالقرب من إندونيسيا، وقد يمكث فيها لثلاث سنوات قبل أن ينظر في أمره. فاختفي عثمان داخل أستراليا متنقلاً كعامل موسمي بالمزارع، وعاش لفترة طويلة مع قبائل الأباوريجينز، وانقطعت صلته بنا، إلا مرة واحدة تحدث لنا بالهاتف معتذراً وقائلا إنه مصمم على بلوغ آخر هذا التحدي الذى وجد نفسه فيه، ولن يستسلم حتى يحصل على وضع قانوني ويعمل عملا شريفا يحقق به النجاح الذى يريده لنفسه. ثم اختفى منا تمامًا، وكنا نسمع تلاطيش كلام حول أنه منعزل وفي صحبة شلة من البيض والسود...إلخ.

في هذه الأثناء، أكمل شقيقه عباس دراسة الطب بمامون حميدة، وتوجه للندن بحكم جوازه البريطاني (حيث أنه ولد في انجلترا عندما كنت أحضر للماجستير بجامعة ليدز)، وقضى عشر سنوات حتى أكمل التخصص في السايكاياتري، وبحث حتى وجد وظيفة أخصائي بمستشفي القولد كوست الجامعي شمال شرق أستراليا، وبعد أقل من شهرين توجه إلي ملبورن، وصباح اليوم سمحوا له بدخول المعسكر لمقابلة أخيه، وكانت دهشة الحراس عظيمة لكمية العواطف التى تدفقت من كليهما، وبعد أن كانوا قد سمحوا له بمقابلته مرة واحدة، قالوا له إنه يستطيع أن يراه في أي لحظة طوال الأربعة أيام التى سوف يقضيها بملبورن. وكان ذلك بالطبع بعد أن هاج فيهم عباس وشتمهم بأعلي صوت (ياعنصريون يااستعماريون ياخنازير. ماذا فعل أخي؟ وكيف تستغرق إجراءات الإقامة عشرين سنة؟ ألأنه أسود يشبه الأبأوريجينز الذين جرفتموهم وقضيتم علي حياتهم وثقافتهم.) وبالطبع هم يعرفون أنه أخصائي بمستشفي جامعي لديهم، فتساهلوا معه.
ومن المعلومات الأولية التى وافانا بها عباس أن عثمان ظل هاربا من شرطة الجوازات لعشرين سنة، وظل محبوساً هنا منذ سبعة شهور فقط، بثلاث وجبات جيدة، في الواقع أحسن من الفندق الذى أقمت فيه بالقاهرة. ويقول المحامي إن عثمان الآن في أيدي أمينة، وغالبا سوف يمنح حق الإقامة، أو إن شاء يستطيع السفر لبلده فوراً. وقد اتصل عباس قبل أن يأتي بنائب المنطقة في البرلمان الذى غضب للغاية وتولي أمر عثمان تماماً، خاصة لما عرف أن عباس في لجنة نقابة الأطباء السودانيين بانجلترا، وأن أباه كاتب وقد إطلع على أغلفة الكتب بالإنترنت.

عموماً، أنا وأم عثمان نحلق عالياً كأنا أنجبنا غلاماً جديداً اليوم. ونحمد الله على لم الشمل، وحقا لا ييأس من رحمة الله إلا القوم الكافرون. ولعنة الله على من كان السبب في هذه الكارثة التى أوشكت أن تودي بي أنا وأم عثمان. نسأل الله أن يفك أسر الشعب السوداني كذلك ويرفع عنه الغم والهم..... مثلما فعل لي ولأم عثمان اليوم.

والسلام.



عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
/////////////