بسم الله الرحمن الرحيم

إذا الملك الجبار صعر خده خرجنا إليه بالسيوف نعاتبه

قال مارتن لوثر كنج جونيار إن هنالك ركناً سحيقاً في أعماق جهنم محجوز لأصحاب المواقف الرمادية، السلبيين المستنكفين عن قول الحق. ولقد ادلهمت الخطوب ببلادنا وأرزمت رعودها وزلزلت أرضها زلزالها وتهتكت بنيتها التحتية وتخضبت آفاقها بالدم الأحمر القاني، وكاد أن ينفرط عقدها ويتبعثر شملها، ويتناثر ترابها في شكل كانتونات صغيرة مهترئة ضئيلة الشأن، بالشمال والوسط والشرق والجنوب والغرب والجنوب الشرقي – بينها ما طرق الحداد؛ وبلغت أحوال الناس المعيشية أسوأ درك لها منذ مهدية الخليفة عبد الله في الثلث الأخير من القرن التاسع عشر؛ وفي هذا الظرف الحالك لا بد لكل الوطنيين السودانيين أن يدلوا بدلائهم حول المآلات والحلول الأمثل للخروج من هذا النفق المظلم واستشراف الغد المشرق السعيد المرجو للوطن الجريح. ولقد كففت عن الكتابة السياسية بالإسفيريات منذ عام بالتمام والكمال علني أتأمل الأوضاع من زاوية المتلقي شبه السلبي، وأكتفي بالقراءة فقط، وعلني أنجز المشاريع التى ظلت تراودني منذ ثلاثة عقود – وهي كتابة التاريخ والرواية. ولكني لا أرضاً قطعت ولا ظهراً أبقيت من حيث تناول الأجناس الإبداعية الأخرى، فقد (حمى النثر إلا القليل......همٌ حمى النوم إلا غرارا). وما انفكت الحال في بلادي تسير من سيء لأسوأ، والسكوت عنها يدخلك لا محالة في زمرة الشياطين الخرس.

وقد بلغت الأزمة السودانية حد الإنفجار عبر الثلاثة أيام المنصرمة، علي إثر الموازنة السنوية المعطوبة التى أعلنها وزير المالية أمام المجلس الوطنى، وما اشتملت عليه من سحب للدعم عن السلع الأساسية، وما نتج عن ذلك من ارتفاع جنوني للأسعار بلغ 300% في المتوسط. ولقد اهتز عرش المؤتمر الوطني أيما اهتزاز، وأربدت سماوات السودان وتلبدت بغيوم داكنة كثيفة - لا بد أن يتلألأ برقها ويتمخض عنها إرباك معادلة الحكم السائدة منذ تسع وعشرين سنة، وتغيير للإستيتاس كو، وفق واحد من السناريوهات التالية التى يشير إليها منطق التاريخ:

السناريو الأول:

قد ينجح النظام في إخماد الإنتفاضة التى اشتعلت بكافة أنحاء الوطن، بفضل ما يتمتع به من ترسانات ومليشيات وأجهزة قمعية مدججة بالسلاح والعتاد ومئات آلاف الجلاوزة الغلاظ الشداد عديمي الرحمة والإنسانية الذين يفعلون ما يؤمرون، وبفضل الإعلام الهتلري النازي الموجه إيديولوجياً والذي يحاصر الناس من جميع أقطارهم، صورة وصوتاً، وبفضل أصحاب المصلحة المادية المليارية في بقاء النظام - الذين يقلقهم مشهد الجماهير المنتفضة وتؤرقهم الشعارات الكابوسية المرفوعة – "ضد الحرامية، وحقنا لن يضيع، ومن أين لك هذا....إلخ". وسوف يحاول النظام أن يمتص غضب الجماهير ببعض التعديلات الديكورية – وندو درسنق window dressing– مثل استبدال وزيرين أو ثلاثة بآخرين من الكوادر الإسلامية الأكثر تشددا وتطرفاً وتشبثاً، مع تكثيف العروض الرازماتازية الجانبية التى يحشد لها ورثة الفيلق الطائر - الهتيفة المأجورون، مثلما حدث في إفتتاح استاد الهلال؛ والسيل المنهمر من الحفلات الغنائية امتداداً لكرنفالات رأس السنة، من باب ترسيخ الروح الإنصرافية لدي جماهير المدن وضرب الهم بالفرح. وقد تتسبب وقفة الثلاثة أيام المتواصلة في إنهاك الجماهير، وتستنزف كل ما لديها من إمكانيات وطاقات للتحرك من ركن إلي آخر بالعاصمة المثلثة المترامية الأطراف، فتخر مستسلمة لما يسمي ب(إستراحة محارب)، التى سوف يحسبها النظام انتصاراً له.

بيد أنه انتصار أجوف ومزيف، حيث أن الوضع الإقتصادي سيستمر كما هو، وستواصل الأسعار زياداتها الجنونية المضطردة، ولن يحيد الإقتصاد عن خلله المتجذر الناجم عن ضمور الصادرات وتضخم الواردات التفاخرية المؤذية للميزان التجاري، والإعتماد على القروض و(الهبات) الأجنبية (المشروطة) التى ترهن البلاد لشياطين لا نعلم كنههم تماماً، وترهق الأجيال القادمة بديون خرافية أكثر خطراً من ديون الخديوي إسماعيل باشا في ستينات القرن التاسع عشر الذى باع قناة السويس للأوروبيين ووضع الدولاب الحكومي المصري في يد الرأسمالية الإمبريالية الفرنسية والبريطانية؛ والاستمرار في المعادلة الجائرة المدمرة - وهي تخصيص سبعين بالمائة من الموارد للصرف على الأمن والتسليح والأجهزة الرئاسية والوظائف الدستورية وصرفها البذخي، وقذف ما تبقي من فتات صوب الخدمات التى تهم الجماهير، الصحة والتعليم وغيرها.

وكما هو الحال منذ مجئ هذا النظام للسلطة، تأخذ الحركة الجاهيرية نفساً عميقا، وتلبث فيما يسمي بالبيات الشتوي الدوري، حتى تستجمع أطرافها وتنتفض مرة أخرى – كما فعلت فى سبتمبر من العام قبل المنصرم، وكما قد تفعل هذا الأسبوع. ومن المؤكد، ليس هنالك أي إشارة إلى أن هذه الحكومة ستغير مسارها إذا هدأ الشارع وانصرف المنتفضون إلى بيوتهم مهما توالت هذه الإنمتفاضات المجهضة؛ وستعود حليمة لقديمها كما ظلت تفعل منذ ثلاثة عقود، وكأنا يابدر لا رحنا ولا جئنا.


السناريو الثاني:

يرى كثير من المراقبين أن الإنتفاضة الحالية أكثر تنظيما وعنفواناً وشراسة وغبينة من سابقاتها التى حاولت أن تطيح بالنظام الحالي، وأن التراكم الثوري قد اكسب الشارع خبرة وحنكة ومقدرة على التقدم خطوتين والرجوع خطوة للوراء من باب المرونة وذكاء التكتيكات والتفنن في مصارعة النظام، ومن ثم الصمود لفترة أطول مما حدث فى الإنتفاضات السابقة الفاشلة. وقد تنجح القوى السياسية المعارضة هذه المرة فى تكريب وتمتين وحدة صفها وتفعيل نقابات الظل ولجان الأحياء المؤلفة من جميع ألوان الطيف السياسي والإجتماعي والإثني. كما قد تنجح فى إقناع ممثلي القوات النظامية وسطها بالإنحياز لحركة الشارع كما فعل الضباط الوطنيون إبان ثورة أكتوبر 1964 وانتفاضة إبريل 1985. وهكذا، قد ينبلج فجر جديد كذلك الذى تمخضت عنه ثورة اكتوبر وانتفاضة إبريل، وهذا ما يحلم به غالبية السودانيين، خاصة أولئك الذين عاصروا الإنتفاضتين المذكورتين.

ولكن ما يعيب هذا السناريو أن الأحزاب ما عادت كما كانت في الستينات والثمانينات، إبان تلكما الثورتين: فقد تم الفت في عضدها وتدجينها وإلجامها والتنكيل بمن يرفع رأسه من قادتها وكوادرها، واستحالت إلى مجرد خيال مآتة؛ كما تمت خلخلة الحركة الجماهيرية والنقابية العريقة، وتم تزييف إرادتها، فأصبحت كيانات تابعة للحزب الحاكم، رؤوسها مطأطأة وذيولها بين فخذيها، like a poodle ، قادتها من الكوادر الإخوانية المضمونة وناشطوها من الأمنجية المتشربين بالعدوانية والجمود العقائدي من ثدي الحرس الثوري الإيراني الشيعي القادم من العصور الوسطى المظلمة؛ وما نشهده من بعث للحياة في عروق الأحزاب وهي تلتقي لتنسق فى دار حزب الأمة بأم درمان يوم الخميس الماضي أمر يدعو للتفاؤل، على أنه فيما يبدو نشاط فوقي حلقي غير بعيد الغور، ولم يلامس الفروع والجذور بالمدن والأرياف السودانية حتى الآن. وهكذا، فإن الإنتفاضة معرضة للخضوع لقيادات عفوية وفوضوية تنحدر من عشرات المشارب ومئات الإتجاهات اليسارية الطفولية والوجودية والعروبية وغير العروبية، مثل جماعات روبسبير التى قادت الثورة الفرنسية أم الثورات عام 1798 والتى قضت على الملكية البوربونية ثم انقلبت على بعضها البعض بطشاً وتقتيلاً عن طريق الجيلوتين (المقصلة). ومنذ تلك الأيام صار الناس يتحدثون عن الثورة التى أكلت بنيها كنموذج يتكرر إلى يومنا هذا، خاصة في دول العالم الثالث – الكنغو، الصومال، اليمن، ليبيا، سوريا...إلخ. أضف إلى ذلك العنصر الإسلاموي الذي يرفض الآخر ويرميه بالكفر ويقضي عليه ليس بآلة الجيلوتين، إنما بالحرق بالنار، وهي إحدى إبتكارات الحركة الداعشية التى تسنمت السلطة في الهلال الخصيب – بين سوريا والعراق – لمدة أربع سنوات وأعطت نموذجا حيا آخر للنظام الذي يراود مخيلة الإسلامويين.

والعيب الآخر الملازم لمثل هذا السناريو هو تكرار التجربة المصرية منذ انتفاضة 30 يونيو 2013؛ فقد انفجر الشارع المصري بقضه وقضيضه، بكل أحياء قاهرته ومدنه ودساكره وقراه، وحاصر نظام مرسي العياط وإخوانه المسلمين، وطالب الجيش باستلام السلطة، وبالفعل استجاب رئيس هيئة الأركان الفريق عبد الفتاح السيسي لنبض الشارع واستلم السلطة بإسم الشعب. ولكنه قضى الأربع سنوات المنصرمة مستغرقاً في حرب عنيدة ضد تنظيم الإخوان المسلمين، وبسبب هذه الظروف، تم التضييق على باقي خلق الله والإفتئات على حرية التعبير وتحجيم دولة المؤسسات وتضخيم دور المؤسسة العسكرية التى أصبحت أكبر قوة اقتصادية وصناعية وتجارية بالبلاد؛ وشيئاً فشيئا سقطت مصر في قبضة حكم الفرد – تماماً كما كان الحال طوال فترة حكم الضباط الأحرار منذ 23 يوليو 1952 حتى سقوط حسني مبارك في يناير 2011، وكما حدث في السودان إبان دكتاتورية عبود العسكرية 1958/1964 ودكتاتورية المشير جعفر نميري 1969/1985.ً

إذن، يمثل هذا السناريو تجسيداً لساقية جحا التى تسحب الماء من البحر وترجعه إليه.

السناريو الثالث:-

ويرى آخرون متابعون لما يجرى في الشرق الأوسط إن القوى الخارجية ذات الشأن والشوكة وغير ذات الشأن لن تترك السودان ينحدر لصومال أو يمن أو ليبيا أخرى، بما يتمتع به من وضع جيوسياسي حساس فى وسط القارة السوداء، وفى تخوم الشرق الأوسط وشواطئ البحر الأحمر، وما حباه الله من أراض بكر ومياه جارية وجوفية وثروة حيوانية وغاباتية خرافية بحمد الله ومعادن نفيسة ونفط مستكشف وموعود وقوى بشرية ذات مهارات ومؤهلات......خاصة وأن السودان قد انضم مؤخراً لمحور خليجي ذي شكيمة مالية وعسكرية وانخرط معه فى حرب اليمن التى لم يتم حسمها بعد. كيف يمكن السماح لبلد كهذا أن ينزلق لمآلات تهدد مصالح ذلك المحور، وقد تنقلب موازين القوى داخل السودان مرة أخرى لصالح تنظيم الإخوان المسلمين العالمي المتربص بمصر وبدول الشرق الأوسط الأخرى، وحليفته إيران وزعيمته تركيا أردوغان؟ كيف يكون الحال والوضع الحالي قد دفع بالرجال والعتاد والطائرات الحربية المشاركة بالفعل فى حرب اليمن؟ وماذا سيكون الموقف إزاء النظام المصري المنهمك لشوشته فى حرب صفرية ضروس ضد الإخوان المسلمين؟ إلى أي معسكر سينحاز التنظيم الأصولي النسخة الثانية الذى قد تتمخض عنه الإرتجاجات الحالية بالسودان؟ ولذلك، قد يشهد السودان مخاشنات وحروباً محمومة بين كافة أنواع الفصائل الحاملة للسلاح المدعومة من الخارج، على غرار ما ظل يحدث في ليبيا وسوريا منذ ست سنوات.

إن السودان مهيأ تماماً لمثل هذا السناريو. أنظر إلي المليشيات المؤدلجة وذات الصبغة الإثنية الموجودة بالفعل في العاصمة القومية، والمسلحة حتى أسنانها والمدربة على حرب المدن، مثل المليشيا التى أطلقت على نفسها إسم (قوات الدعم السريع)، عله يضفي عليها شيئاً من الإحترافية والشرعية التى قد تجعلها تبدو كأنها إمتداد للقوات النظامية، وليس ترياقاً لها إذا تفجرت الأوضاع. وانظر ياصاح للجماعات المسلحة المتعددة الموجودة بدارفور وجنوب كردفان وجنوب الأزرق، والتى بالقطع لها خلايا نائمة بالعاصمة والحواضر الأخري؛ أنظر للآلاف المؤلفة من النازحين الموجودين بأطراف العاصمة المثلثة من رهط أولئك الحاملين للسلاح. وانظر يارعاك الله لمئات الآلاف من اللاجئين الملتحين القادمين من سوريا وفلسطين ومصر والعراق وتركيا وإرتريا والصومال: أليس بينهم خلايا ناعسة سرعان ما ستدب فيها الحياة إذا انفرط الأمن؟

هذا السناريو وارد plausible ومتوقع في أي لحظة، فالمنطقة برمتها تعج بالصراعات المسلحة وبالأوضاع المتفجرة – جنوب السودان، إثيوبيا وإرتريا، الصومال، مصر، ليبيا، تشاد، وإفريقيا الوسطي التى شهدت مؤخراً نشاطاً لجماعة بوكو حرام، وتواجد فلول القادة بالصحراء الكبرى الممتدة داخل السودان من الناحية الشمالية الغربية. وهو سناريو جهنمي – apocalyptic - إذ أن أي تفجر لنوع العنف السائد فى اليمن وسوريا وليبيا سيجد أرضاً خصبة بالسودان، وسوف يتفاقم ويستطيل كحرب البسوس وداحس والغبراء، وستختفى الدولة السودانية من الوجود وتحل محلها الفوضى التى ظلت سائدة في الصومال منذ عشرات السنين. ولا نملك إلا أن نقول اللهم لا نسألك رد القضاء، ولكن تخفيف وطأته، ونسألك اللطف بأهل السودان المساكين وسط هذه الأعاصير المتلاطمة.

السناريو الرابع:-

قد يلعب الفرد ذو الكارزمية وسعة الصدر والضمير الحي والشجاعة، إذا وجد السلطة في يده....قد يلعب دوراً مفصلياً فى تغيير مسار التاريخ؛ هذا ما فعله المصطفى عليه الصلاة والسلام، والإمام محمد أحمد المهدي الذي هزم الجنرال هكس باشا وجيشه المؤلف من عشرة آلاف جندي أبادهم أنصار المهدي عن بكرة أبيهم في شيكان بشمال كردفان – كما هزم الجنرال غردون باشا بعقر دار حكومته فى الخرطوم، وحرر السودان من الإستعمار التركي المصري. وقد لعبت شخصيات سودانية أخرى أدواراً مفصلية تاريخية غيرت المسار ووضعت بصمة أبدية – مثل الزعيم إسماعيل الأزهري الذى تزعم الحركة الإتحادية (أي الإتحاد الإندماجي مع مصر) منذ بواكير الحركة الوطنية إبان الحرب العالمية الثانية (1939/1945)، وبناءً على ذلك دعمته حكومة اللواء محمد نجيب وساعدته على الفوز بأول انتخابات عام 1953 وتشكيل أول حكومة وطنية برئاسته فى مطلع 1954، ومن المفترض حسب إتفاقية 1953 أن تنظم تلك الحكومة استفتاءً شعبياً يقرر مصير السودان – وحدة مع مصر أم استقلال تام. ولكن الأزهري قلب ظهر المجن لذلك الإستفتاء وقرر إعلان استقلال البلاد من داخل البرلمان كما حدث فى 19 ديسمبر 1953، ولا داعي للخوض هنا في الأسباب والملابسات التى دفعته لذلك الخيار، ولكنه كان من الوطنية والشجاعة والذكاء بحيث تحدى المخابرات المصرية وأيديها الأخطبوطية المتمددة بالسودان، وانحاز للمصير الذى أنقذ بلاده من القبضة المصرية التى كانت ستحيل السودان إلى شيء كإقليم أسوان حيث يعيش النوبة المهمشون الذين ليس لهم حظ سوي العمل كبوابين ونواطير بالحواضر المصرية.

وهنالك شخصية سودانية أخرى لعبت دورا تاريخياً مفصلياً، وهو المشير عبد الرحمن سوار الدهب الذي تولي الحكم في إبريل 1985 انحيازاً للشعب المنتفض بالشوارع الذى هب ضد نظام المشير النميري، وكان من الممكن أن يستمرئ سوار الدهب ويستلذ ويتشبث بكرسي الحكم كما فعل غيره من العسكريين، ولكنه انحاز لنبض الشارع، وشكل حكومة من التكنوقراط بعد التفاوض مع وموافقة القوى السياسية المنتفضة، ودامت تلك الحكومة لعام واحد فقط حسب الجدول المتفق عليه مع أحزاب ونقابات المعارضة، وفى نهاية ذلك العام تمت انتخابات 1986 التى فاز بأغلبيتها حزب الأمة القومي الجديد بزعامة الصادق المهدي؛ وشكل الصادق حكومة ديمقرطية أخرى قطع عليها إنقلاب الإخوان المسمين الطريق في 30 يونيو 1989 بقيادة الضابط عمر البشير (ومن خلفه العراب الأكبر حسن الترابي).

والآن يستطيع الرئيس البشير، بعد أن ولغ في السلطة لتسع وعشرين سنة واستمتع بملذاتها – حلالها وحرامها – يستطيع أن يستلهم النماذج المذكورة أعلاه (والعجيب أنهم جميعاً من البديرية الدهمشية: المهدي والأزهري وسوار الدهب والبشير)، ويستطيع أن يلعب الدور التاريخي المفصلي المناط به، المتمثل في إنقاذ البلاد من السناريوهات المطروحة أعلاه، وإعلان وضع انتقالي مثل حكومة سوار الدهب، ويشكل حكومة إنتقالية من خمسة عشر وزيراً فقط، من العناصر الوطنية التكنوقراطية من غير الإخوان المسلمين، مع دمج الوزارات في بعضها البعض، وحل المليشيات الموازية للجيش وتغيير كل القيادات الحالية للأجهزة الأمنية، وحل المؤتمر الوطني والمجلس الوطني ومجلس الولايات، وكافة المجالس التشريعية الولائية، واستبدال الولاة بإداريين محايدين يديرون الولايات بمساعدة رؤساء الأقسام (وليس الوزراء) للفترة الإنتقالية الموسومة التى نقترح لها ثلاث سنوات، ببرنامج محدد أوله إصلاح الإقتصاد، وتنظيف أجهزة الدولة من المؤدلجين والفاسدين، وإنقاذ المؤسسات الكبري مثل مشروع الجزيرة السكة حديد وسودانير والخطوط البحرية والمصانع الحكومية. أما فيما يختص بالسياسة الخارجية، فإنه يتعين على الحكومة الإنتقالية أن تعلن إنحيازها للمعسكر المناوئ للمخططات الشيعية والإخوانية بالمنطقة الذى تتزعمه السعودية والإمارات ومصر، مع الإنفتاح الإقتصادي نحو الجيران – جنوب السودان وإثيوبيا وإرتريا، وتبني فكرة قيام سوق مشتركة بين هذه الدول، على نمط مجلس التعاون الخليجي، والنظر في تطبيق الحريات الأربع معها، ولا بأس من انضمام مصر لتلك السوق.

في مقدور البشير أن ينقذ بلاده ونفسه بهذه الطريقة، وسينال تقدير شعبه وغفران الأسرة الدولية بما يجعل الفصل السابع ومحكمة الجنايات الدولية أمراً غير ذي أهمية، وسوف يتم تجاوز الإتهامات التى يواجهها البشير، بل سيصبح هذا الرجل (إذا ترجل) أيقونة للسلام والوئام بين شعوب السودان، وأهلاً للتكريم والتبجيل مثل الزعيم الخالد إسماعيل الأزهري.

هل هذه أضغاث أحلام رومانسية زلوطية، وبندق في بحر، أم فكرة يمكن تطبيقها على أرض الواقع السوداني المستغيث؟ الله ورسوله أعلم. على كل حال، ما على الرسول إلا البلاغ المبين، ألا هل بلغت اللهم فاشهد. والسلام.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.