الجيل الثاني من المؤرخين:
ثم جاء من بعد الرعيل الاول من مؤرخي افريقيا جيل من الكتاب الاروبيين اكثر معرفة وأرهف حساً وانضج وعياً وأكثر دربة ومنهجية وتعاطفاً مع تراث أفريقيا توفر على دراسة هذا التراث ووقف على جذور واصول الحضارات الافريقية وتطور مجتمعات القارة. وامتازت هذه النخبه من المؤرخين وعلماء الاجتماع على السابقين بالمنهجية العلمية في كتابة التاريخ التي ترفض تفسير الاحداث والتطورات في ضوء نظريات عرقية او فلسفية او اجتماعية مسبقة تجعل من التاريخ اداة وأدلة وبراهين تؤكد سيادة ذلك الفكر وتلك المعتقدات والقيم الاروبية.. لتبرير الغزو والاحتلال والهيمنة.
لقد اولت هذه النخبة من المؤرخين اهتماماً متزايداً بتاريخ شعوب افريقيا قبل الغزو والفتوحات الاروبية عند نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين فذاع عبر كتاباتهم ومؤلفاتهم – سيط الممالك والدويلات الافريقية القديمة في وادي النيل والزامبيزي وحوضي النيجر والكنغو وممالك بلاد السودان الممتدة غرباً من السنغال الى الهضبة الاثيوبية فوقف المهتمون بتاريخ الشعوب والحضارات لأول مرة على تفاصيل نمو وتطور الحضارة الأفريقية: نظام الدولة والحكم والتجارة والحياة الاجتماعية والروحية واتصالات وعلاقات افريقيا بالعالم الخارجي.. وينبغي ان نذكر هنا ان مؤلفات الرحالة والمؤرخين والجغرافيين العرب الذين زاروا بعض انحاء القارة وخاصة شمالها الغربي وسواحلها الشرقية كانت من اهم المصادر الاولية التي اعتمد عليها هذا الجيل من المؤرخين الاروبيين ونكتفي هنا بالإشارة الى مؤلفات الطبري واليعقوبي والمسعودي والإدريسي والمغريزي وابن بطوطة وابن خلدون ومحمد بن عمر التونسي....
وكان لهذا الجيل الثاني اثر واضح على كتابة تاريخ السودان من ناحيتين:
اولهما الاهتمام بتاريخ السودان قبل القرن التاسع عشر ، أي قبل النفوذ والسيطرة الاجنبية عليه ثم – من الناحية الاخرى – ابراز اتصال هذا التاريخ بمنابع الحضارة العربية والإسلامية وصلته ببعض الحضارات والمجتمعات الافريقية. ولنكتفي هنا بذكر نفر من اعلام هذه النخبة ومؤلفاتهم آركيل عن تاريخ السودان القديم والآثاري استاذ التاريخ القديم بيتر شيني عن حضارة مروي القديمة ، والدكتور براين هيكوك عن مروي القديمة ورتشارد قريي عن جنوب السودان وهارولد ماكمايكل عن القبائل العربية في السودان وكرافورد عن الفونج، وثيوبولد عن المهدية ونعوم شقير عن تاريخ وجغرافيا السودان.
واشتهرت بالنسبة لتاريخ السودان الحديث كتابات رتشارد هيل المتوازنة عن الحكم التركي المصري وكتابه عن الكتيبة السودانية التي قاتلت في المكسيك وجورج ساندرسون عن الصراع الاروبي على منابع النيل وكتاب بيتر هولت عن الدولة المهدية ومقدمته في تاريخ السودان الحديث وكتابيْ ريتشارد قريي وروبرت كولنز عن تاريخ جنوب السودان – وغيرها كثر من كتب تاريخ السودان الحديث التي يعلمها المتخصصون.
ويمكن القول انه بالرغم من بعض المآخذ على معالجة هذه النخبة من المؤرخين الاروبيين لتاريخ السودان فيرجع لهم فضل التناول الموضوعي الذي يعطي دارس التاريخ والقارئ غير المتخصص صورة ادق واصدق عن تطور المجتمع السوداني وتفاعله مع معطيات الاحتلال والحكم الاجنبي من تلك الصورة التي رسمتها كتابات الرعيل الاول الذي كان قدره – بل وقدر تاريخ السودان – صناعة التاريخ وكتابته في آن واحد حتى لا يكاد القارئ يفرق بين الحاكم الاداري والمؤرخ!!
الجيل الثالث من المؤرخين
كان لانتشار الوعي القومي واضطراد نمو الحركات الوطنية في افريقيا وما تبعها من استقلال شعوبها بعد الحرب العالمية الثانية، اثراً غير مباشر على ميلاد جيل ثالث من المؤرخين الافارقة الذين اتجهوا بكتابة التاريخ من حيث المنهج والموضوعات اتجاهاً جديداً. تمثل هذا الاتجاه في الاهتمام بالموضوعات التي اهملها او اغفلها مؤرخو الرعيلين الاول والثاني وانصب اهتمام هذه الصفوة من ناحية المنهج على استنزاف المصادر الاولية المطروقة والبحث عن مصادر جديدة والاستعانة بمصادر لم تكن مألوفة في كتابة التاريخ مثل علوم الاجناس واللغات والاجتماع وشتى ضروب التراث والأدب الشعبي المستقى من السنة الرواة المعاصرين لأحداث التاريخ وحوادثه.
ان الاسهام الحقيقي لهذه المجموعة في اعادة قراءة التاريخ الافريقي يكمن في انها منحت هذا التاريخ قيمة ذاتية إذ حررته من عبوديته وتبعيته للتاريخ الاروبي فما عاد تاريخ افريقيا والسودان مجرد فصل او باب في كتاب تاريخ اروبا . ولكن يجب ان نستعجل القول هنا بأن من بين العوامل الهامة التي هيأت اسباب النجاح لهذه الصفوة من المؤرخين في تناول الموضوعات الجديدة وتنقيح وتجويد المنهج العلمي في كتابة التاريخ، الثورة التي حدثت – وهي ثورة بالفعل – في الكشف عن مصادر اولية جديدة اضافت حصيلة وافرة من الحقائق والمعلومات الهامة عن العديد من الموضوعات. وأشير هنا بصفة خاصة الى علم الآثار وحصيلة ونتائج الحفريات الآثارية والى مئات بل آلاف الوثائق والمخطوطات التي اصبحت اليوم في متناول المؤرخين بفضل التطورات العظيمة التي طرأت على علم الوثائق والتوثيق، ونُظُم جمع الوثائق وحفظها وتيسير سبل وسرعة الاطلاع عليها في صفحات الانترنيت والمكتبة الالكترونية.
وهناك عشرات الموضوعات في التاريخ القديم والوسيط والحديث لم يكن من الميسور تناولها في غياب هذه الحصيلة من المعرفة التاريخية الجديدة المتجددة قبل خمسين او عشرين سنة مضت او حتى قبل عقد او بضع سنوات.
واوجز الاشارة هنا ونحن نتنزل من كتابة تاريخ افريقيا الى كتابة تاريخ السودان بأقلام سودانية الى مجموعة الاساتذة الذين عملوا ويعملون في شُعب التاريخ والعلوم السياسية والدراسات الانسانية عامة بالجامعات السودانية ومراكز البحث وتحفظ لهم المكتبة السودانية والأفريقية والعربية دور اثرائها ليس فقط من ناحية الاضافة العددية ولكن من ناحية تنوع موضوعات البحث التي اعادت عنصر التوازن والشمول لكتابة تاريخ السودان وابراز هذه المؤلفات لجوانب الاصالة في التراث الشعبي. وبهذا يتبلور دور الكتابة التاريخية في تأصيل الثقافة الوطنية ورفع الاغتراب والاستلاب عنها.. ونشير على سبيل المثال اكثر من الحصر الدقيق الى امهات كتب التاريخ السوداني وركائز المعرفة التاريخية بدءاً باقلام الاعلام من المؤرخين السودانيين وبشيخهم البروفسور مكي شبيكة ودراسته الموسوعية عن تاريخ شعوب وادي النيل والأخرى بعنوان السودان عبر قرون والثالثة بعنوان السودان والثورة المهدية ثم البروفسور يوسف فضل حسن عن دخول العرب والاستعراب في السودان وتحقيقه كتابي طبقات ود ضيف الله وكاتب الشونه عن تاريخ ملوك السودان، ثم تاريخ السودان لضرار صالح ضرار ومؤلفات محمد سعيد القدال عن الثورة المهدية وتاريخ السودان الحديث وما كتب سلفه الصالح وأستاذه محمد ابراهيم ابو سليم عن منشورات المهدية وعن الحركة الفكرية في المهدية ، وكتاب عبد الله علي ابراهيم عن الصراع بين المهدي والعلماء، وكتاب حسن احمد ابراهيم عن غزو واحتلال السودان وإدارته على عهد محمد علي باشا وأبنائه، ودراسة احمد ابراهيم ابوشوك عن مذكرات يوسف ميخائيل كاتب الخليفة عبد الله وصفيه. وكتاب ميمونه ميرغني حمزة عن فتح الخرطوم ومقتل غردون باشا وموسوعة الدكتور عون الشريف قاسم عن الانساب والقبائل السودانية ، وعبد المجيد عابدين عن الثقافة العربية...
وأرخت للسودان الحديث والمعاصر كوكبة أخرى في السودان من المؤرخين السودانيين ونظرائهم من اساتذة العلوم السياسية نذكر منهم موسى المبارك الحسن وكتابه بعنوان تاريخ دارفور السياسي وصنوه كتاب تاريخ كردفان السياسي لعوض عبد الهادي ، وعمر عبد الرازق النقر الذي كتب عن رحلة الحج والحجيج من غرب افريقيا عبر السودان الى الاراضي المقدسة، والمؤلفات العديدة عن الحركة الوطنية السودانية للأساتذة مدثر عبد الرحيم ومحمد عمر بشير ومحمد نوري الامين عن جذور الحركة الشيوعية في السودان. وفدوى عبد الرحمن علي طه وفيصل عبد الرحمن علي طه عن الحركة الاستقلالية وجعفر محمد علي بخيت وكتابه الحركة الوطنية والإدارة البريطانية في السودان والدكتورة محاسن حاج الصافي وفرانسيس دينق وتاج السر العراقي واحمد ابراهيم دياب وحسن عابدين عن فجر الحركة الوطنية السودانية، وحسن مكي وعلي صالح كرار الوثائقي وكتاب وثائق مؤتمر الخريجين ومحاضرة للدكتور معتصم احمد الحاج. اما تاريخ السودان القديم فقد تناوله بالرصد والتمحيص الآثاريون السودانيون ومنهم الرواد نجم الدين محمد شريف واحمد علي الحاكم وعلي عثمان محمد صالح، وعبد القادر محمود رائد دراسة تاريخ السودان القديم واللغة المروية القديمة ويوسف مختار الامين وخضر عبد الكريم وعلي التجاني الماحي وحسن حسين وعبد الرحيم خبير وآخرون كثر من الباحثين وناشئة المؤرخين ممن تناولوا الكتابة عن العصور التاريخية قديمها ووسيطها والحديث والمعاصر منها وهذا فضلاً عن مئات المقالات والدراسات في الدوريات المتخصصة وعشرات رسائل الماجستير والدكتوراه التي لم تنشر بعد حول شتى موضوعات تاريخ السودان.