أخي الأكبر وسعادة السفير دكتور حسن عابدين عاطر تحياتي . أرجو أن تسمح لي أن أحاورك جَهْرًا بشأن من زعمتهم دبلوماسيين " رساليين " فقيدت فيهم شوارد النقد، ورميتهم بنبال الكلم وحملتهم كل جريرة حاقت بالسودان، ولو أنك لم تجهر بما تعتقده لما تجرأنا عليك. وأبدأ سعادة الوكيل لأقرر أن تجربتي في وكالة الخارجية علمتني أن المسؤولية لا تنقضي بمغادرة المنصب, فما يتاح للوكيل من أسرار وما يطلع عليه من أحوال مرؤوسيه تضاعف هذه المسؤولية وتديم شطراً منها إلى أن يلاقي ربه . وليسمح لي سعادة السفير الوكيل ان أفيد أنني لا أعتقد قداسة في الإنقاذ ولا في رئيسها ولا أظن أن ثمة اجتهاداً بشرياً مبرّأ من الزيغ والخلل . ولا تدفعني لهذا الحوار الجهير عصبية ولا تزمت لرأي وتعجبني حكمة علي رضي الله عنه إذ يقول " لا يُعرف الحق بالرجال أعرف الحق تعرف أهله ". وأحسب أن كلا الدبلوماسية وما بيننا من تبادل الاحترام يحول بيننا أن نجعل من هذا الحوار معركة : بضرب يزيل الهام عن مقيله ويذهل الخليل عن خليله. أراك بداية قد تجنيت على من أسميتهم دبلوماسيين " رساليين " واتخذتهم سخرياً وذلك بعد سنوات من العمل معهم وفي قيادتهم. سنوات لم تمحضهم فيها نصحاً فيما تراه اعوجاجاً. ولكم تمنى من سماهم أستاذنا بالرساليين أن لو اكتحلت أعينهم بمذكرات ناقدة لمسارهم خطها يراع الوكيل, ولكم تمنوا أن لو ضجت أضابيرالخارجية برسائل ملؤها التوبيخ والتسديد والتصويب لنهجهم وهو يقودهم حتى تستقيم قناتهم الدبلوماسية وفق رؤى الأستاذ السفير والوكيل وقد كانوا أطوع له من بنانه خضوعاً وانقياداً. وساءهم أن يرسل عليهم سهام النقد الجوارح وكلمات التقريع القوادح بعد أن خبا بريق المناصب وحفيف " الأخضر الإبراهيمي " الجميل. وليت أستاذنا فعل والقوم يومئذ خضر عيدانهم, طيعة قناتهم, مطرقة رؤوسهم له إطراق التلميذ الفتى لأستاذه الشيخ. ولعل أستاذنا يشهد أنهم له انقادوا وما ذكروا له ماضيه في أمانة الفكر والمنهجية ومايو تجز الرؤوس وتغلق أبواب الزنازين حتى على طائفة منهم ولم تستثن حتى يحيى حسين الذي كان معه هيناً لينا . ذبهم حسن الخلق أن يذكروا لمايو ولا لك سوء صنيعها بهم وبالإنسان وحقوقه ، بل وطأوا لك الأكناف سماحةً وأكرموا مقامك تأدباً. ولقد علمت أنه ما كانت أخلاقهم دقاقاً ولا كان عهدهم معك شقاقاً وما كان احترامهم إياك نفاقاً. لقد كانت لمايو من بينهم صرعى كثيرة في ود نوباوي مع الأنصار, وفي الجزيرة أبا وفي أقبية سجونها , وأسالت بين العمائم واللحى دماءهم فلما قدتهم في ثلاث سفارات وتقدمتهم قائداً ووكيلاً كان الرجل منهم إذا حدثته نفسه بماضيك في مايو زجرها قائلاً" من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر ". سيدي الوكيل لقد شايعت مايو وبايعتها وما كانت مايو لحقوق الإنسان راعية وما رقبت في الناس إلّاً ولا ذمّة ، ثم لبثت في الإنقاذ من عمرك سنين بلغت العشرين فلم نر لك من حسٍ في نصحها ولم نسمع لك من ركزٍ في تقويمها , فما بالك أخي الأكبر تسود الصحائف ذماً لأبنائك ومرؤوسيك , وكان حرياً بك ذمهم وتقريعهم وتقويمهم وأنت بين أظهرهم سفيراً ثم وكيلاً متنكباً قوس المناصب الرفيعة ومتبهنساً في مشيتك تشرئب إليك الأعناق وتقول فتطاع. وما كان يمنعك عن المقال عيٌّ ولا حصر وما كان يثير مقالك ريبة. كان يمكن لدكتور حسن عابدين أن يركل المنصب الرفيع وعرض الدنيا الزائل وهو متسنم ذروة الخارجية لما استبان له خطل " الدبلوماسية الرسالية " فما جاءها سوقاً وغصباً بل اختياراً وطوعاً ورغبة وما كان فيها مرتهناً أو مقيداً. وكنا حمدنا له موقفاً مبدئياً ولانحنت له الرؤوس تجلةً وتقديراً. تقديراً حظي به د. منصور خالد والمبدع الشاعر الدبلوماسي صلاح أحمد إبراهيم حين لم يرق لهما نهج النميري وحسبا أنه تنكب الطريق فنبذا إليه على سواء. ليت شعري ما الذي حال بينك وبين ذلك وقتها, وما هذه الجرأة التي اعترتك على الرئيس الآن ؟! أتراه بلغك أن رؤوساً قد أينعت وحان قطافها فأردت أن تكون من بين قاطفيها، أم أنه " غسيل حال " كما قال الإديب الأريب مصطفى البطل !! كان الأمل أستاذنا الجليل ووكيلنا الموقر أن تستدعي بعضاً من ماضيك الاشتراكي حين كان في الاشتراكية بعض نبل دعاها إلى التمرد على قوى الطغيان العالمي, فتدرك أن تلك القوى لا تزال في غيها سادرة استهدافاً للأحرار ترميهم بأدوائها وهي التي قتّلت وما انفكت وتعدد المكاييل وما برحت وتدعي زوراً رعاية لحقوق الإنسان في السودان وتغض الطرف عن من رضيت وأحبت وإن قتّل رمى بالآلاف في غياهب السجون. وكان العشم أن يعصمك علمك عن زلة كهذه. وأربأ بك أن تكون ممن يقعقع له بالشنان أو يغمز جانبك كتغماز التين. ولأني ما زلت أحفظ لك سابقة أستاذية ومقاماً فإني أربأ بك أيضاً أن تكون ذيّالاً ميّالاً تأكل الخُضْرة وتنسى العُشْرة وكان هؤلاء "الرساليون " لك البطانة والعشيرة. أما والله أخي الأكبر إنه ليحزنني سيدي أن تعريضك بمن وصفتهم بالرساليين ليسوء الذين آووك من قيادات الإنقاذ بعد أن نبذتكم الأحزاب بعد مايو نبذ الحصاة أكثر مما يسوء هؤلاء الرساليين الذين زعمت. ومع تقديري أرجو ان تسمح لي بسؤال : أما تستحي من هؤلاء القادة وقد استصرختهم والهاً فضموك لصفوفهم وقدموك على شيعتهم ( وفيهم من هو مثلك تأهيلاً وتجربة )وبوؤك المناصب العلية ؟؟ أما تستحي أن تشحذ عليهم السيوف القواطع بعد أن أكرموك فنقضت بيعتك إياهم بعد انقضاء الأجل والتقاعد. أما والله أخي الأكبر إنه ليحزنني أن أقارعك الحجة بالحجة على رؤوس الأشهاد ويسوءني أن أسفه لك رأياً على الملأ ولكنك على الملأ غمزت من قناة أقوامٍ أطاعوك ووقروك فسفهت أحلامهم وعرّضت بهم غمزاً ولمزاً وصورتهم للناس ضعاف ألباب أغماراً أغراراً . ولو أنك نثلت كنانتهم لعلمت أن من بينهم الخطيب المفوّه والكاتب النابه والشاعر الخنديذ والأديب الروائي ثم إن فيهم من كان أستاذاً في جامعات الغرب والباحث في مؤسسات البحث فيه ومن عمل في المنظمات الدولية وحاز كثيرون منهم الدرجات العلمية العلا في جامعات باذخات غربية, ثم أن ربع قرن في بلاط الدبلوماسية بما أورثتموهم من تجاربكم قد عجمت عيدانهم . ورغم ذلك أوحيت بما يقطع الظهر ويهيض الجناح ومثلك لا يُوعظ أن الظلم يفضي إلى الضلال ، ومعاذ الله من ذلك . ومعاذ الله ان أدع الشيطان ينزغ بيني وبينك ولكني علمت أن الشر كله بحذافيره في النار . وإني وإياك لن نحمل الشر بأوزاره ونحذوه بنعله ونجزي بمثله إن شاء الله. أخي الأكبر لقد رأيتُ أن أصدقك فالصدق يوفي بأهله إلى البِر, والبر يوفي بأهله إلى الجنة. ثُمّ أمّا بعد, فإني لا أحمل لك موجدة ولا حقداً ولا ضغينة فقد وجدتُ أن بغض الناس لا يضر وحبهم لا ينفع، أحبني الله وإِيَّاك وما يسرني أن تكون أو أكون كما قال أخو هَوازن : محّضتهم نصحي بمنعرج اللِوى فلم يستبينوا النصح إلّا ضحى الغدِ. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

السفير عبدالله الأزرق

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.