عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

‪‬
النوستالجيا

------------------
الحنين (النوستالجيا) ينبوع صافي فرات نرشف منه حينا بعد حين ولا نرتوي ، فهو تاريخ ماضي لم يمض.
والتاريخ مرآة نري فيها أنفسنا كل يوم......يري فيها الانسان ، كل إنسان وكل الناس ، براءة طفولته ، وزهو صباه ، وفتوة وطموح شبابه ، منطلقا نحو أفق بعيد عابرا لمستقبل مديد :
وكل أفق تضيق به أسيرا سعة الأفق ان تكون طليقا
كان غالب الأشياء بالامس ميسرا ميسورا ....الغني والثراء نعمة علي الأغنياء وجودا وبركة علي الفقراء ، تري الغني ان جيءته " متهللا كانك تعطيه الذي انت ساءيله . ". صحيح ربما الحنين للماضي هروب من الحاضر الي زمن جميل وارف الظلال مضي وانقضي، وتعبير عن الضيق المتواتر بالواقع البئيس ونكد وشظف العيش فيه ، والقهر السياسي والتنميط الاجتماعي وفقدان الأمل في مستقبل أفضل وكله يضاعف من وتيرة الحنين وسعراته العاطفية .
النوستالجيا والحنين رجعة وعودة لما الف الانسان وعاش في كنفه كنزا لا يفني من الرضا بالمقدر والمقسوم ، مطمئنا سعيدا بل ان فقراء الْيَوْمَ يحنون لفقر زمان....فقر جيل الآباء والاجداد العفيف حافظ الكرامة. والإنسانية مقارنة بفقراء الْيَوْمَ يتكففون. المارة ويطرقون الأبواب إناء الليل وأطراف النهار من اجل لقمة عيش وفتات طعام أو جرعة دواء ، يطعمون من المزابل ومن مكبات النفايات. وقد تلمح وتري عند ظلمة اخر الليل المختلطة بضوء الفجر رجلا وكلبا ينبشان جنبا لجنب في مزبلة الحي !
اذا لماذا لا نصف زماننا .....زمان جيلنا وجيل آباءنا بالزمن الجميل ؟ الحنين غلاب أسر يجعلك تعيش من جديد ماضي المكان والزمان وكان الماضي لم يمضي بل حاضر في القلوب والوجدان راسخ في الذاكرة صورا وأصداء رنانة. تلك إنسانيات الزملاء والاصدقاء والخلان والجيران تتراءى امام ناظريك عيانا بيانا يرق لها القلب ويهفو . قال الشاعر في الحنين والولف والألفة :
الألف يصرع بالوداد اسيره كيف الفكاك من الوداد الاسر
كيف الشفاء من الحنين وكل ما فيه متلبث بالخاطر

النوستالجيا والحنين لايام الصبا والشباب زهرة العمر وعطره الفواح ، والطموح الجامح والآمال العراض ، والإنسان لا ينزع عن ذكريات الصبا ولا تنضب حرارة الحب له ولمراتع الطفولة :
الا ان ايّام الشباب التي مضت بكينا عليها بالدموع شوامخ
ولا زال في القلب الشباب الذي مضي كما كان والأشواق منه جوامح
قالها أستاذ الجيل عبد الله الطيب رحمه الله وعن حنينه للندن التي عاش فيها زاهيات شبابه وعشقه وزواجه من الجوهرة قريزلدا :

أيا خلي هل دمعك من لندن هطال ففي نفسك من لندن يا ابن النيل اطلال
وكم شاق في لندن أبكار واصال فدمع العين في الخرطوم من جفنك همال
غريب انت في الخرطوم لا أهل ولا مال
اما ابو الطيب المتنبيء فقد سبق من قال عن الولف والحنين :
خلقت ألوفا لو رجعت الي الصبا لفارقت شيبي موجع القلب باكيا

تحلو الذكري وتطيب الذكريات. بمرور الزمن : " Memories mellow with the passing of time " قالتها الملكة إليزابيث في حفل تأبين الأميرة ديانا . ومن منا -- شبابا وكهولا -- لا يحن لمدارسه مدرسة مدرسة ، وصفا صفا ، وللرفاق والزملاء والاصدقاء فردا فردا . وللمعلمين اسما اسما هيبة ووقارا ووفاء...... الحنين. فطرة إنسانية كما أسلفنا وينبوع لا يجف
فهل ننسي ماضي لم يمضي عالق في الذاكرة والذكري ؟ كيف ننساه ونسلوه ونكتفي كما يقال بالدروس والعبر وهل من معتبر ؟
قال احد شعراء العصر العباسي صالح بن عبد القدوس :
دع الصبا فقد عداك زمانه وازهد فعمرك مر منه الاطيب
ذهب الشباب فما له من عودة فآتي المشيب فأين منه المهرب
اذا لم يبقي الا الحنين والنوستالجيا كما قال المتنيء ينعي الشباب :
آلة العيش صحة وشباب
فإذا وليا عن المرء ولا
أبدا تسترد الدنيا ما وهبت
فياليت جودها كان بخلا
أما البحتري فهو القائل :
أني تركت الصبا عمدا ولَم أكد من غير شيب ولا عزل ولا فند
من كان ذَا كبد حري فقد نضبت حرارة الحب عن قلبي وعن كبدي

لم يك الزمن الجميل زمن الطبقة الوسطي وحدها حصرا ، ولا زمن الافندية دون غيرهم ولدوا وشبوا في كنف الاستعمار كما قال من قال وكتب من كتب و عن رغد العيش ورفاهية " الوسط "....وسط السودان والخرطوم واخواتها أم درمان ومدني وكسلا وشندي , ولمن كتب وقال عن تخلف الريف والبادية و " الهامش " نقول قد حظي ذلك الهامش بزمن جميل أيضا :
خريف هتون وزروع يانعة خضراء ، وحصاد موفور ذرة وسمسم وفول وصمغ وإنعام وضروع مدرارة ، وقوت يومي مضمون.
كان زمان الريف جميلا بلا جفاف أو تصحر ، بلا حروب أهلية ولا نزاعات قبلية قتلاها بالالاف الْيَوْمَ وحتى فجر الاستقلال وقبل غروب شمسه : لا نازحين من الهامش ولا لا جيءين من الجوار , ولا اقتتال وتكالب علي الثروات والموارد. لم تك سوي نزاعات قبلية محدودة متباعدة مقدور علي احتواءها وفضها بالجودية والتسامح والتعافي والديات الرمزية ....

يا حليل الزمن الجميل في المدن والريف حيث كان كل شيء بالمجان مبذولا للجميع أغنياء وفقراء وان في حده الأدني الضروري تعليما وعلاجا ، مدارس ابتدائيه ووسطي وثانوي بلا رسوم وجبايات ، شفخانات ومراكز صحية علاجها ودواوءها بلا ثمن ، وأمن مستتب وقانون يسري علي الجميع و " زيرو فساد ! "
اذا لما لا نسميه. الزمن الجميل ؟ ولما لا يحن له جيلنا وجيل آباءنا ؟ وكيف لا يدعونا الضيق بالحاضر ، حاضر الأزمات والكوارث ونكد العيش وشظفه ، والقهر السياسي والتنميط الاجتماعي ....كيف لا يدعونا كل هذا للبكاء علي زمن جميل مضي وانقضي .

د . حسن عابدين
١ سبتمبر ٢٠١٨