عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

تتردد وتتناقل من حين لآخر روايات شفاهية عن تاريخ السودان الحديث والمعاصر لا أساس لها من الحقيقة التاريخية: انها روايات يرويها ويحكيها الرواة منقولة عن جيل لآخر ومن شخص لآخر، منحولة موضوعة . صحيح ان في طيات بعضها مثقال ذرة من الحقيقة( kernel of truth ) ولكن تضيف اليها سلسلة الرواة "لشيء في نفس يعقوب" لغرض سياسي او ثقافي او اجتماعي مايعلق بها تحويرا ومسخا تكبر مثل هذه الروايات بمرور الزمن ككرة الثلج بإضافات وتضخيم اثناء عملية السرد والنقل والتداول ، فالاشاعة مثلا وهي شكل من أشكال الروايات الشفاهية عن اخبار واحداث الحاضر يتناقلها الناس إناء الليل وأطراف النهار مضافا الي اصلها وجذرها او محذوفا منها . والإشاعة عند السودانيين تكاد تحل محل الحقيقة في غياب او تغييب الحقيقة وهي ملح وشمار المؤانسة والونسة في المجتمع السوداني !

ومن ناحية اخري تنسب بعض هذه الروايات كل عظيم مرموق من الأحداث او الشخصيات في تاريخ البشرية القديم والمعاصر لأصل ومنبع سوداني ورده لجذور سودانية ! جاء مثلا في بضع روايات وفي كتابات مؤرخين هواة ان سيدنا موسي نوبي من شمال السودان وان مقرن النيلين الأبيض والازرق ليس سوي مجمع البحرين ، وان لقمان الحكيم سوداني ! وهناك من زعم ان الرئيس براك اوباما من أصول قبلية سودانية جنوب غرب السودان وان اسمه الأصلي بركة ابو أمنه ..... هذا ماقاله وكتبه في صحيفة سودانية أستاذ" بروفيسور" في التاريخ الحديث باحدي جامعاتنا الناشئة !! وهذا القول ربما وفقا لمنهج العقيد معمر القذافي رحمه الله وهو يوءصل للعروبة وللتاريخ العربي بان الروائي الانجليزي الأشهر شكسبير أنما هو العالم العربي شيخ الزبير !!( عفوا وليام شكسبير ).

ان من آفات تاريخنا الشفاهي وتراثنا الشعبي القولي _ الشعر والغناء والدوبيت ، والامثال والقصص __ التعلق والتشبث والتنسيب والانتساب لكل عظيم في تاريخ العالم حدثا كان ام زعيما عبقريا وذلك لتضخيم الذات السودانية الوطنية واصطناع البطولات وصناعة الأبطال ، وتقديس الزعماء والقيادات.

وما جاء في طبقات ودضيف الله بعض مثال عن التراث السناري الغني الزاخر بكرامات و"معجزات" الاولياءوالصالحين والمشايخ منها العبور من ضفة النهر للاخري مشيا علي الأقدام فوق الماء، وآخر يعبره طائرا في الهواء لا يمسسه ماء! كتب استاذنا البروفسور (البروفسور تحسبو لعب) يوسف فضل في مقدمة تحقيقه للطبقات ان ود ضيف الله لم يك موءرخا ولا محققا وإنما ناقلا ومسجلا لروايات شفاهية من موقف الحياد.

والسؤال: لماذا هذا التشبث وذاك التعلق بكل عظيم مشهور مذكور من الأحداث والشخصيات في تاريخ العالم والعالمين القديم والحديث والمعاصر ورده لأصل سوداني؟ أزعم انها عقدة نقص في النفس والشخصية السودانية وخلل في بنية الهوية السودانية وتنازع بين مكوناتها الدينية والعربية والأفريقانية .
ولسد هذه الثغرة في اللاوعي وتبديد النزاع النفسي الداخلي يطلق السودانيون المسميات والأوصاف والتعميمات علي عواهنها ، ترادفا وتضادا ، تعظيما وتفخيما وانتحالا : فمعركة كرري انتصار لا هزيمة ، وحركة ١٩٢٤ ثورة كما الثورة في فرنسا عام ١٧٨٩ والثورة الجزائرية ١٩٥٤، وكل انقلاباتنا العسكرية ثورات وان لم تك .

اري ان كل هذا جزء من عقدة النقص في الشخصية السودانية وفي بنية الهوية ويكون غطاؤها التعويضي الانتساب والتشبه والالتصاق بكل ما هو عظيم مرموق ، وبكل شهير مذكور في التاريخ الإنساني ... ثم تضخيم وما يشبه التقديس لكل ما جاء في طيات التاريخ والتراث الشفاهي :

تقولي شنو ...... تقولي منو
انحنا الساس نحنا الراس
انحنا الشان ونحنا النان
اتينا عشان نسوي الدنيا للإنسان "

الا رحم الله الشاعر الكبير والديبلوماسي القدير سيد احمد الحاردلو .
د. حسن عابدين
باحث في التاريخ الشفاهي
١٢ ديسمبر ٢٠١٧