درسنا نحن نخبة من طلاب الدراسات العليا امريكيين وأفارقة في جامعة ويسكونسون نهاية ستينات القرن الماضي علي يدي أستاذ العلوم السياسية كروفورد يونج C. Young في مادة السياسة والتنمية في افريقيا Politics and Development in Africa . ألقي علينا محاضرتين بعنوان : تشريح شخصية الدكتاتور The Anatomy of an African Dictator.

كانت ظاهرة الانقلابات العسكرية قد بدأت واستشرت في القارة بداية بانقلاب الثورة المصرية عام ١٩٥٢ثم نيجيريا والسودان وليبيا والصومال وإثيوبيا وغانا.....الخ. جاء هؤلاء القادة الانقلابيون علي ظهر دبابة فيما اخرون قادوا حركات تحرير من اجل الحرية والاستقلال منهم روبرت موقابي والذي ظل رءيسا لزمبابوي (روديسيا الجنوبية قبل الاستقلال ) والي يومنا هذا وقد بلغ من العمر ثلاث وتسعين عاما !
قال استاذنا كروفورد ان نجم الضابط الانقلابي يبزغ فجرا ليبشر في بيانه الاول الناس باستعادة الأمن والاستقرار السياسي ، وتحقيق الوحدة الوطنية والتنمية ، والعدل والمساواة .... فتهتف له الجماهير وتصفق فهو ابن الشعب سليل أسرة رقيقة الحال نصير الفقراء والمساكين يرفع الغبن والظلم عنهم ، ويجتث
الفساد والمفسدين ، ويطوي صفحة الحرب والنزاعات فيسود الأمن والسلام : انها مبادئ سامية نبيلة وشعارات براقة ملهمة ، ووعد بالمن والسلوي وان السماء سوف تمطر غدا ذهبا وفضة !
ولكن تأتي الرياح بما لا يشتهي الشعب وما لا يجدي تمني الريس القائد وقد بلغ عامه الخامس عشر او العشرين في الحكم ولديه السلطة المطلقة بلا هدي سماوي ولا رقيب برلماني ولا نصح أمين من وزير او مستشار.go
الرئيس أصيب بداء غرور السلطة وتلبسته نزعة الابوة والتبني للشعب كله كما هي أبوة وامومة الوالدين الحانية لابنائهم وبناتهم وأحفادهم ، فهو ولي امر الشعب ومن غيره يحس الامه ويستجيب لحاجاته ورغباته وطموحاته ، ويدافع عن مصالح الأمة يدفع عنها كيد الأعداء وتامر المتامرين ، وتواطؤ العملاء والطابور الخامس !
ويعجب الرئيس القائد ويتعجب بعد تطاول سنوات حكمه العجاف لماذا يعارضه المعارضون وينازعونه سلطاته وصلاحياته التي كفلها له الدستور(المصنوع علي مقاسه) والانتخابات( المزورة ) والتي فاز فيها بنسبة ٩٠ ٪‏ ؟! يتعجب الريس ويحدث نفسه متسائلا : الا يعقل هؤلاء وأولئك وينهاهم ضميرهم الوطني عن التامر عليه وعلي الوطن ؟ وهنا كما قال استاذنا كروفورد يكون القائد الانقلابي وزعيم حركة التحرير التاريخي قد انقلب علي نفسه ذهنيا ونفسيا ولم يعد ذلك الشاب الثوري الذي أذاع فجرا ذات صباح ذلك البيان الاول او الذي قاد فيلق تحريرالعاصمة من احتلال المستعمر : لقد صار بعد سنوات حكمه الطويلة المتطاولة حاكما مطلقا ورئيسا أوحدا دورة " انتخابية " تلو اخري( ظل روبرت موقابي رءيسا لزمبابوي سبع وثلاثين عاما ) وتحول لشخص اخر ومزاج اخر بل ونفس اخري ، فقد اهم صفة وخاصية فطرية فطر عليها الانسان - كل إنسان - عند الميلاد تلازمه في شبابه وكهولته... ما هي ؟ انها حسن الإدراك Common Sense.
صفة فطرية للإنسان متدينا كان او ملحدا ، متعلما او جاهلا , ذكيا ام غبيا ، اسودا او ابيضا..... يستطيع اي من هؤلاء التمييز بداهة وبالقريحة بين الصالح والطالح وبين العدل والظلم ، وبين مايضره هو وما ينفعه هو شخصيا.
قال الاستاذ في ختام المحاضرة : ارجو ان تكونوا الان أدركتم بما لكم من حسن ادراك لماذا لا تسمح الديمقراطيات الغربية بأكثر من دورتين للرئيس مداهما عشر سنوات فقط .
خاتمة : سال مراسل القناة الانجليزية BBC الرئيس موقابي مطلع العام الحالي : لماذا لا تتقاعد سيادة الرئيس وتودع الشعب بعد سبع وثلاثين عاما رءيسا وقد بلغت من العمر اثنين وتسعين سنة ؟
الرئيس: لماذا لا تتقاعد ملكتكم إليزابيث وقد ظلت في الحكم اكثر مني بعقود وبلغت من العمر ما بلغت ؟!
وأضاف الرئيس تريدني ان أودع شعبي.... الى أين شعب زمبابوي ذاهب ؟؟ !!

هل تنم مثل هذه الاجابات عن مجرد فقدان حسن الإدراك كما قال استاذنا ام هو جنون السلطة ؟
د . حسن عابدين
١٩ نوفمبر ٢٠١٧

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.