عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

------------------- التقيت فاطمة احمد ابراهيم لأول مرة في لندن عام ٢٠٠٤ اثناء ندوة في المدرسة السودانية بمنطقة بادنجتون تحدث فيها بعض قادة المعارضة السودانية.
أقبلت علي فاطمة رحمها الله ومددت يدي مصافحا فامتنعت عن رد السلام والمصافحة وقالت بصوت جهيّر : " لن أصافح سفير النظام الدكتاتوري القمعي الذي عذبنا وشردنا......."
قلت : " عفوا أستاذه فاطمة السلام سنة وتقليد سوداني رغم الاختلاف السياسي.........."
غادرت فاطمة المكان وانصرفت انا حسيرا .
ولكن وبعد نحو عام ونصف العام وبعيد توقيع اتفاقية السلام في يوليو ٢٠٠٥ زارتني فاطمة في السفارة تعتذر اعتذارا مطولا صادقا (قلدتني وادمعت عيناها وحبست دمعي ) وقالت لي انها نادمة علي عدم مصافحتي آنذاك واضافت : " انت يا سعادة السفير راجل عظيم وسوداني اصيل و....... اما انا دي المرة الأولي ادخل فيها السفارة من عشره سنين وَمِمَّا جيت لندن لاجئة سياسية . "
لندن الاثنين ٢٩ سبتمبر ٢٠٠٥ ( بعيد اتفاقية السلام ) : حدثتني فاطمة بالتلفون عن رغبتها وقرارها العودة للسودان وطلبت استخراج جواز سوداني لها وآخر لابنها الدكتور احمد الشفيع .
رحبت بها ودعوتها لزيارة السفارة لإجراء ما طلبت وقد كان ، فوجهت ضابط الجوازات بالسفارة
العميد عوض ان يستخرج الجواز وهي جالسة في مكتبي . سالها العميد ماذا يكتب في خانة المهنة فأجابته " سياسية طبعا ..." فقلت لها يا أستاذه فاطمة كما تعلمين السياسة ليست مهنة وإنما هي حالة ثم أضفت لماذا لا نكتب صحفية وقد كنت موءسسة ورئيسة تحرير مجلة صوت المرأة ومن زمان....زمان ؟ راق لها الاقتراح ووافقت .
أبرقت الوزارة للعلم بقراري منح فاطمة احمد ابراهيم جواز وأنها تزمع العودة للسودان اول ايام
عيد الفطر (٢٤- ٢٥ أكتوبر ٢٠٠٥ ) ولكن تلقيت بعدها بنحو أسبوع رسالة من الوزير توبخني
وتعاتبني علي اتخاذ القرار قبل توجيه من الوزارة ! رديت علي " التوبيخ " بان قراري ليس سوي تشجيع وتسهيل للراغبين في العودة الطوعية من رموز وقيادات المعارضة بعد اتفاقية السلام.....فلماذا يلام ويوبخ السفير ؟ سكتت الوزارة عن الرد المباح !
اكرمتنا فاطمة وشرفتنا انا وزوجتي بزيارتها لنا في بيتنا في ديسمبر ٢٠٠٥ وقبل مغادرتها لندن( وقد تأجلت المغادرة اكثر من مرة ) وحملت لنا الهدايا احداها لي وهي ديوان شقيقها الشاعر الضخم الكبير صلاح احمد ابراهيم رحمه الله ، ديوان نحن والردي . رأيت في تلك الزيارة وفي هاتيك الهدايا يدا ندية كريمة ولفتة إنسانية أصيلة عرفها عن فاطمة كل من عرف وعاشر فاطمة .
يوم العودة :
--------
حرصت علي وداع فاطمة مساء مغادرتها لندن للخرطوم عن طريق الدوحة : هرعت لمطار
هيثرو حيث التقيت في الاستقبال مجموعة بل حشد من أبناء وبنات الجالية السودانية جاءوا لوداعها فقال لي احدهم فاطمة دخلت صالة المغادرة قبل شوية .....استنجدت ببطاقتي الديبلوماسية التي تسمح لي بالدخول لصالات وبوابات المغادرة وهناك علي بعد خطوات رأيت فاطمة في ثوبها الأبيض ناصع البياض كقلبها تسعي في مسرعة نحو بوابة الطائرة القطرية. اشفقت عليها من تتابع وتبعات الهرولة فأسرعت اليها وناديت ساءيق سيارة صغيرة مخصصةلنقل كبار السن والمرضى لبوابات المغادرة ورجوته ان ينقلنا هي وانا الي جانبها لبوابة
رحلة القطرية المتجه للدوحة فأدركت فاطمة السفرية في اللحظة الاخيرة قبل الإقلاع .
بدا علي وجهها الإرهاق والتعب لحظتها ولكنها قلدتني مودعة وقد علا محياها ابتسامة مضيءة
8
.......ابتسامة العائدين للاهل والوطن بعد تطاول سنيين المنفي والغربة .
يا حليلك يا فاطمة :
غدا سيذكرك الزمان ولم يزل
للدهر أنصاف وحسن جزاء *
رفقة قصيرة عجولة ورحيل بعيد بلا عودة فذكري خالدة .
الحمد لله الذي توفاك واصطفاك وعندو الكريم المنان جزاك .
السفير حسن عابدين .
* من كتابي : حياة في السياسة والديبلوماسية ٢٠١٣
-------------------------
* من الشوقيات .
------------