يقول الاستاذ المحبوب عبدالسلام في مقال له بعنوان(اجتهادات الشيخ الترابي..عود على بدء) نشرته صحيفة الشرق الأوسط في 29 ديسمبر 2005: ( وإذ أن لكل فكرة سياقٌ و مناسبة يخل بها ويضرها أن تبتر عنه أو تجرد منه أو تؤخذ إلى سياق آخر، فإن الأفكار الأصولية يسيئها ويخل بها مرض التنطع والتفريع والتجزئة الذي أصاب المسلمين - كما أصاب اليهود و النصاري - ، و تعرضت - بوجه خاص – مساهمات الشيخ الترابي واجتهاداته الكبيرة لكثير من التشويه بأسباب من هذه الأدواء، التي قد تتوهم الخطر الأكبر في الصغائر والفروع لإختلال فقه الأولويات عندها، أو التي تتنطع بدوافع ونيات يشوبها في الغالب خطل عظيم، إذ تخلط المواقف الإجتماعية والسياسية التي تميز بين المفكر الذي يبسط إجتهاده العلمي للمداولة الحرة والرأي المسئول وبين قائد الحركة السياسية الذي يلتزم مواقف حزبه كما يلتزمها سائر الأعضاء، ولا تلزم آرائه الفكرية حزبه ولو كان حزباً إسلامياً يوحد السياسة إلى سائر شعاب الإيمان، بل إن الحرب السياسية قد تدفع بدوائر الإستخبار المغلقة عن سعة حركة الفكر والحوار والإجتهاد الحر لِتـُخَلـِّط الأحاديث العلمية ولو مشفوعة باسماء منسوبة إلى المشيخة والعلم ولكنها مسكونة بالغيرة والحسد وعقد النقص وشهوات الشهرة والرئاسة والجاه). انتهى.

حسناً، سنحاول أن نستقرئ هذا القول عن الترابي وما كتبه باعتباره اجتهادات مبسوطة للتداول الحر والرأي المسؤول، وباعتباره رؤية فكرية للإسلام في السياسة تخصه هو، لا باعتبارها معياراً للدين الإسلامي الذي هو أحق أن يُتَّبع، على أننا كذلك، سنستقرئه مع وقائع ومشاهد موثَّقة في ذاكرة الشعب السوداني خلال فترة الإنقاذ - الأولى على الأخص-، فالمتابع لكتابات الشيخ عن السياسة والحكم يجد أن معظم أفكاره كانت هي الهادي للنظام منذ الانقلاب؛ ليس فقط أفكاره عن الدين ومنهج الوحدانية والتسليم لله (ووحدة الحياة كلها عبادة له)! بل أحاديثه عن الثورة والديمقراطية والاشتراكية مثلاً.. يقول الترابي في كتابه الذي هو جمع لثلاث محاضرات ألقاها على فترات متباعدة، عن قضايا الحرية والوحدة، الشورى والديمقراطية، والدين والفن(بدون تاريخ) والصادر عن الدار السعودية: (وإذا كان الإسلام المستيقظ أمس يتحفظ في تمييز الأصيل والدخيل من المصطلحات وتمحيص العبارات العابرة للحدود حتى يغلب الغزو الثقافي واللغوي على مفهوماته الأصيلة، فالإسلام الناهض المتسع اليوم يستصحب فتحاً متمدداً لغوياً، إذ تحيا وتعمر المعاني في الكلمات التقليدية للإسلام ويتسنى له أن يستوعب الكلمات الأجنبية ويغلب أهلها ويضفي عليها الظلال الإسلامية ويسخرها لعبادة الله سبحانه وتعالى فما كان لها من ذيوع يكون مدداً لدعوة الإسلام وما كان بها من تعلق يصبح تعلقاً من خلالها بشأن الإسلام، ومن هنا يتمكن المسلمون مثلاً إن قاموا بقوة وثقة وتوكل أن يصادروا كلمة(ثورة) وكلمة (ديمقراطية) وكلمة (اشتراكية) لصالح الإسلام).انتهى.
هذا في زمان قوة الإسلام حسب فكر الترابي، ولكن في (ظروف ذُل المسلمين أو أحوال انكسارهم) وبعد انتقال علومهم ولغتهم، يرى الترابي أن(الكُفّار) يستفيدون من ذلك، ويضرب مثلاً بكلمة شهيد فيقول: (ومن أمثلة اللغة السلبية كلمة الشهيد التي كانت تعني مقاماً بالغاً فوق مبلغ الشاهد فالشاهد هو الذي يشهد بقوله أن لا إله إلا الله والشهيد من يبلغ بفعله ثم يحقق إيمانه بأن يصل مبتغى(لا إله إلا الله) إذ هو يفني نفسه في ذاتها لله، وكلمة الشهيد هذه التي تخص الموتى عن إيمان وتثير أجل الأحاسيس لدى المؤمنين الأحياء صودرت اليوم لصالح بذل النفس في سبيل المقاصد العاجلة والولاءات الدنيا فعدنا نتكلم عن شهيد الوطن بل شهيد الحزب السياسي وشهيد ما شئتم من الولاءات). ويقول: (إن الموقف الأوفق في استخدام الكلمات الوافدة رهن بحالة العزة والثقة أو الحذر والفتنة أما إن تجاوزنا مرحلة غربة الإسلام وغلبت المفهومات الغربية بكل مضامينها وضلالها فلا بأس من الاستعانة بكل كلمة رائجة تعبر عن معنى وإدراجها في سياق الدعوة للإسلام ولفَّها بأُطر التصورات الإسلامية حتى تسلم لله وتكون أداة تعبير عن المعنى المقصود بكل أبعاده وملازمته الإسلامية وعندئذ يقال أن المعاني أهم من المباني وأن العبرة ليست بالصور والألفاظ وإنما بالمعاني والمقاصد). انتهى.
أنظر عزيزي القارئ لهذا الموقف المُريب! فالشيخ الترابي يرى ألا بأس من مصادرة كلمات الغير(الكُفّار) بالرغم من مضامينها التي تحتمل (الضلال)، والاستعانة بكل كلمة رائجة مهما وصلت من "ضلال وزيغ"، ويجب على "المسلمين" أن يؤطروا لها للاستفادة من معانيها، دون وازع ودون جدارة وكسب يعكس مدلولها، بل يطلب منهم أن يتأنَّفوا شهوتها تأنُّفاً ولا يأنَفوا استخدامها وجلاً وريبة، هكذا ومجاناً، على الرغم من أنها تشكَّلت بالدماء وعبر تاريخ طويل من النضال والمصادمة ضد الاستبداد بكل أشكاله، إن كان هذا الاستبداد مستنداً على سلطة دينية أو ملكية، أو تسلُّط ثقافي وعرقي، لدى أمم وشعوب وملل أخرى؛ فما ما كان من أمر الثورة ومفهوم الترابي حولها، فقد صدَّقت به الإنقاذ، وهو شخصياً كان جزءً منها بل قائدها وملهمها، فقد قامت الإنقاذ وكل وسائل إعلامها تتحدث عنها ك(ثورة) لا (إنقلاب عسكري) بدعم حزبي مختبئ خلف العساكر، وكان يُحتفل سنوياً في الثلاثين من يونيو تحت هذه المُسمى(أعياد ثورة الإنقاذ) وهو جالس في الصفوف الأمامية على المقاعد الوثيرة. فالترابي بمفهومه الوارد في كتاباته يدعو أصحابه، وبعد أن يتمكَّنوا، لأن يصادروا كلمة (ثورة) لأنهم قاموا بقوة وثقة وتوكل؛ وأتى بعدها في دستور 1998، ليحاول مصادرة كلمة (ديمقراطية) ضمن مادة التوالي السياسي، وما درينا إن طال به الأجل- رحمه الله- كيف كان سيُصادر كلمة اشتراكية ويلُفها بأطر التصورات الإسلامية!!
ولكنه في نفس الوقت، يتحسَّر على استخدام هذه الشعوب- كما نرى- لكلمات يراها تخصُّ الإسلام والمسلمين، بل يحاول منعها عن(الكُفّار) حتى وإن تشاركوا معه في الوطن، وقُتِلوا دفاعاً عن حمى هذا الوطن، وعرض المسلمين وغير المسلمين فيه! فمفهومه عن (الشهيد) واضح، فهو يسخر من وصف من قُتل فداءً لوطنه ب(الشهيد)، فهذا في رأيه من ضمن (المقاصد العاجلة والولاءات الدُنيا)! بهذا فإن الترابي لا يرى أن من مات في (كرري) هو من الشهداء، وأن ثوار 1924 شهداء، ولا يرى كذلك في القرشي شهيداً ولا كل شهداء الوطن في تاريخه العزيز، وحتى الناس الذين قتلتهم الديكتاتوريات وعذَّبتهم حتى الموت في سجونها ومعتقلاتها، ليسوا سوى قتلى من أجل مقاصد دُنيا!
يدافع المحبوب كذلك عن موقف الشيخ الترابي من إعدام الأستاذ محمود محمد طه في حوار له مع الصحفي علاء الدين محمود والذي أجراه لصحيفة الصحافة(5 أغسطس 2014)، وذلك بالقول إن الشيخ لم يكن يؤيد إعدامه - الذي تمَّ في يناير 1985-، ولكنهم كحركة صمتوا عن هذا الأمر لأنهم كانوا جزءً من النظام، ولأن الموقف التنظيمي المُلزم كان مع الصمت باعتبار أنه حُكم قضائي فقط! أإن صدق المحبوب- وإني أظنه لمن الصادقين-، أفلا تتفق معي عزيزي القارئ بأن هذه هي قمة الانتهازية واللعب بالمبادئ والدين ومستحكماته؟ ألا يجعل مشهد إعدام مفكر بلا سلاح إلا القلم، تحت ذرائع دينية وبتخريجات فقهية، يُحرِّك ساكن المنظرين والمفكرين "المتدينين"، ويغلغل راحة الداعين إلى تمثُّل قيم الإسلام وإنزاله في الشرائع والقوانين؛ ثمَّ أليس عيباً وجُرماً أن يصمتوا عن هذا الفعل وهم يرون بأُم أعينهم، شيخاً وقوراً يُساق لحبل المشنقة وهو برئ ولا ينبسون ببنت شفة، لا لشئ، ولا لموقف عقدي أو إيماني، ولكن فقط لأنهم جزء من السلطة، ولأن اتفاقاً في التنظيم قضى بذلك؟! أفلا يقتدون بالذين لم يخافوا في الله لومة لائم من السلف الصالحين أولي العزم، والذين يحاولون اقناعنا بأنهم يقتفون أثرهم ويهتدون بهديهم؟! ليس لدينا أكثر من أن نقول بخٍ بخٍ لمن ردَّد: ولمُسْتَحْكِمٌ جَزْل المُرُوءَةِ مؤمِنٌ من القوم لا يَهْوى الكلام اللَّواغِيا..
ولنكون على بيِّنة من أمرنا سنقارن ذلك الموقف بما كتبه الترابي نفسه حول الفكر الإسلامي في العمل السياسي ونقده الناعم اللاذع لمن يدعون لفصل الدين عن السياسة، وذلك في كتابه السياسة والحكم(دار الساقي 2003) يقول الترابي: ( أولئك الذين جددوا التوبة السياسية إلى الإسلام أدركوا ما فعل بهم الاستعمار من إثم الفصل بين ما هو سياسي وما هو ديني، وإغشاء بعضهم مذهب نظر واعتقاد في أن ذلك حق، ورأوا أنه لا يجدي الاستقلال السياسي لمجتمعات المسلمين من وجوه الحاكمين المستكبرين الكافرين، بل العزة في الخشوع للعزيز الحكيم وحده وإقامة الشريعة الحاكمة بهديه وتوحيد الحياة بدينه كله، ما كان تكليفاً طوعاً خاصاً وما كانت تنفذه السلطة،، وأيقنوا بوجوب الارتفاع عما ذلوا له من مذهب خلط الحكم الوضعي ببعض الشرعي، وبضرورة إسقاط القوانين التي شرعت عليهم بغير دين ولا رضى وتطهير السياسة التي سُنّت بواحاً للكيد والكذب والنفاق). انتهت الاقتباسات.
لا يسعني عزيزي القارئ إلا أن أقول: لا حول ولا قوة إلا بالله! وعلى الرغم من أنني لم أكن أريد أن أزيد إلا بأن أذكر بأن الكيد والكذب والنفاق لم يفارق الإسلام السياسي قيد أنملة، هنا في السودان، وفي غيره من الأقطار التي حكمها الحركيون الإسلاميون، إلا أنني أنه رأيت من واجبي فحص هذا القول بطرح المؤتمر الشعبي للحريات مؤخراً ضمن حوار الوثبة، ورؤية الترابي وحزبه لها؛ فإن كانت نظرة الترابي (للديمقراطية والثورة) بمثل ما قرأنا في المقتبسات أعلاه، فما الذي يجعل لفظة(الحريات) التي ثُقبت بها آذاننا خلال الأشهر الفائتة غير بعيدة من هذه الرؤى ومختلفة عنها؟! ثمَّ، وما الذي يجعلهم في نهاية الأمر، إن كانوا صادقين أمينين في طرحهم، لا ينسحبون من السلطة الحالية بكاملها ويبتعدون عن الوزارات والمناصب الممنوحة لهم بموجب حوار لم يبلغوا فيه مبتغاهم وغاياتهم الأسمى والمعاني التي يدعون لها؟! ما يجعلهم لا يفعلون ذلك في ظننا، واضح لكل ذي عينين، وهو أن لهم مآرب أخرى غير صلاح الوطن،، والأيام حُبلى بالعجائب.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.