ليس من شيمي أن أعير اهتماماً لقضية لا توجعني بحق، ولا أعتبر أن الشرور شيئاً يجب تجاوزه في خضم عالمٍ يمور بأنصاف الحقائق وبكثير من الأباليس وقليل من الإنصاف! وفي كتابةٍ عابرة عبّرت يا مأمون عن امتعاضك من محمود الجيلي وشعره، وذكرت أن مهرجان محجوب شريف مكان لا يستحقه محمود الجيلي الفاشل شعرياً حسب تعبيرك! فقلت لك ولآخرين إن كل من يقول (أنا شاعر) دعوه بسلام أو انتقدوا أعماله بحذاقة..الشعر له أبواب عديدة فمن أراد فليدخل ومن أراد الخروج من باب وولوج آخر فلا جناح عليه؛ لا يمكن نسف شاعرية أحدهم لأن شعره لا يعجب أشخاص محددين فصفة (شاعر) هوية تختارها لنفسك بنفسك، فإن اختلف عليك الناس فأنت شاعر رغم أنف الرافضين، أما إن تجاهلك كل الناس فأنت غير موجود وكما تدين تُدان.. وكذا فإن محجوب شريف شاعر ومحمود الجيلي كذلك.

وكان قولي كله أمل لمواصلة حوار جدِّي ابتدره صديقنا عثمان شنقر في كتابة (مُصانة) حول تجربة (ريحة البُن) بعنوان: )ريحة البُن).. مُنحدر الشِّعر الزَلِقْ. ولكنك آثرت ابتسار القضية وحشرها في صندوقٍ ضيقٍ مثَّلته عبارتك الجافية: يا الديموقراطيين وناس حقوق الإنسان وكده، ممكن تخلونا نعبِّر براحتنا بعيداً عن ضمائركم النفيسة والنظيفة؟ وأهلت تراب السخرية عليَّ وآخرين بقولك ضمن البوست: (الموضوع ما عايز شرح: الديموقراطيين وناس حقوق الإنسان وإلخ.. مش ده كلام مباشر؟ غايتو البراق النذير وناس محمد شبكة فيهم).. هذه عزة بالإثم يا مأمون! كيف تلاحق الناس على الملأ، وعندما يأتمرون بك تقول دعوني وشأني؟!
سؤالك الأول يا مأمون ردِّي عليه بسيط: لا.. لن ندعك تُعبِّر براحتك طالما أن في راحتك إوجاع للآخرين، ولن ندعك لنزقك وفسوقك وأنت المثقف الذي نعوِّل عليه ضمن آخرين في المساهمة في (انتصار سلطة الفرد)، لن ندعك تدعو الناس للدخول في دين الحياة والإيمان بأنها حياة، في الوقت الذي تعمل فيه تقتيلاً في (شُعراء) لهم دنياوات أخرى، لن ندعك تكفر بما أمنت عليه الناس، ولن ندعك تتفاسق، بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان! أما ضمائرنا النفيسة والنظيفة- بغض النظر عن انطواء عبارتك على بعض سخرية- فهي تتجمَّر في نيران تلك المعارك، هذا وإلا صدئت وماتت، وما نحن إلا جزءً من المعركة الكبيرة من أجل الحياة التي تكاد تأخذ حياتك أنت بكُلياتها، فإن صدئت وماتت ضمائرنا، فأعلم أنك خسرت جولة في معركتك الأبدية، أما إن واصلنا تعنيفك ودفعك لمعتركك الحقيقي، فهو الانتصار وأيم الحق لمعركتك ومعاركنا جميعاً. هذه لمحة من حقوق الإنسان والديمقراطية وربما طيفاً من إلخ..
ثُمَّ، أراك يا مأمون غير آبه (بسُلطتك) كشاعر متجوِّل تمَّ تنصيبه هذا العام من قِبل مُنتدى مشافهة النص الشعري، وأراك ضارباً بعرض الحائط تعريف الشاعر مغيرة حسين حربية للفكرة- والذي احتفيت به وبها- بأنها لمنح الأمل بإيجاد منابر أخرى(إقرأ جمهور مُتنوِّع ومختلف) فما بالك تحاول إغلاق أبواباً يتعيَّن عليك المساعدة في فتحها بحكم منصبك الجديد ناهيك عن شاعريتك وذاتك المفتونة بالانعتاق؟! لقد أطلقت ريح كتابتك وتبعتها لا تلوى على شئ، حيث لا حاك في نفسك إثم، ولا حانت منك مجرد التفاتة لمراجعة ما خلَّفته من ركامٍ آسن، مُعتبراً تكالبك على محمود الجيلي وشعره شروراً صغيرة تقتات عليها، فكيف يا (تروبادور) الزمان تقتل التجارب بوصفها بالفشل- إيدية ساااكت- وتمنع الناس من إتخاذ ما يرونه من هوية، في الوقت الذي تلتصق فيه هويتك ك(شاعر) باسمك في كل زمان وممشى؟! أإن أراد محمود الجيلي أن يوصف ب(الشاعر) تكأكأت عليه، وإن أراد غيره نبيشتك سخرت منهم؟!
هي بالطبع ليست المرة الأولى التي تستعدى فيها أولي القربى المعرفية والثقافية، فقد فعلتها من قبل مع حمور زيادة وحاولت أنا وكثيرون غيري ردَّك إلى الجادة، ويبدو أننا فشلنا، ولكن لحسن الحظ، فشلنا لم يكتمل حال أن هناك أسئلة تركتها عالقة ولُذت ب"قداسة الكتابة الشخصية"؛ فقد طرحت عليك حينها مجموعة من المسائل عل إجاباتك عليها أو مناقشتك لها كانت ستكون في ميزان حسناتك المعرفية، فأنت ضمن ثُلَّة مُعتبرة من الأصدقاء والرُفقاء، تحاولون بناء صرح تتوسلون به الصعود إلى سماء التحرُّر الثقافي والأدبي والشعري، وقد نجحتم في جعل الصحافة تنتبه كرةً أخرى إلى هذا الميدان وأهميته ضمن مواجع السياسة وآلامها المقيتة، فمالك تريد للسقوط من علٍ أن يكون حليفك؟!
كانت مسائلي واضحة وسأجملها لك تارة أخرى حتى يُفيد القارئ غير المتابع لما مضى. كنت يا مأمون قد اختلست مادة صحفية وقعت بين يديك في نهايات العام 2015، بحكم عملك مُصحِحاً في صحيفة السوداني، والمادة الصحفية عبارة عن حوار مع الروائي المشهور- وهذه مقصودة- حمور زيادة، وعلَّقت على ذلك الحوار عبر صفحتك بالفيس بوك قبل يومٍ من نشرها بالصحيفة، ما اعتبرته أنا خفة يدٍ أدبية لا تشبه تجربتك كمدافع عن الحقوق والنشر والتعبير! فماذا أنت قائل عن هذه الحادثة؟!
أيضاً قلت في ردودك المتواترة إن حمور يسعى لتسليع الأدب ويستثمر فيه، وقلت: (تقنيّاً، هذه الفرضيّة مغلوطة، فلقد أصبح بمقدار أي إنسان أن يصنع منبره الخاص، وأن يصل لأكبر عدد من القراء دون أن يدفع فلساً واحداً، أو، بالتالي، يجني فلساً واحد) ومعنى كلامك إن من فضل الله على العالمين أن أوجد الفيس بوك المجاني-مثلاً- للنشر المجاني(بدون قروش)، فقلت لك إن هذا محض هراء، فلا الانترنت مجاني ولا الفيس بوك لله في لله؛ فأنت تدفع دم قلبك لشركات الاتصال، وكل حرفٍ تكتبه على الأسافير أو تعلَّق وتُشارك به، يُخصم من الميغابايتات التي اشتريتها من حر مالك، فما بالك تريد أن تساعد في صنع درقة بين رأس المال وانتهازيته، وبين البشر المتذمرين من خدمة يدفعون ثمنها كأتاوة مجبرين رغم سوءها؟! هذا تخليط لا يليق، فالخدمات (المجانية) في بلد كالسودان تحديداً كالخِل الوفي، أو كالعنقاء وربما أضل! وإن كنت تعتقد إنك شخصياً بعيد عن حالة الكتابة التي تتماهى مع سوق التجارة وماركات الصابون والشامبو فأنت مغفل نافع، مفغل لأنك تفعل هذا تحديداً عبر الفيس بوك والبلوق خاصتك، أي إنك تتماهى مع السوق والتجارة، ونافع لأنك تدفع برضى منك لشركات الاتصال، ويتكسب فيس بوك وقوووقل من أي حرف تطلقه، وتجني هذه الشركات الأرباح ليس من وراء ظهرك، بل من جيبك مباشرة، مثلما تفعل معنا نحن المختلفين معك تماماً، وربما هي تكسب من هذا ما يفوق ما كسبه ويكسبه حمور زيادة ك"وكالة إعلانات تجارية" حسب وصفك!
أختم يا مأمون بأن أذكر لك إدانة من صديقي محمد حسبو لكتابتك أنت شخصياً وآخرين، وذلك ليس بصماً وقبولاً لما كتبه حسبو، ولكنها محاولة لردِّ الأمر إلى مسألة الإدانة التي هي مثل (حفرة السو)! فقد قال حسبو في بوست بعنوان (عينات من الأدب الجاهلي الحديث) عبر منبر السودان للجميع إنه يتربّص بما يسميه "ظاهرة الأدب الجاهليّ" - نسبة إلى الجهل لا إلى الفترة المسماة بالجاهليّة في التأريخ الإسلامي- في الإنتاج الثقافيّ السودانيّ، و محوره التحقّق من "فساد" توظيف اللّغة في هذا الضرب من الخطاب الثقافي/ الإبداعي. وأضاف: (فرضيّتي هي أنّ اللّغة ضمن هذه الظاهرة تُستخدم بما يُناقض مفهوم المعرفة الإنسانيّة بمعناها العام والبسيط، وهو المفهوم الذي يقوم على قابليّتها للنقد العقليّ، وبالتالي، باعتماد الإنتاج ضمن هذه الظاهرة على اللّغة المُلتبسة، يصب منتوجها "خارج" وعاء المعرفة الإنسانيّة، بينما رفد هذا الوعاء في ظنّي، هو المسئوليّة الأساسيّة للمثقّف، عندما يُخاطب جمهوراً يفتك به الجهل و التضليل خاصّة . بهذا المعنى، فالأدب الجاهليّ هو تعبير عن "هروب" مثقّفينا و مثقّفاتنا عن مواجهة قضايانا المصيريّة -قل اسئلتنا الوجوديّة- إزاء العلم و الدين و الاجتماع و غير ذلك، و الأدب الجاهليّ هو -بدرجة ما- تفسيرٌ لكون حصيلة خمسة آلاف عام من الكتابة و الألقاب و صرير المطابع، لم تكن إلّا كغثاء السيل).

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.