في سبيل التحسين

الحزب الشيوعي السوداني: قيادة كاسدة لعضوية راشدة
العنوان الأول مستلف من وثيقة قدَّمها الشهيد المرحوم عبدالخالق محجوب وشرح فيها كيف أن العمل القيادي في الحزب الشيوعي تعتوره بعض المصاعب وبيَّن كيفية مساهمة ضعف الكادر القيادي في هذه الأزمة، كما وضَّح عبدالخالق من خلال الوثيقة رؤية تتناسب والسياق التاريخي الذي نتجت فيه، خصوصاً على مستوى التحالفات، الموقف من الانقلابات..ألخ، ولكن من أهم النقاط التي أثارتها الوثيقة هي دور فرع الحزب والعضو الفاعل إن كان على مستوى السكن، الدراسة، أو العمل.
والعنوان الثاني ليس إلا توصيفاً للأزمة المستفحلة والمستشرية والبون الشاسع بين ما تقوم به قيادة الحزب الحالية من أدوار على المستوى السياسي والفكري والتنظيمي، والدور الذي قامت وتقوم به العضوية الراشدة حتى وقت الأزمات الكبيرة، بما في ذلك أزمة المؤتمر السادس وفصل عدد من العضوية القيادية المشهود لها بالمساهمة الأكيدة طيلة تاريخ وجودها في الحزب. وهذا بالطبع يهتم بنقطة جوهرية أثارتها الوثيقة. وما نرومه في هذا المقال ليس التفصيل والاسهاب في الوثيقة نفسها، بل نريد أن نستزيد منها في مناقشة الدور الذي يقوم به فرع الحزب/العضوية الراشدة، على ضوء أو بالمقارنة مع الأدوار والمواقف التي تتخذها القيادة على مستوى الإدارة في البدء، وعلى المستوى التنظيمي في معايرته مع التطور الفكري والعلمي في السودان وفي العالم.
وحتى لا ينتهي بنا الأمر لمعَ/ضد، سأشير لأزمة استقالة عضو من اللجنة المركزية مؤخراً، فقط، من منظور أنها بادرة نادرة في تاريخ الحزب، فقد سمعنا بالانقسام داخل اللجنة المركزية، وقرأنا عن وشاهدنا فصل عضو قيادي، ولكن استقالة عضو من القيادة لخلاف مع هذه القيادة في منهج العمل فهذا يوضح بجلاء أن الأزمة لم تنتهِ بفصل الشفيع وقطان أو حتى حصد التأييد في المؤتمر العام السادس، حيث لم تُسكِت الهتافات العالية، الحناجر والأصوات المؤيدة لتغيير مناهج العمل قبل تغيير الأشخاص حتى يتماثل هذا الحزب للشفاء ويتجاوز حالة ضعف الأداء التي اكتنفت قيادته في التعاطي مع العضوية أولاً ومن ثمَّ، التعاطي مع الجماهير. وأول مناهج العمل التي تحتاج لدراسة نجاعتها من عدمه هو الاجتماع التنظيمي للحزب بشكله الحالي:
الاجتماعات لماذا؟
تُعرِّف بعض المراجع الاجتماع على أنه حدث لبحث موضوع معين بين أفراد أو مجموعات من أجل التوصل إلى قرار أو الاتفاق على وجهات نظر متشابهة.
والاجتماع هو طريقة عمل قديمة، فالقبائل في زمن غابر كان يجتمع سادتها للتخطيط للغزو أو التجارة أو حتى حل المشكلات بين القبائل أو حتى أفراداً داخل هذه القبائل، وقد انتهجت قيادات الجيوش هذه الطريقة للتنوير بخطوط سير جنودها وبخطط الهجوم والدفاع. ولما تطوَّرت حياة البشر على الأرض تطورت معها مناهج العمل، وبالتالي تطورت أشكال الاجتماعات، فغدت شكلاً منتظماً للتخطيط ووضع الاستراتيجيات للمؤسسات السياسية، الاقتصادية، أو التجارية، ودخلت التكنولوجيا فغيَّرت المفهوم التقليدي للاجتماع وربطه بضرورة التواجد الفيزيائي للمجتمعين، وأصبحت بعض الاجتماعات تُدار عبر الإسكايب وتطبيقات الفيديو المباشر حتى لأشخاص متناثرين جغرافياً.
الاجتماع كمنهج عمل في الحزب الشيوعي:
قبل الثورة البلشفية(1917) كان لينين القيادي الروسي والشيوعي المعروف، قد بدأ في نشاطه الثوري للتغيير على ثلاث جبهات، جبهة الكتابة في الصحف(البرافدا)، جبهة المشاركة في الإضرابات، وجبهة تطوير العمل التنظيمي، وقد إتَّخذ لينين من الاجتماعات التنظيمية في حزب البلاشفة الروس، طريقة لإبقاء جذوة العمل الثوري مُتَّقدة حتى يتمكن من إسقاط القيصر، وهو ما ناله بعد أقل من عقدين من العمل المُثابر والمُستمر. وبنجاح الثورة البلشفية في الوصول لمراميها، أصبح المنهج اللينيني نموذجاً يُحتذى في كل العالم لتطبيق المنهج الماركسي الثوري خصوصاً في دول جنوب العالم، وأصبح تصدير الثورة عن طريق أفكار لينين ومن بعده ستالين وغيرهم، والمنتشرة في الكتب والدراسات الروسية، هو القناة الأمثل حتى قيام الحرب العالمية الثانية وما بعدها بسنوات.
وبحسبانه من دول جنوب العالم، لم يتخلَّف السودان عن الركب ولكن بسبب وجود مفكر عظيم مثل عبدالخالق محجوب لم يكن كل ما يأتي من وراء البحار هو صالحاً للتطبيق، وأصبح استيراد الثورة انتقائي، وإتَّخذ الحزب الشيوعي السوداني منهجاً مختلفاً في التعاطي مع الأفكار المستوردة فيما سُمي فيما بعد، سودنة الماركسية. لكن منهج العمل التنظيمي كاد أن يكون واحداً وهو ما تمثَّل مبتدئاً في التكوين الهرمي والاجتماعات التنظيمية الدورية لأفرع الحزب من القواعد وحتى القيادة.
تكونت الحلقات الأولى للحزب الشيوعي السوداني في مصر من بين الطلاب المقيمين هناك للدراسة، وانتقل هذا التكوين لداخل السودان تحت مُسمى الحركة السودانية للتحرر الوطني(حستو) وهو اسم مشتق من اسم الجسم الموجود في مصر والمُسمى الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني(حدتو) وهي نفسها تعتبر امتداداً للحركه المصرية للتحرر الوطني (حمتو). وأصبح الحزب الشيوعي يتكوَّن تنظيمياً من فروع ومجالات عمل منتشرة في ربوع السودان بفضل مجهودات معتبرة للنواة الأولى(الجزولي سعيد والتجاني الطيب وغيرهم).
ويعتبر عضو الحزب جزء من قاعدة هرم قمته هي المركز، والشكل الهرمي هو الشكل التنظيمي الذي إتَّخذه ويتَّخذه الحزب الشيوعي- السوداني- لإدارة شؤونه الداخلية ورسم خطوطه وخطواته الخارجية منذ تكوينه؛ ووجود أكثر من عضوين في نطاق جغرافي أو مهني معين يمكن أن يُشكِّل فرصة لإنشاء فرع أو قطاع/مجال، وبالتالي مهما اتِّسعت قاعدة الهرم، تبقى قمته/المركز في حالة ثبات.
والاجتماع في الحزب الشيوعي له ثلاثة أهداف رئيسية:
1- متابعة: - الصاعد من آراء ونقاشات من القواعد، - والهابط وهو التوجيهات المتنزلة من القيادة والخط السياسي العام للحزب، وهنا يحدث تبادل الآراء(الصراع الفكري) وتتبلور الرؤية النهائية وفق منهج ديمقراطي تعددي يعتمد على رأي الأغلبية.
2- إنجاز خطط محلية للفرع/القطاع أو الهيئة في مجال العمل أو الجغرافيا التي يمثل فيها الفرع/القطاع وهو الواجهة الرئيسية للحزب(حزب مُصغَّر) ومتابعتها من قبل القيادة المنتخبة من الأفرع حتى القيادة(المركز) في تتابع هرمي.
3- متابعة مالية الحزب ورفعها للهيئات المالية عبر قنوات محدَّدة والتي من شأنها تزويد عصب الحزب بالموارد لتسيير العمل.
وهناك أهداف أخرى للاجتماع وهي المُتعلِّقة بشؤون العضوية والالتزام بالاجتماعات والوضع التأميني للهيئة والمجال، ودراسة الواقع السياسي من متابعة للأحزاب المعادية أو الصديقة..ألخ، وفي بعض المجالات كالطلاب تكون متابعة الوضع الأكاديمي هو من أساسيات عمل الفروع، كما إن هناك الجانب الفكري المتعلق بالدراسات والقراءة وتبادل الكتب. كما يُنتخب سكرتير تنظيمي يشرف على وضع الأجندة، أرشفتها، توثيقها والرجوع لها عند الحاجة، كما أنه مسؤول عن الوثائق الهابط منها والصاعد.
في الآونة الاخيرة خرجت بعض الأصوات من داخل الحزب وخارجه تنادي بضرورة تغيير هذه الطريقة في العمل التنظيمي وذلك للآتي:
لم تعد مجالات العمل كما في السابق، فقد تطورت هياكل الدولة بفعل التغيير الذي حدث في العالم على المستوى السياسي(القطبية) وعلى المستوى العلمي(التكنولوجيا) وحدث تغير أيضاً للسلطة/السلطات ومناهج الإدارة فيها(نقابة المنشأة مثلاً) وبالتالي تغيَّرت البنية القديمة ما يستحيل معها الاستمرار وفق المنهج القديم(العمل النقابي والفئوي بشكله التقليدي).
كما أصبح كل مجال عمل له خصوصية يستحيل معها تقبُّل التوجيهات المباشرة من قيادات لا صلة لها بما يجري في المجال المعني، وقد تمدَّدت المُدن والأحياء والقُرى وحدث تغيير جيوسياسي وديموغرافي كبير، وأكبر نموذج لما نتحدث عنه هو ما حدث ويحدث في دارفور وجبال النوبة، والدور الضعيف للحزب الشيوعي في تلك المجالات؛ فكيف يستقيم أن تتنظر عضوية الحزب هناك، توجيهات بالخط السياسي في ظل وضع تتغيَّر فيه الظروف كل ثانية(الهابط)؟!
وعلى الجانب المالي وبسبب تطور الأساليب البنكية والمالية وطرق الدفع والقبض(الرابط)، لم يعد هناك حاجة للاجتماع لكي يتم تحصيل المالية من العضوية، فقد أصبحت ضغطة على الموبايل كافية ليكون العضو خالص الذِّمة.
أما الدراسات وتبادل الأفكار فقد أغنت مواقع التواصل الاجتماعي والمنابر الإسفيرية المتعددة والمنتشرة كثيراً عن تلك التقاليد البالية، ولم يعد هناك وقت لتبديده في جلسة مع أشخاص تتباين قدراتهم الفكرية ومستوى استيعابهم لما يقرأون!
تجلَّت أزمة العمل القيادي في الحزب الشيوعي في هذا النطاق حقيقة في كثير من المواقف، فبخلاف تعنُّت بعض القيادات التقليدية وإصرارها على عدم المواكبة، إلا أن هذه الأزمة تمظهرت كذلك في العمل اليومي، فكثيراً ما نرى موقف الحزب الشيوعي يأتي بعد (خراب مالطة)، وكثيراً ما تنتظر القواعد وجهة نظر القيادة في الوقت الذي يكون فيه الشارع، قد سبق بإتِّخاذ المواقف المناسبة. وكي نكون أكثر دقة فقد فشلت القيادة في تشكيل موقف وتثبيته في الشارع وبين الجماهير في كثير من الأحداث، فمثلاً أين كان الحزب عندما حشد المؤتمر الوطني مئات الآلاف من الناس في الساحة الخضراء مؤخراً لتأييد حوار الوثبة؟ قد يقول قائل إن السيطرة على مفاصل الدولة ومؤسساتها هي العامل الحاسم في مثل هذه الأمور، ولكن ألا يتساءل هؤلاء عن مستوى وجود عناصر الحزب الشيوعي والأحزاب الرافضة لحوار الوثبة بل والأحزاب الرافضة لمبدأ الحوار أصلاً بين عمال وموظفي المؤسسات المختلفة للدولة وفي الشارع العام؟. ألا يفترض أن تكون قد قامت هذا العناصر بجهد ما لمنع الكسب الإعلامي والجماهيري الذي يسعى ورائه حزب السلطة من وراء هذه الحشود؟ يبدو إن قيادة الحزب الشيوعي أضعف من أن تضع مثل هذه الخطط ناهيك عن تقييم فشلها أو نجاحها!
بدائل في الانتظار
في الآونة الأخيرة نشط حزب المؤتمر السوداني بشكل فاعل في المشهد السياسي في السودان، وقد اتَّهمه البعض بمحاولة وراثة اليسار من مجاميعه، ورغم تثبيتنا لحق حزب المؤتمر السوداني بالسعي للقيام بدور رائد، إلا أنه من حقنا أن نتساءل كذلك، ماذا يفعل الحزب الشيوعي للبقاء على قمة اليسار؟ الحقيقة إن قيادة الحزب الشيوعي السوداني ترتكز فقط على التاريخ الناصع منذ النشأة، والتضحيات الجسيمة التي قدمتها القيادات السابقة منذ عبدالوهاب زين العابدين وعبدالخالق محجوب وفاطمة أحمد إبراهيم وحتى محمد إبراهيم نقد، ولا ترى أبعد من محطة يوليو 1971 كي تكون مشروع دفع للجماهير نحوها، أو لتسميد الأرض في انتظار محصول الثقة المُرتجى من المواقف السياسية والثورية كما كان في السابق. وقد تجلَّى ذلك في المؤتمر الخامس عندما لم يدمع ولا شخص واحد على تطاول الديكتاتورية لأكثر من عقدين وتزايد عدد ضحايا السلطة بشكل غير مسبوق منذ التسعينيات ومنهم أعضاء فاعلون في الحزب وفي مجالات عملهم(دكتور علي فضل)، ولكنهم وبالمقابل، أجهشوا بالبكاء عندما تمَّ ذكر شهداء يوليو 1971، حتى كادت قاعة الصداقة أن تمتلئ بالدموع! هذه ليست دعوة للبكاء والمثاليات، ولكنه موقف يستحق الوقوف عنده كثيراً لمن أراد أن يستبين النصح قبل ضُحى الغد.
إن إنتاج المعرفة كما تقول كتب الفلسفة، محكوم بمحكات اجتماعية لها ما يبررها داخل المجتمع الأصغر للعارفين، ولكن لا يمكن تبريرها خارج نطاق سائر المحكات الاجتماعية والمجتمعات الأخرى. هذا الكلام هو أُس العمل الماركسي الذي يستند على الجماهير ووعيها وبالمقابل الوعي المضاد لها أو المتفاعل معها، وهو ما راج في الأدب الجمعي للماركسيين السودانيين: من الجماهير وإليها نُعلمها ونتعلَّم منها. كيف تتعلَّم وتُعلِّم الجماهير وأنت بعيد عنها فعلاً لا قولاً؟!
قواعد راشدة وكمون قيادي
إن رُشد قواعد الحزب الشيوعي ووعيها هو الذي دعاها لتقُّبل وضع البيات التنظيمي والاستكانة لتطاول أمد اللجنة المركزية السابقة(1971-2009) وطريقة إدارتها للحزب بعد الهجمة العاتية التي تعرض لها قبل وأثناء وبعد يوليو 1971، هذا الوضع هو الذي أنتج ما أسميه أنا (منهج الكمون التنظيمي) وهو ما دعته أدبيات الحزب ب(الحفاظ على جسد الحزب) من أي هجمات مرتدة، وإن كان هذا الأسلوب قد وصل بالحزب إلى محطة المؤتمر الخامس(2009) والمؤتمر السادس(2016) فلماذا يصبح هو المنهج السائد في الإدارة؟ هل لأنه فعلاً لتأمين الحزب أم أنه منهج مريح لاستمرار أشخاص بعينهم على مقعد القيادة برغم المثالب التي تُرى من على بُعد فراسخ؟ في حوار على موقع سودانيز أونلاين(2008) كتب محمد حسبو (أحد أبناء جيل التسعينيات في الحزب الشيوعي) : لسنا راضين بالقليل الذي يفرحكم، أو ما يسمى بالحفاظ على جسد الحزب، هذه بلاهة، و لئن يتقطّع جسد الحزب في مواجهة شريفة و شجاعة، خير لنا من أن يعيش مع الناس أبد الدهر على الهوان، الناس ستعترف بالأبطال لا بالمعمّرين على أي حال، حزب حي وعكليت ليس طموحنا، نحن مع حزب مهموم بالجماهير لا بعناصر الأمن، مؤسّسي و ديموقراطي لا حزب يرفع بنود اللائحة ويقبل التعيين، ينهزم و يتفرّق أيدي سبأ في معركة قضاياه، لا يقعد و ينطوي على ذاته كسلحفاة. انتهى.
ولكن لا زال هناك من القيادات من يؤمن بأن الحفاظ على جسد الحزب أداة لازمة للصراع السياسي والاجتماعي نفسه في طول البلاد. يقول الدكتور صدقي كبلو في حوار مع صحيفة التيار(أكتوبر 2016): مهمة الحفاظ على جسد الحزب ليست مهمة عبثية، ولكن لأن الحفاظ على الحزب يعني الحفاظ على الأداة الأكثر أهمية في الصراع السياسي والاجتماعي والثقافي في البلاد. أداة التنظيم والعمل المنظم الجماعي المنتمي للشعب.انتهي الاقتباس.
إن الكمون التنظيمي ليس فقط وجود كوادر على سُدَّة القيادة لآماد متطاولة، بل هو الإصرار على الحفاظ على منهج العمل التنظيمي التقليدي كشاكلة الاجتماعات الدورية التي تُناقش فيها نفس النقاط التى قُتلت بحثاً في اجتماعات سابقة لها، وهذا ما يقتل روح المبادرة والسعي للتجديد، ومن ثمَّ، القبول بالوضع الراهن دون تغيير! وعلى الرغم من فتح المناقشة العامة منذ بداية التسعينيات وصولاً للمؤتمر الخامس للحزب الشيوعي في 2009، إلا أن الكمون التنظيمي أحد الأعمدة الصلدة التي لم تمسها يد التغيير(أي تغيير؟!). يقول السر بابو أحد قيادات الحزب الشيوعي ومسؤول العمل الثقافي لوقت طويل داخل القيادة في مقال له منشور على موقع الحوار المتمدن(15/5/2008): (في أوائل التسعينيات من القرن الماضي حدثت متغيرات عالمية ومحلية، كان لها تأثيرها على منطلقات الحزب الشيوعي السوداني السياسية والفكرية والتنظيمية، وكان من أبرز هذه المتغيرات: فشل النماذج الاشتراكية( الستالينية) في الاتحاد السوفيتي وبلدان شرق أوربا، وتغير عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية الذي كان قائما على القطبية الثنائية، وحل محله نظام القطب الواحد بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، كما حدثت تحولات في التشكيلة الرأسمالية نتيجة للثورة العلمية التقانية وجددت الرأسمالية نفسها ووجدت متنفسا لتنشيط استثماراتها، وحدثت متغيرات في تركيب الطبقة العاملة والتي اتسعت قاعدتها والتي أصبحت تضم العاملين بأيديهم وأدمغتهم والذين يتعرضون للاستغلال الرأسمالي، كما ازداد العالم الثالث فقراً وانهكته الحروب الأهلية والمجاعات والاوبئة الفتاكة وأصبح مثقلاً بالديون).
ويقول الأستاذ تاج السر بابو في مقال آخر بمناسبة الذكري ال 36 : دروس انقلاب 19 يوليو 1971 على نفس الموقع: (ان المؤتمر الرابع رغم انجازاته في ميدان العمل النظري، وفي تجميع الأفكار حول قضية بناء الحزب الشيوعي وتطبيق الماركسية باستقلال على ظروف السودان، الا أنه لم يحل قضية القيادة الجديدة التي تجئ لسيادة تلك الانجازات ومعبرة حقا عنها، اى أن المؤتمر الرابع فشل في اختيار قيادة متماسكة سياسيا وتنظيميا وفكريا، وكانت أزمة القيادة احد المشاكل الأساسية التي واجهت الحزب بعد المؤتمر الرابع والتي جاءت ضعيفة ومخيبة للآمال، ولم تكن في مستوى المهام السياسية والفكرية والتنظيمية التي طرحها المؤتمر الرابع. ومشكلة القيادة هي التي دفعت عبد الخالق الى تقديم وثيقة (في سبيل تحسين العمل القيادي) بعد عام من المؤتمر الرابع في مارس 1969 للجنة المركزية، أشارت تلك الدورة الى أن اعضاء الحزب الشيوعي لم يعودوا يقنعون بالحلول السطحية والشعارات الانتهازية لحل مشاكل العمل الثوري وعلى رأسها تغيير مستوى قيادة الحزب). انتهى الاقتباس.
أسئلة للإجابة
ومع كل ذلك ولكل ما سبق سنسأل عدة أسئلة علَّ الله يفتح على أحد قيادات الحزب الحالية أو السابقة بالإجابة عليها وفقاً لما هو عملي وليس وفقاً لما هو موجود في الوثائق قديمها وحديثها: ما هي المنطلقات التنظيمية التي حدث فيها تغييراً حقيقياً ومنظوراً وفقاً للرؤية التي طرحها الأستاذ السر بابو في المقال المُشار إليه؟ وهل تعرّضت أُسس العمل التنظيمي لأي شكل من أشكال التغيير؟ ما هو المتغير الذي حدث في منظور الحزب تجاه الطبقة العاملة؟ وكيف تعامل مع متغيرات العصر في هذا المنحى؟ هل يعتبر الحزب الشيوعي السوداني أن الأطباء والمهندسين طبقة عاملة؟ وكيف استفادت قيادة الحزب على المستوى التنظيمي والجماهيري والفكري من الثورة العلمية التقانية بخلاف نشر البيانات عبر الواتساب والمواقع الإلكترونية؟ هل تمَّ تجديد الدراسات التي تُقدَّم للمترشحين الجُدد مثلاً؟ ما نوع ذلك التجديد؟
وحتى الموت...
إن القاعدة الراشدة لهذا الحزب أرست تاريخاً ناصعاً كما أرسته القيادات التي صعدت إلى المشانق وعلى الدروة العسكرية بشجاعة وجلد، وغني عن القول التذكير بما قاله عمر البشير عن معلميه من الشيوعيين في لقاءه مع حسين خوجلي عقب حوار الوثبة(أكتوبر 2016) وهذا مما شهد به الأعداء قبل الأصدقاء. إن مما أرسته هذه القاعدة الراشدة مبذول بين تعليقات من صادف تواجده في مدرسة يوجد بها مُعلم شيوعي في الأجيال المختلفة، وينبئونك مثل هؤلاء كيف إن المُعلم الشيوعي لا يقف عند المنهج الأكاديمي بل يُعلِّم النزاهة والصدق وحُب المعرفة والأمانة، وكيف إنه يزرع حب الثقافة والنقاش وأدبه في نفوس الطلاب. إن مما أرسته قواعد الحزب الشيوعي حالة الطبيب الشيوعي المتواضع الذي يحمل مبضعه والإبتسامة تعلو وجهه حتى لتشعر أن طعنة الحقنة مثل زهرة ندية تركها بين يدي مريضه، إن مما أرسته هذه القواعد الشيوعية هو عامل المنطقة الصناعية الشيوعي الهُمام والصبور والذي يحدثك عن عمله حديث العارف المُلم ولا تجد عنده إلا ما تطيب له نفسك من جودة في العمل وإخلاص في المهنة. هذه هي قواعد الحزب الشيوعي الراشدة والتي يمكن أن تجدها في أي مكان، فأي قيادة تسيطر عليها وتدير شؤونها وأي قيادة تتمثل وتُمثِّل ذلك الجهد المُضني والمُتراكم في عصب الحزب الشيوعي منذ سنين؟!
نختم بأن نقول وفي مقتبس من وثيقة عبدالخالق النيِّرة: إن فرع الحزب يعتبر عمليا لا نظريا وحده وليس سواه هو القائد لكل نشاط يجرى حوله والمسئول عنه، لقد عانينا من هذا كثيرا، عانينا من الوصاية التي تفرض على فرع الحزب فتطبع الحزب بطابع واحد عقيم وتسلب عضوية الحزب من ارادتهم وتجعلهم متفرجين في كل ما يختص به من افكار جيدة، وتجعلهم يحجمون عن اثراء الحزب بافكارهم وتجاربهم، وهذا الاتجاه الذي يصادر الديمقراطية المركزية ويخلق السلبية ويحد من طاقات الفرع.

----------
المصادر والمراجع:
1- وثيقة في سبيل تحسين العمل القيادي مارس 1969 - عبدالخالق محجوب
2- موقع الحوار المتمدن العدد 2282،2336- السر بابو- مقالات
3- صحيفة التيار مارس 2015- اليسار في السودان إلى أين- تحقيق على حلقات- علاء محمود وخالد فتحي
4- إرشيف موقع سودانيز أونلاين 2008- حزب عكليت- أبو ساندرا


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.