لا زلت متفائلاً بما حدث في المؤتمر السادس للحزب الشيوعي السوداني وذلك لأن أي إضافة أو حذف ولو جُزئياً هو بمثابة تغيير. وقد فُتح دفتر الأحزان على مصراعيه خلال هذا المؤتمر، مرَّة بسبب الفشل في التغيير وأخرى بسبب ما آل إليه الصراع داخل المؤسسة العريقة، إلا أنه وبالرغم من ذلك فقد كان فيه إغاظة للكارهين للحزب الشيوعي والباحثين عن تدميره وانقسامه. قلت إنني متفائل بما حدث فهو حسم كثيراً من الأمور، ووضع أخرى في نصابها الصحيح وأبرز في الواجهة جوهر صراعات كانت مدفونة في أضابير الحزب ومنها قضية التوصيلات الحزبية وتجميع الذين ابتعدوا عن الحزب وكيفية تصنيفهم وإعادتهم مرة أخرى، ولذلك أقول إنني لا زلت على ثقة بأن الزبد لابد سيذهب جفاء وسيبقى ما ينفع الناس عاجلاً أو آجلاً.
والمؤتمر العام السادس للحزب الشيوعي والذي انطلق أواخر شهر يوليو 2016، كان ظاهرة في ذاته وذلك نسبة لتاريخ هذا الحزب وموقفه المعارض للنظام القائم إضافة لانتشار كوادره السابقين والحاليين، ونشاطهم المحموم في جبهات عديدة، وقد جاء هذا المؤتمر في ظل ظروف مُعقَّدة واستفهامات مؤجلة على المستوى الداخلي للحزب، وعلى المستوى الداخلي للبلاد، وحتى على مستوى الأوضاع خارج السودان.
الظرف الداخلي للحزب
وهو المستوى الذي برز للسطح بسبب الصراع الذي تأجج مؤخراً وانفجر بشكل نوعي إثر إصدار اللجنة المركزية عدداً من القرارات، من بينها فصل ببيان جماهيري للدكتور الشفيع خضر أحد أبرز قيادات الحزب وعضو المكتب السياسي ومسؤول العلاقات الخارجية، والمرشح المحتمل حتى ذلك الوقت، لمنصب السكرتير السياسي للجنة المركزية خلال المؤتمر السادس.
للحقيقة، فإن هذا الصراع لم يبدأ الآن أو خلال الشهور الماضية فحسب، ولكنه صراع امتدَّ منذ ما قبل المؤتمر الخامس حين أُتِّهم بعض الشباب والعضوية النشطة، بالتكتل لتغيير طبيعة الحزب الطبقية واسمه، وإدخال أفكار تمس جوهر الماركسية. وسُمِّى هذا التكتُّل حينها بمجموعة الشفيع خضر. وانتهت تلك المرحلة وللغرابة بعدد من الأشياء:
1- فصل واستبعاد وإبعاد عدد كبير ممن ينسبون لهذا التيار، مما شكَّل نقطة تحول في علاقة بعضهم بالمؤسسة الحزبية للشيوعي، وبدأ بعضهم فعلياً الإعلان عن آراء فيها قطيعة فكرية وسياسية مع الحزب ومواقفه.
2- لم يتغير أي من الاسم أو طبيعة الحزب أو حتى الخط السياسي والفكري، بل على العكس أصرَّ المؤتمرون على المُضي قدماً في نهج السلف.
3- والغرابة الحقيقية تكمُن في شيئين، الأول هو انتخاب الدكتور الشفيع خضر للجنة المركزية والمكتب السياسي في المؤتمر الخامس، الشئ الثاني هو تواتر الحديث عن أن بعض هذه الأفكار نبعت في الأساس من السكرتير السياسي للحزب المرحوم محمد ابراهيم نقد(راجع موقفه من الدولة المدنية). لا تعليق من جانبنا!
الظرف الداخلي للسودان
وهو الظرف الخاص بمجريات الأحداث على المستوى الاقتصادي والسياسي والاجتماعي، والانهيار بمتوالية هندسية في جميع مرافق الدولة، وعجز الفاعلين عن إيجاد حلولٍ ناجعة للأزمة، ومن ضمن هؤلاء الفاعلون الحزب الشيوعي السوداني نفسه. فبالرغم من شعاراته المنادية باسقاط النظام، إلا أن الجانب العملي لهذه الشعارات ظل جامداً أو مُجمَّداً.
في مثل هذه الظروف تحرَّك حُلفاء الحزب الأساسيين- حزب الأمة والحركة الشعبية بالذات- في اتجاه فتح مسارات للاتفاق مع النظام من خلال التوقيع على خارطة الطريق، وهو ما سيجعل وضع الحزب الشيوعي أحد الرافضين لأي تسويةٍ، على المحك وتحت اختبار حقيقي؛ فشعار اسقاط النظام الخط السياسي الأساسي للحزب قبل وبعد المؤتمر، لم يُترجم لعمل على الأرض من ناحية، ومن ناحية أخرى كنا نتوقع أن يطرح الحزب من خلال مؤتمره حلولاً وتطمينات للجماهير لما بعد اسقاط النظام، بحيث يُغلق الباب أمام التوقعات المُتشائمة والمُتكهنة بحدوث فوضى في حال سقوط النظام عبر عمل جماهيري.
الحقيقة أن الحزب الشيوعي خلال فترة ما بين المؤتمرين كان الحلقة الأضعف من حيث العمل الجماهيري، وتضاءلت فرصته في صنع الجديد إثر وفاة السكرتير السياسي الفذ محمد ابراهيم نُقد وحلول محمد مختار الخطيب مكانه، والذي تعرَّض لانتقادات لاذعة مفادها قدراته الخطابية الضعيفة مقارنة بسلفه، بالإضافة إلى قلة خبرته في معرفة كيمياء الجماهير.
الظرف الخارجي للسودان
وهو المُتعلق بظهور أهمية للسودان من جديد، بعد فتور ما بعد الانفصال الذي ساد علاقة السودان بالمجتمع الدولي والإقليمي، فظهور موضوع الهجرات غير القانونية ونسب اللجوء المتزايدة عطفاً على موقع السودان الجغرافي، جعلته موضع نظر وبالتالي طفق النظام (يضرِّي عيشو). هنا وكون الحزب الشيوعي أحد أكبر المؤسسات السياسية عداوة للحكومة السودانية على المستوى السياسي والفكري، فستنعدم فرصه في إيجاد أي مساندة من المجتمع الدولي والإقليمي لمشروعه الاستراتيجي القاضي باسقاط ومحاسبة النظام، خصوصاً لو غاب حلفاؤه في الداخل. هذا السؤال لا ولن تنفع معه الإجابات الجاهزة من شاكلة ستدعمنا الجماهير أو الشعب كفيل بالحفاظ على ثورته وغيرها من ما هو مُعلَّب في أضابير السياسة السودانية. علاقات الحزب الخارجية في ظروف عدم الإتزان السياسي في تعامل دول العالم مع حكومة السودان قضية تحتاج للخبرة التي افتقدها الحزب بفقده لمجهودات دكتور الشفيع خضر.
ماهو السبب الذي يجعل من مؤتمر الحزب الشيوعي محطَّ أنظار عدد كبير من الناس؟:
بالطبع فإن الموقف الفكرى للحزب الشيوعي ومنذ نشأته كان العامل الأكبر في أن يجد اهتماماً من الجماهير السودانية، وزاد عليه المواقف السياسية المؤثرة ما بعد الاستقلال وفي فترة الديكتاتوريات العسكرية وحتى في فترات الديمقراطية، حيث يُذكر أن الناس لا ينتظرون الميزانية العامة تحت قبة البرلمان، بل يثقون في الميزانية التي ينشرها الحزب الشيوعي على صحيفته الرسمية(الميدان).
بالإضافة لما ذكرناه أعلاه، فإن التأثير أتى من مواقف بطولية لقادته على المشانق و(الدروات) وفي المعتقلات وبيوت الأشباح طيلة تاريخ السودان ما بعد الاستقلال، ولكن ظهر عامل إضافي وهو صعود العدو الأكبر للحزب الشيوعي على المستوى الفكري والسياسي ألا وهو الجبهة الإسلامية لسُدَّة الحُكم. ومع محاولات نظام الإسلاميين المُتكررة والفاشلة في آن لإلحاق هذا الحزب برصفائه من الذين تعرَّضوا للانقسامات الميَّوزية - بلغة علم الأحياء- بعد العام 1989، ثبت أن القيمة العالية التي أعطاها الشعب السوداني للحزب الشيوعي لم تكن من فراغ.
هذه القيمة ظهرت في الاهتمام الكبير الذي حظيت به الصراعات التي سبقت المؤتمر السادس، وقد قُلنا في موقعٍ آخر إن هذا الصراع وعلى الرغم من تداعياته المؤلمة للبعض، وعلى الرغم من أن عضوية الحزب في أشدَّ حالات ضعفها على مستوى التماسك الفكري والسياسي، فقد ارتفع لديها مستوى إدارة الخصومة لمقام عجز ويعجز عنه آخرون، في سجال هو درس في الفكر واللغة، والتدافع السياسي، ودقائق الإدارة الحزبية والتنظيم، وكل ذلك بأدب شديد. وحتى الاستقالات التي وردت من الغاضبين على الحزب لم تكن ذات طابع انتقامي أو تجريمي، بل كانت أقساها ذات طابع تأسُّفي. هذا وقد انقسم المهتمون بحال الحزب الشيوعي من خارج مظلته إلى ثلاثة عناصر رئيسية في ظننا وهي:
1- العنصر الأول هم هؤلاء الناس المعروفون تاريخياً وحتى داخل المؤسسات الحزبية ب(أصدقاء الحزب)، وهم نوع من البشر ليس لهم صلة تنظيمية بالحزب، ولكنهم يقومون في بعض الأحيان بواجبات ومهمات تقرِّبهم من المؤسسة وتجعلهم مصدر ثقة وكأنهم جزء منها، فهؤلاء حادبون على مصلحة المؤسسة ومشفقون من تشتُّت شملها وضياع كسبها.
2- وهناك نوع من الناس مهتمون بأوضاع الشيوعي بشكل شبه مَرَضيّ، وهذا يشمل من تملَّكهم الحسد ربما بسبب غُبن تاريخي أو غيرة سياسية. وهؤلاء موجودون في اليمين واليسار وكلٌ لما يُسِّر له. في اليمين يعتقد كثيرون أن الحزب الشيوعي قوة ضارية وتكسيره مهمة عسيرة، ولذلك يتحمسون للصراعات وكلما أطفأ الله ناراً حاولوا إيقاد أخرى. وفي اليسار هناك من كان جزءاً من هذا الحزب وله ثأرات يعتقد أن تصفيتها يمكن أن تكون من خلال تصفية المؤسسة نفسها، وهناك أيضاً من ينتمي لمؤسسات يسارية حزبية أخرى، ويريد أن يرث حزبه ذاك أرض اليسار ومن عليها، أو لديه رغبة شديدة في تدهور هذا الحزب العريق حتى يختل الترتيب الحالي، وبالتالي يصبح حزبه أو ميله الفكري في أول القائمة من حيث الوجود والتأثير، وهي مرتبة احتلها الحزب الشيوعي ولا يزال، بفضل التاريخ الغني والتضحيات الجِسام.
3- النوع الأخير ممن اهتموا بحالة الحزب الشيوعي هم مستجدو العمل السياسي والجاهلون بخفايا العمل التنظيمي، وهؤلاء يريدون أن يقولوا شيئاً لكي يُعرفوا، وقد كثُر هذا النوع في الآونة الأخيرة بفضل توفر وسائط- إعلامية- لا تكلِّف جُهداً في التدقيق والتفكير بعمق أو الاجتهاد في التحليل. وقد سطع نجم بعض هؤلاء في قضايا أخرى سابقة ويعتقدون أن هذه القضية مثلها مثل الأُخريات، فتناولوها بسطحية مثيرة للسخرية في بعض الأحيان، وتدعو للاشمئزاز في أحايين أخرى.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.