أجئ في هذا المقال لأضع بعض الملاحظات السريعة على ممارسة صديقنا مأمون التلب لفضيلة النقد لصديقنا الآخر حمور زيادة، وهو نشاط محمود في خضم الركود الذي أصبح لازمة للنقد الثقافي والأدبي في السودان. مأمون كاتب مشاكس ذو طاقة جبارة، يزجي أوقات فراغه في اجتراح فعاليات جماهيرية طموحة، بعضها يصبح جزءاً من أوقات عدم فراغه بل وعمل لأكل العيش، وبعضها الآخر يتحول إلى بادرات لفعاليات جديدة، وبهذا يصبح بلا أوقات فراغ تقريباً.

إحدى هذه الفعاليات هي عمله الحالي كمصحح/مدقق لغوي في الصحف اليومية، ومأمون بما له من ذخيرة لغوية وعين مدربة على التقاط الأخطاء، كسح في هذا المجال حتى أصبح كلاعب الكرة المحترف والذي تجده كل عام في فريق جديد وبأجر أعلى وسبحان الأعلى! ما لم أكن أعلمه، أن مأموناًأصبح ضمن طاقم صحيفة السوداني متعاوناً، ولكني قرأت له بوستاً في الفيس بوك قبل فترة علق فيه على حوار مع حمور زيادة: (ستنشره صحيفة السوداني)! توقفت عند كلمة (ستنشره)، ولأنني أعرف مأمون المدقق، فقد تأكد لي تماماً إنه قصد هذه الكلمة بالذات، كما تأكد لي أن حواراً صحفياً يخص صحيفة تدفع الأجور للصحفيين والموظفين، وتفتح لهم المكاتب، وتوفر لهم ما تيسر من (حق المواصلات) وكبابي الشاي، قد تعرض لخفة يد أدبية –يا عاملات عبدالله على ابراهيم- وأصبح جزءاً منه، مادة خالصة لمأمون التلب "يتاجر" بها على الفيس بوك.

بعدها بأيام طالعت مقالاً لمأمون وأيضاً على الفيس بوك، انتقد فيه وبشراسة حمور، ولأن المعركة قديمة، لم أكن أنوي متابعتها إلا من باب التعليق على موضوع خفة اليد الأدبية لمأمون، إلا أن تعليق مأمون السابق واقتباسه لجزء من حوار حمور مع خالد أحمد الذي نشرته صحيفة السوداني لاحقاً وتلويحه وتهديده لحمور بمقال (مقعد)، أثار فيّ توقعات بأن أجد به الجديد، ولكني فوجئت بمأمون يجتر في هذا المقال- منشور على الفيس بوك-، بل ينسخ ويلصق، كتابة سابقة لصديقنا محمد حسبو، كانت قد نشرت قبل سبع سنوات تقريباً في منبر (السودان للجميع) وقد كفاني العديد من الناس مشقة الوقوف عند هذا الكسل المقيت، خصوصاً مع اندهاش محمد حسبو نفسه لقراءة مأمون الخاطئة لما كُتب في ذلك الوقت، كما كفوني هؤلاء الناس مشكورين أيضاً، مشقة الوقوف عند عدم تحسب مأمون لعامل التطور الذي حدث منذ ذلك التاريخ في كل جوانب هذه القضية! ولكن ما لم أجد من يفشني فيه هو قول مأمون : إن من كتب قصةً كـ(ولاء لم تعد تضحك)، من المستحيل أن يُنتج أدباً عظيماً! فهذا القول ينضح بالسوقية الثقافية والفتونةالإبداعية، فإذا افترضنا أن وجهة نظر مأمون في قصة (ولاء لم تعد تضحك) صحيحة وأنها قصة مبتذلة وممعنة في المباشرة والتواضع اللغوي، فما باله يغلق الباب أمام المحاولات التالية لها وكأن عقل كاتبها بطارية هاتف جوال تالفة؟! بالنسبة لي شخصياً لم تسعدني (ولاء لم تعد تضحك)، كما أبديت ملاحظات على (الكونج)، ولكنني استمتعت على نحو ما ب(شوق الدرويش) فمن له الحق في مصادرة امتعاضي ذاك أو متعتي تلك؟!      

بصراحة، وعلى الرغم من نيتي المبيتة على كتابة ما كتبته بعاليه، إلا أنهيصبح بأهمية أقل حين مقارنته بما يمكن أن يكتب تنديداً باللغة المُفتقرة للحساسية تجاه فئات بشرية مختلفة، ومِنْ مَنْ؟! من كاتب حاذق أقرب لفيلسوف، ومن شاعر يفترض فيه الحساسية تجاه كل البشر " أبلههم وأعورهم ومعاقهم"!

كلام ما قبل الأخير يا مأمون؛ أنا اعتبر أن الكاتب الجيد يجب أن يقرأ جيداً، وكي يكون القارئ جيداً فيجب عليه أن يمر على جميع أنواع الكتابة غثها وسمينها، حتى يستطيع التمييز بين ما يستحق وما هو غير ذلك، فقولك أنك لم تقرأ شوق الدرويش نسبةً لانشغالك بالعظيم من آداب العالم المتراكم عليك، قول ينهمر منه الصلف ويسيل منه السوء والفحش المُبيَّت، ولا يستقيم وتركيزك الشديد على جل ما ينتجه ويقوله حمور، ثمَّ، ظني أن كليمات في قصاصة ملقية على قارعة الطريق في بلاد ممكونة وممحونة، ربما تكون أبلغ من رواية كتبها صاحبها وهو جالس على شاطئ الكاريبي! أخيراً يا مأمون،أنت في كل مرة تصوب نيرانك على صدر حمور وبعد أن تفرغ ذخيرتك، وتمسح فوهة سلاحك بكهنة دامية، تعود لتقول بكل بساطة: (المحبة يا حمورفي القلب موجودة لسة)، وهذا لعمري ضرب من الاستفزاز المُمِض، فأنا زاعم يا مأمون بأن محبتك لحمور لن توقر في القلب ما لم تفش غبينتك، أما محبتي لك فأنت بها أعلم.          


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.