لعل مما يثير الشفقة أن نجد كُتاباً كباراً وقيادات للرأي، يجهلون أبسط المبادئ التي توصل لها الجنس البشري خلال العقود الماضية ومنها المبدأ الحقوقي المُضمن في وثيقة حقوق الإنسان 1948 والذي ربما استمد من حديث شريف: الناس سواسية، بل أظن أن بعضهم لا يجهله، ولكن لا يدرك المعنى المراد من هذا المبدأ الذي يجعل المدير والغفير ذكر أو أنثى سوداني أو بنغالي في مرتبة واحدة في الحقوق والواجبات. وقد استوقفنى هذا المنزلق الذي قاد كثير من هؤلاء للنظر لقضية عاملات المنازل بالسعودية أو غيرها من زاوية(أخو البنات ومقنع الكاشفات)! لا أريد أن أفصِّل في ما أفاض فيه غيري ممن طرقوا الموضوع بحيث أوضحوا أن القضية لا تؤخذ من جانب أننا كسودانيون أشرف وأعظم من أن تعمل بناتنا في البيوت، بل من ناحية شرف هذا العمل وأحقية النساء السودانيات أو أياً كانت جنسيتهن بممارسته وفقاً لشروط الكرامة الإنسانية. ما أريد أن أشير إليه هنا هو المفارقة الواضحة بين نشاطات بعض أولي الوعي الحقوقي والإنساني من أمثال صديقتنا حد الزين التي تنشط هذه الأيام مع عدد من الناشطات والنشطاء في السودان، في حملة من أجل حفظ كرامة عمال المنازل نساء ورجالاً. وقد جاء في ديباجة صفحة الفيس بوك الخاصة بالحملة أن: بيوت رحيمة هي مبادرة بتدعو لتحقيق علاقة متوازنة بين عمال وأصحاب المنازل بتقوم على حقوق وواجبات متبادلة بيحميها القانون.. علاقة بتقوم على الاحترام المتبادل والتعامل الإنساني.. علاقة بتقوم على تبادل المنفعة وما فيها طرف بيعلو على الآخر. بيوت رحيمة هي مبادرة طوعية بتهدف لترسيخ هذه القيم ونشرها في مجتمعنا بالاضافه الى محاربة الظواهر السالبة البتحيط بي علاقات العمل المنزلي. الدكتورة حد الزين محمد الفاتح تنشط في هذه المبادرة مع غيرها من نساء ورجال بلادي منذ أكثر من ثلاث سنوات، بحيث أنها كرست لها دراسة دكتوراة وقامت ببحوث ميدانية ومقابلات مع مختصين، واضعة في الاعتبار قانون خدم المنازل 1955 الذي لم يكن حينها قد تم تعديله، وقد بادرت حد الزين للحملة باطلاق عبارة ذات مغزي( بيتي هو مكان عمل لآخرين). قضية كرامة العمال في أي مكان في العالم هي قضية يجب أن نعمل جميعاً على الدفع بها في ظل سيطرة الرأسمالية وأساليبها على جنبات الكون، فمن غير المنصف أن لا نلتفت مثلاً لقانون الكفالة السعودي، الذي يظلم العمال الأجانب إن كانوا ذكوراً أو إناثاً، فهذا القانون يعطي الحق للكفيل بالسيطرة على العامل تماماً - كما العبد- هذا بخلاف الممارسة التي ربما لا يحميها القانون بشكل مباشر، ولكنها تُحمى بواسطة النظام الاجتماعي السعودي، كأن يقوم الكفيل مثلاً بإصدار بلاغ هروب في حال رفض العامل مواصلة العمل وفق الشروط المهينة والجائرة للكفيل، أو أن يرفض الكفيل إعطاء إجازة من العمل أو غيرها من الممارسات التي تسلب العامل حريته بالكامل،خصوصاً وأن نظام الكفالة يتيح للكفيل أخذ جواز سفر العامل بحيث لا يستطيع مغادرة العامل إلى بلده إلا بموافقة الكفيل! كذلك من الأشياء المُقززة، ما تمارسه بعض البيوت السودانية من إهانة وقسوة ضد عاملات المنازل، وهو الشئ الذي بالمناسبة، يدعو (أخوان وأخوات البنات) إلى الارتعاب مما يمكن أن يحدث للسودانيات في حال أصبحن هن في وضع الأرتريات أو الأثيوبيات في السودان، فيتهيج الوزير والكاتب والناشط بحيث لا يقبل وعيه أن تُغتصب السودانيات ويُضربن ويُمنعن من الإجازة ويرقدن في أسوأ مكان بالمنزل ويأكلن بقايا الطعام..ألخ، كما يفعل جيرانه وأصدقاؤه وهو يعلم ويصمت! المعاملة السيئة للعمال لا تقتصر فقط على عمال المنازل ولا تقتصر فقط على الخليج أو السعودية، فقد يقوم مدير ما في السودان مثلاً بمنع موظف يعمل تحته من أخذ إجازة، أو أن يتحرش ذو رتبة أعلى بفتاة فقط لأنها أقل منه في الرتبة، أو يشتم أحدهم من يعمل معه لأنه يعلم أنه لن يرد له الشتيمة بحيث يفقد وظيفته. موضوع الكرامة هذا يجب أن ننظر له في كلياته لا جزئياته، كما يجب علينا أن نضع منظار الإنسانية عند النظر لمثل هذه القضايا، لا منظار الرجولة والفحولة أو منظار ونشرب إن وردنا الماء صفواً ويشرب غيرنا كدراً وطينا، أو نحنا الفوق رقاب الناس مجرب سيفنا أو الأسد النتر، أو كنا شعباً مختاراً وأصبحنا محتاراً وغيرها من المفاهيم التي ما عادت تلزم العالمين في ظل صعود رفاهية شعوب وهبوط أخرى. ودعوني في هذا المقام أن أدعو الكاتب القدير الأستاذ الفاتح جبرا إلى إعادة النظر في منهجه للتعاطي مع موضوع عمل السيدات السودانيات كستات شاي أو بائعات طعام أو عاملات منازل، فالبرغم من اتفاقي معه أن النظام الحالي تدهورت في رحابه الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للناس، إلا أن انحطاط الكرامة لا يكون بسبب مكان العمل وطبيعته أو نوعه أو ما يدره من دخل، ولكن انحطاط الكرامة يكون في كيفية نظر الدولة والمجتمع لقيمة هذا العمل وإنسانية من يقوم به. أما معيار توفر الكرامة من عدمها فيقاس بكيفية تعامل الناس بمنهج العدل والإحسان لأي كان، لا منهج إن كان أحدكم بائع شاي فازدروه وإن كان مديراً فوقروه! ولن نجد العذر إن كُنا في ظل دولة عادلة ومرفهة وأهلنا وشعبنا يحطون من كرامة مواطني دول أخرى يقومون بتنظيف منازلهم وبيع الشاي في حورايهم، وأذكرك كذلك وللتاريخ، بأن بنات السودان في زمان ما قبل الإنقاذ كُن يركبن (يا عم) من الطريق، دون أن يجدن نظرة ازدراء واحدة، ولكن الآن، ولو ركبت مع زوجها وهم لا يعلمون، فستجد حولها ألف تساؤل وتساؤل، فالعبرة هنا ليست في سوء العمل ولكن في سوء النظر. ومع كل احترامي لمساهماته، يجدر بي كذلك أن أقول للأستاذ حيدر خير الله الكاتب الصحفي في صحيفة الجريدة السودانية والذي قال في إحدى مقالاته المنشورة  بموقع الراكوبة في 20 أغسطس 2015: لن تكون حرائرنا خدم بأي حال.. أقول له صحيح إن أهل السودان أجبروا على الهجرة في أرض الله الواسعة، وصحيح أن الوضع الاقتصادي المزري وممارسات أهل النظام المقيتة هي سبب هذه الهجرة، ولكن العمل بالمنازل بخلاف أنه عمل شريف وليس به أي شبهة استعباد إن كان وفقاً للمعايير السليمة، إلا أنهكذلك، لا يحدد من الحرائر ومن غير ذلك، وأربا بك وبأمثالك ممن يدعون للحريات، أن تقع في فخ النوستالجيا البائدة! معيار تقدم الشعوب ليس الإدعاءات الفارغة والمقدودة، وليس التمشدق بالنقاء العرقي والصفاء الجهوي والجنسي والوضع الاجتماعي، بل إن معيار تقدمهاهو درجة احترام الآخر ونسبة المساواة بين الناس وضمان مشاركة الجميع في الشئون العامة إن كانت سياسية أو اجتماعية، وتضمين الحريات والحقوق كشرط أساسي للحياة الكريمة للمواطنين، والقوانين العادلة بين الناس، والشفافية وحرية التعبير وغيرها من القيم التي تعطي الإنسان إنسانيته. هذه هي معايير تقدم الشعوب في عصرنا الحالي وهي ما توفر الكرامة الحقيقية للبشر، وهي ما يجب أن نلتزمها في أنفسنا أولاً، أو، حين الدعوة لكف يد أحدهم عن خدود الناس أينما كان وكيفما كان. 

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.