نهلة كانت بائعة شاي بطيبة الأحامدة، أصيبت بطلق ناري أعلى الكتف، وفي الوجه من الجهة اليسار، قُتلت نهلة ذات السبعة عشر سنة، في أحداث سبتمبر. هل يذكرها أحد؟

هزاع( 18 عام) الذي كان يسكن شمبات، تهشّمت عظام جُمجمته، وفي نفس الأحداث وأيضاً بطلق ناري. هل تذكرونه؟ أما فتح العليم ( 14 عام) والذي كان يسكن دار السلام_ أمدرمان، فقُتل بعد إصابته بطلق ناري نتج عنه تهتُّك في الكبد والطحال وفي ذات الأحداث..هل نسيتموه؟!

هؤلاء ثلاثة نماذج فقط ممن قُتلوا بالمئات في سبتمبر 2013 فقط لأنهم قالوا في وجه الظلم لا..نذكرهم وسبتمبر يلوح في الأفق.. وشهداء سبتمبر عينة من ضحايا النظام، منذ شهداء رمضان، العيلفون، دارفور، بورتسودان، كجبار، جبال النوبة والنيل الأزرق والمناصير و...و...و كل بقعة في أرض الوطن.. وحين نذكر الآن جميع الشهداء الشرفاء، لا ينبغي لنا أن ننسى شهداء الحركة الطلابية من لدُن سليم، والتاية، وطارق، ومحمد عبدالسلام، ومعتصم، ونعمان صالح، ويونس نيل، وعادل حماد.. والكثيرين الكثيرين في كل الجامعات والمدارس والمعاهد.. وضحايا بيوت الأشباح لا يزيدون عنهم أو ينقصون، والنظام العام والصالح العام والضياع العام والعطالة العامة والغربة العامة والأمية العامة والمرض العام وحتى الانتحار العام!

هؤلاء عاشوا بشرف وقُتلوا بشرف، فإن سقط أحمد كرار أو حسن اسماعيل أو ميادة، فقد صعد أحمد العبيد ووفاء ومصعب ومحمد عبدالباقي وآلاف في شتى بقاع السودان، بل ملايين من كل الأعمار ومن مختلف الاتجاهات وكل السحنات، تحدثوا بمختلف اللغات واللهجات ونالوا مجداً واحداً وخلوداً.. كانت لهم هموم مختلفة وتطلعات متباينة وطموحات متعددة ولكن حلمهم واحد.. وطن خيّر ديمقراطي.. كان جرحهم واحد، وعدوهم واحد، وقاتلهم أيضاً واحد. لماذا نتركه ونهرب لأحزاننا واحباطاتنا ودموعنا؟ لماذا نأسف على من لم يبر ولم يكبر ولم يعتبر؟! لماذا نتحسر على من لم يأنف من الجيفة النتنة؟!

لا تحزنوا لمن سقط، بل إعملوا ليرتاح من صعد.. شهد هذا العهد سقوط الكاتب والمُغني والشاعر والأديب، والسياسي، والمثقف، والنقابي، وذو الجاه، وذو الحسب، والمناضل، والثورجي والهتافي، ونجم المنابر، والمندغم، والمنهزم، وممالئ الشر وسادن الظلم. لكن صعد الطفل والمراهق والطبيبة والمهندس والعاملة والعسكري والمدنية والمُدرّس والأستاذة، وأهل المدن والحضر وسكان الأرياف والبوادي، أهل المركز والمهمشون، الصانعة والمزارع والطالب والعاملة والتاجر. صعدوا في أعلى سارية للشعب، وسطّروا أعظم ملاحم الفداء، صاروا حكاوي للبطولة ومرويات للثبات ودروس للأجيال. سيذكر المجد هؤلاء فرداً فرداً، وسيلعن التاريخ أولئك جملة واحدة.

هل يذكر أحد من وشوا بعبدالقادر ودحبوبة وفتنوه لدى الإنجليز؟ لا أحد طبعاً..! لولا أن ود حبوبة وثّق لهم بما يجعلهم منبوذين طول الدهر، ويجعل أهلهم وصحبهم_ إن كان لهم_ ينفرون من ذكرهم، ودحبوبة وثّق لهم جملة، فهم أدنى من أن يُعرفوا أو يفصّل فيهم. تقول السيرة إن ودحبوبة أنشد فيهم:

كيف تواصل اعداك يا الدنى الرذل..
بعد ده كيف تظن عملك ينقبل..

إذاً فلنعلم ونعمل..
نعلم: إن الذين تواصلوا مع الأعداء كالجعلان، والجعلان حشرات صغيرة تدير الخراء وتدفعه بأنفها.. إنني أشعر بالظلم الذي يقع علي الجعلان من هذا التشبيه!!
بعد ذلك هلموا كي نعمل: على ألا يصينا الإحباط والحزن.. وذلك لأن الأذى ذهب عنا، ولأن كل من سقط كان آيل للسقوط، فما ضرّنا إن سقط، حيث ما كان مُنجينا وحامينا إن ثبت.
دربنا واحد وعدونا واحد، ومصيرنا نحدده بعقولٍ متحدة وأيدي متشابكة ومتكاتفة..
فإما حياة تسر الصديق.. وإما ممات يغيظ العدى.
___________
البراق النذير الوراق
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.