عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

في هولندا، امرأة في عمر الثمانين قالت لي بانجليزية رصينة: (خلال كل عمري الذي عشته، الكهرباء لم تقطع في هولندا قط).
تذكرت مقولتها وأنا أستمع للزبير أحمد الحسن أمين عام الحركة الإسلامية في لقاء بُث قبل سنوات على قناة الشروق مع الصحفي ضياء الدين بلال، وهو يتحدث عن الثراء والفقر، وتطور الحياة في السودان.. اللقاء قديم ولا أدري من الذي اتحفنا به لنقول قولنا هذا، ولا يهمني أنه جديد أو قديم، فما قاله مكرر من قيادات الإنقاذ، وما تفوه به قابع في أمخاخ هؤلاء القوم ويجري في رؤوسهم ومع شرايينهم مجرى الدم. لذلك قمت من فوري لأكتب تعليقاً ولكن للأسف وجدت الكهرباء (مقطوعة)!!..
حديث الزبير أحمد الحسن به أزمتين، أزمة فهم، وأزمة نظر وحساسية.
"الشيخ" الزبير لا يدرك إن ما حدث من تغيُّر طفيف في حياة بعض الناس، مرجعه وجود متقطع لألف باء في خدمات_ جلها كانت موجودة_ مما لا يمكن اعتباره وفرة. ألف باء كانت ضرورية حتى يتسنى النهب والفساد وسرقة موارد البلاد والعباد. فكل مشروع عام هو مشروع خاص في أصله، وكل فكرة تبدو لوهلة في صالح البلد، كان هدفها في الأصل الجيب الخاص وحساب البنك المتنامي، وليراجع سيادته بعد هذه السنين من تصريحاته تلك، ملفات الفساد البائن منها والمستتر، والمخفي منها والمعلن!
هناك سؤال اعتراضي، من أين امتلك الزبير ومن علي شاكلته (درازن) من الجلابيب، بعد أن كانوا بجلباب واحد؟! وكيف حصلوا على منازل واسعة وسيارات فارهة بعد أن أتوا على ظهور اللواري وسكنوا بيوت الجالوص وتربوا بالكفاف؟!
ما نعرفه إن جلهم لم يأتوا من الاغتراب، وأغلبهم لم يكن له ميراث عظيم. بهذا وبالدلائل فإن حديث الزبير يؤكد إن ما فعله النظام الإسلامي في السودان هو السرقة للموارد والطاقات ومستقبل الإنسان السوداني.
ذلك لأن موارد السودان حتى نهاية الثمانينات كان أغلبها كامن وغير مستخدم، ويحمله باطن الأرض كرصيد للمستقبل والأجيال التالية، أو حين يهم به من همّه الوطن، ويستثمره من هو ذو كفاءة وأخلاق ومبادئ، لكن ما حدث إن الإسلاميون استغلوا هذه الموارد بأسوأ طريقة وأداروها بعقلية المغنم، وروح الرزق الخالص، وعاثوا فيها فساداً وأعملوا فيها تمكيناً. وحتى لا يكتشف الناس حجم الكارثة أقام نظام الزبير طرقاً تتهدم وتمتلئ بالحفر قبل مغادرة مهندسيها، وأنشأوا كباري (تهاتي) بالانهيار، ومشاريع غير ذات جدوى، ونظروا للكسب السياسي المؤقت وغضوا الطرف، بجهل أو سوء طوية، عن الكسب الاستراتيجي طويل الأمد.
في الثمانينيات كانت الكهرباء تنقطع نعم، لكنها على قلتها تدير الوابورات فتسقي المشاريع والزرع، وتُحرك الماكينات لتنتج المصانع وتستمر عجلة التنمية. كانت الطرق قليلة لكنها مصممة بشكل جيد لضمان استدامتها وسلامة العابرين بها، وكانت الكباري تعد على الأصابع، لكن من يمر عليها يعلم أنه سيصل، كانت هناك أزمات طفيفة مؤقتة، وليس كوارث كبيرة ودائمة! وكانت المياه نظيفة والتعليم مجوّد والناس في أتم الصحة والعافية ولا يعانون إلا من الملاريا والنزلات والكحة. كان الطعام آخر الهموم، والأمان والأمن ليس مشغولية أو مصدر قلق، لأن الأمان عادة وضرورة وليس استثناء أو مصدر ابتزاز وداعي استمرار في السلطة!
اليوم يتوقع كل سوداني أن يصيبه السرطان، والفشل الكلوي، والملاريا، وأن يموت في طريق غير معبد، وبسبب ماس كهربائي، وأطعمة ملوثة، ورصاصة من نظامي! وكل مواطن يتمنى لطفله أن يكبر دون أن يواجه الموت المجاني، وأن يتعلم دون أن يضطر لدفع الكثير من المال، وأن يتعالج دون خوف من تكاليف العلاج، وأن يصل بيته سالماً دون أن يعترضه خاطف أو مغتصب أو نظامي.
الزبير أحمد حسن ينظر حوله فيجد الثراء بين منسوبي حزبه وجماعة حركته، ولا يسأل نفسه من أين لهم هذا! الزبير لم يطُف القرى بين بورتسودان وكسلا ليتعرف على ظروف الناس ومعاشهم..لم يزر معسكرات النازحين في دارفور ليرى إن كانت هناك كهرباء أو مياه نظيفة أو مرافق صحية معقولة..الزبير لم يطُف قرى الشمالية ونهر النيل أو النيل الأزرق ليشاهد الوجوه الكالحة وملامح الفقر المدقع..لم يزر قرى جبال النوبة ليرى ما فعله القصف وما صنعته الحروب في النساء والأطفال.
يبدو إن الزبير لم يغش الأسواق لسنوات، خصوصاً في مايو وأمبدة وسوق ستة، ويبدو أنه يعتقد أن كل السودانيين هم من يجولون في سناء مول وعفراء مول وأسواق برج الواحة وسوق الذهب! فليعلم الزبير إن هناك سوق لملخلفات المناسبات لأن بعض الناس لا يتذوق إلا الفراخ المتبقي على صحن كان ملئ بالطيبات، وإن في بعض الأسواق ساندويتشات (سليقة) ورؤوس دجاج، وإن الكثير من الناس في السودان لم يروا الهوت دوق أو البيتزا أو حتى التلفاز أو أنبوبة الغاز، وإن الماء العكر ناهيك عن النظيف، هو حلم العطاشى في بقاع شتى من الوطن، وإن أجمل حمامات الكثيرين تكون تحت ظلال الأشجار وتحت سفوح الجبال!
رسالتى للزبير وجماعته فحواها إن التطور سنة الحياة، ومثل أحاديثكم هذه لا تنم إلا عن بعد من الناس، وتهويم في وادٍ آخر غير وادي البسطاء والحالمين بأن يصبحوا وهم على خير. أتركوها فإنها أكبر منكم، وترابها ليس خالص لكم، ومستقبلها ليس في وجودكم، وحياة إنسانها في غيابكم، وخيرها في كل عطل يصيبكم.
///////////////////