لشد ما انتابتني حالة من الحزن الشديد وأنا أقرأ أن بياناً للناس صادر من داعية إسلامي يرفض فيه إتجاه الحكومة للتوقيع على اتفاقية (سيداو) والخاصة بمنع كافة أشكال التمييز ضد المرأة، وذلك لأن الدعاة الحقيقيون عندما يخوضون في أمر الدين في بلد مثل السودان، نجد أن العامة يسمعون لهم دون غيرهم، فكان حزني من أن يتحدث هذا الداعية حديثاً يؤثر في موقف الحكومة الإيجابي من إتفاقية (سيداو).

ولكن تهللت أساريري وأنا أقرأ الأسباب التي ساقها هذا "الداعية" المسمى محمد علي الجزولي حول الموضوع، وذلك لعلمي وإدراكي التام بعدم مطابقة أي من الأسباب المُساقة، لحقيقة المواد الموجودة في الإتفاقية، وكأنما كان يقرأ صاحبنا هذا من إتفاقية غير التي نعرف وغير التي هي مبذولة على صفحات الانترنت!! على أنني وعندما مضيت في قراءة البيان، دخلت في حالة بين الحزن والفرح، الحزن لأن حالة بعض الدعاة الإسلاميين في بلادي أصبحت كمثل حال صاحبنا، والفرح لأن مثل هذا "الداعية" أو المُدَّعي في حقيقة أمره، مفارق في المعرفة للدعاة العارفين، العلماء الخاشعين، الذين يخشون الله ويسبحونه في الغدو والآصال، وبالتالي فهو لن يضر الدين الإسلامي بشيئ كما لم ينفعه!


أولاً نأتي لبيان خطل ما ذهب إليه محمد علي الجزولي، وأسمحوا لي أن أناديه كذلك دون ألقاب لأنه لا يستحقها، وسآتي لاحقاً لتبيان أسبابي في قول أنه لا يستحق هذه الألقاب.

بدأ البيان بخطاب عاطفي ساذج ولكنه ممعن في السطحية، حيث قال ( في شهر رمضان والأمة صائمة عن الحرام...الخ) أي حرام صامت عنه الأمة يا هداك الله؟! هل هذا القول ينطبق على حقيقة الصيام ومبتغاه وأهدافه؟! هل هذا القول موافق للتعاليم الدينية نفسها ولمبدأ التدُّين؟! الأمة صائمة يا هداك الله عن كثير من الحلال، فكيف صيّرت الطعام والشراب والعلاقة بين الزوج والزوجة حراماً؟! هذه أبجديات يدرسها طلاب المدارس الابتدائية وقد قال بعض العلماء الصوم هو عبارة عن الإمساك عن أشياء مخصوصة، في زمن مخصوص، من شخص مخصوص، بنية مخصوصة. ولم نسمع بأن الصوم هو عن الحرام! أفإن كان صوم الأمة عن الحرام في رمضان فكيف يكون حال الفطر؟! إنني أكاد أن أرسم وجوهاً ضاحكة هزواً من هذا التعبير الفطير الأجوف.

الأمر الثاني وهو المتعلق بما سماها الجزولي مخالفات سيداو للشريعة، فقد قال إن المخالفة الأولى متعلقة بالمادة الثانية التي تنص حسب قوله على: إنه يجب على الدول الموقعة إبطال كافة الأحكام واللوائح والأعراف التي تميز بين الرجل والمرأة من قوانينها ، حتى تلك التي تقوم على أساس ديني فجعلت الحاكمية لنصوص الاتفاقية على قوانين الشريعة الإسلامية وأوجبت على الدولة الموقعة تبديل قوانينها وإن كانت مستمدة من دينها لتتوافق مع بنود الاتفاقية.

في حقيقة الأمر أن هذه المادة لم تذكر فيها كلمة دين على الإطلاق، بل إن الاتفاقية نفسها لم تورد كلمة الدين مطلقاً! وإن كان صاحبنا يريد أن يلوي عنق اللغة ويقنعنا أن الكلمات التي يمكن أن تشبه له كلمة (الدين) مثل الأعراف، أو الممارسات أو حتى كلمة تشريعات، فسيكون هذا شأن آخر، شأن سيورطه مع الأعراف والتشريعات والممارسات التي يعتبرها هو نفسه كفر بواح! فكيف يستقيم أن يعرِّف الدين من ناحية وكأنه موافق لأعراف أو تشريعات أو ممارسات، وفي نفس الوقت يرفض أعرافاً وتشريعات وممارسات أخرى وأيضاً بدواعي وإدعاءات يقول هو نفسه أنها دينية؟! لا اعتقد أن صاحبنا يريد الخوض في مثل هذا ولا اعتقد أن هذا الأمر يحتاج إلى كثير تفسير أو اسهاب أو توضيح فاللبس فيه واضح وضوح الشمس، فإن كان هذا الالتباس مقصوداً فقد بيَّنا خطله، وإن كان غير مقصود فيمكننا تجاوزه.

ويقول صاحبنا كذلك إن المادة الثالثة من الاتفاقية تدعو لرفض تفريق الشريعة بين دور الرجل والمرأة بالعدل وإعطاء كلٍ منهما حقه، والمطالبة بالمساواة المطلقة، والمطالبة برفض أحكام الشريعة في الزواج كإعطاء المرأة مهراً، وجعل الطلاق بيد الرجل، ووضع عدة للمرأة، وتقسيم الميراث. وإليكم نص المادة الثالثة حتى يقارنها كل ذي عقل مع ما قال صاحبنا. المادة 3: تتخذ الدول الأطراف في جميع الميادين، ولا سيما الميادين السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، كل التدابير المناسبة، بما في ذلك التشريعي منها، لكفالة تطور المرأة وتقدمها الكاملين. وذلك لتضمن لها ممارسة حقوق الإنسان والحريات الأساسية والتمتع بها على أساس المساواة مع الرجل .أي هرج ومرج فعله هذا الرجل مع نص المادة، وأين قالت هذه المادة بعدم إعطاء المرأة مهراً أو تحدثت عن العدة، بل أين جاءت كلمة( المساواة المطلقة) التي قال بها في محاولة لاستفزاز مشاعر الناس الدينية؟! إن الحديث عن الدين يحتاج معرفة حقيقية بجوهر الدين لا محفوظات يلقيها الحافظ على أسماع الناس ويفسر فيها بما يشاء! إن إحدى أساسيات الدين وجواهره هي الحكم بالعدل(وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ) الآية. وهذا الرجل لم يعدل لا في تخريجه ونقله لهذا النص ولا حتى في تفسيره لمعنى دور المرأة والرجل في المجتمع! إن المادة تقول بكفالة تطور وتقدم المرأة وتنادي بتمتعها بالحقوق والحريات الأساسية على أساس المساواة مع الرجل. هل يفهم صاحبنا ما هي الحقوق والحريات الأساسية؟ لا أظن ذلك.

ويقول الجزولي إن المادة السادسة من الاتفاقية تبين عدم معارضة عمل النساء في الدعارة لحساب أنفسهن! بشرط عدم استغلالهن من الآخرين !!

وليقرأ من يريد نص المادة 6: (تتخذ الدول الأطراف جميع التدابير المناسبة، بما في ذلك التشريعي منها، لمكافحة جميع أشكال الاتجار بالمرأة واستغلال بغاء المرأة(. تالله إنني أتمنى أن أدخل في عقل هذا "الباحث الهمام" لأعرف كيف قرأ هذا النص وكيف حشره حشراً في ظنونه الذاهبة لعدم معارضة عمل النساء في (الدعارة)، بل إن ظنونه حدثته أن هذه المادة تدخلت حتى في تقسيم الريع الجسدي والمالي العائد من الدعارة، بحيث يذهب كله لها ولا يتم استغلالها من قبل الآخرين لا جنسياً ولا مادياً!

ويقول الجزولي إن المادة العاشرة من الاتفاقية تدعو لنشر الثقافة الجنسية بين الأطفال بحجة حقهم في المعرفة !!.

الآن تأكد لي أن هذا الرجل يقرأ نصاً آخراً غير النص الموجود بالأمم المتحدة، ومع إيماني بأن نشر الثقافة الجنسية يمكن أن يتم بمنهج علمي واعي، فإنني لابد أن أفضح الفهم القاصر لهذا الرجل، فالنص العاشر الذي افترى عليه يحدثنا عن المساواة في التوجيه الوظيفي والمهني، وهذه سبق فيها السودان عدداً كبيراً من الدول بعقود، كما تتحدث عن التساوي في المناهج الدراسية والامتحانات والمواد الدراسية، وتشجيع التعليم المختلط والتساوي في فرص الإعانات والمنح الدراسية، وخفض معدل ترك الطالبات للدراسة.. وهذا يأخذ الحيز الأكبر من المادة، فإن كان صاحبنا يقصد الفقرة (ح) من هذه المادة، فهي تقول نصاً: (10/ح/ إمكانية الحصول على معلومات تربوية محددة تساعد على كفالة صحة الأسر ورفاهها، بما في ذلك المعلومات والإرشادات التي تتناول تنظيم الأسرة.)، والحال كذلك، فما العيب في أن تحصل النساء على معلومات في تنظيم الأسرة والإرشادات التي تعين على كفالة صحة الأسرة ورفاهها؟ أي عقل يفكر داخل رأس هذا الرجل، وأي ملاك يحرس أفكاره العظيمة؟!

ويقول الجزولي إن المادة الثانية عشر تدعو للانحلال وشرعنة العلاقات الجنسية المحرمة من خلال التعهد بتقديم الخدمات الصحية للنساء من توليد وإجهاض دون اعتبار لكونها متزوجة أو غير متزوجة !!

وساكتفي هنا بإيراد المادة حتى لا أرهق القارئ ب(طشيش) الكلام:
المادة 12
1. تتخذ الدول الأطراف جميع التدابير المناسبة للقضاء على التمييز ضد المرأة في ميدان الرعاية الصحية من أجل أن تضمن لها، على أساس المساواة بين الرجل والمرأة، الحصول على خدمات الرعاية الصحية، بما في ذلك الخدمات المتعلقة بتنظيم الأسرة.

2. بالرغم من أحكام الفقرة 1 من هذه المادة تكفل الدول الأطراف للمرأة خدمات مناسبة فيما يتعلق بالحمل والولادة وفترة ما بعد الولادة، موفرة لها خدمات مجانية عند الاقتضاء، وكذلك تغذية كافية أثناء الحمل والرضاعة.

ساكتفي بهذا القدر من الاقتباسات لكي لا أطيل على القارئ، وكي لا أروِّج لكلمات لا تستحق حتى مجرد ذكرها وردت في البيان الذي أصدره هذا الجزولي، ولكنني في خاتمة هذا المقال، سأحاول أن أفي بالوعد الذي قطعته على نفسي في مقدمته، والخاص بقولي إنني لا أرغب في إيراد أي ألقاب للجزولي كونه لا يستحق لا لقب داعية، ولا لقب دكتور، أما الاسم فهو سالم..!! فالرجل في خضم فورته وفورانه وغضبته المُضرية، أتى بجريمة منكرة في حق اللغة والقرآن والتفسير، فقد قال(لم تستفد الانقاذ من تجاربها السابقة في تقديم التنازلات خاضعة ذليلة لابتزاز الوعود السراب فلم تتعظ ببقيعة المفاصلة وابعاد القيادة التاريخية للحركة الإسلامية ولم تتعظ من بقيعة نيفاشا والتوقيع عليها ولم تتعظ من بقيعة قبول القوات الهجين ولم تتعظ من بقيعة التقرب والتزلف والتبعية لمحور أبوظبي الرياض ولم تتعظ من بقيعة رفع العقوبات الأمريكية كل تلك المحطات حسبها ظمآن الانقاذ ماءا فلم يجدها شيئا !!) انتهى الاقتباس الذي حملته كما هو نسخاً ولصقاً. في أول الأمر سألت نفسي، ماذا عنى الجزولي بكلمة(ببقيعة)، وعندما مضيت في القراءة جفلت للحظة من فهمه للكلمة لأنه كررها مع إضافة حرف الجر من- مع أن الباء حرف جر-، ثم ذهبت في القراءة فتكرر حرف الجر من، وختم عبارته باقتباس من الآية القرآنية الكريمة: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ) ففهمت حينها أن كلمة(بقيعة) يعني بها صاحبنا كلمة(قيعة) ولكن لأن الجهل في بعض الأحيان يستبد بالناس ويجعلهم يشعرون أنهم يعلمون، ولأن من لا يعرف لا يعلم أنه لا يعرف، ولأن من يغرف يظن أن غرفه كله يصادف الحقائق، فقد وقع الجزولي في الشراك التي يريد أن ينصبها للناس!! شراك الجهل بالدين والإسلام والقرآن والتفسير، واللغة العربية التي هي أساس المعرفة الدينية. إن كان الجزولي لم يقرأ أفلم يتابع ويلازم من قرأوا؟!! لقد أتى صاحبنا شيئاً إدّا!! يقول العلامة بن كثير في تفسير الآية/المثل مروراً بكلمة(قيعة): (فهو للكفار الدعاة إلى كفرهم، الذين يحسبون أنهم على شيء من الأعمال والاعتقادات، وليسوا في نفس الأمر على شيء، فمثلهم في ذلك كالسراب الذي يرى في القيعان من الأرض عن بعد كأنه بحر طام. والقيعة: جمع قاع، كجار وجيرة. والقاع أيضا: واحد القيعان، كما يقال: جار وجيران. وهي: الأرض المستوية المتسعة المنبسطة، وفيه يكون السراب، وإنما يكون ذلك بعد نصف النهار. وأما الآل فإنما يكون أول النهار ، يرى كأنه ماء بين السماء والأرض ، فإذا رأى السراب من هو محتاج إلى الماء ، حسبه ماء فقصده ليشرب منه ، فلما انتهى إليه ( لم يجده شيئا ) ، فكذلك الكافر يحسب أنه قد عمل عملا وأنه قد حصل شيئا ، فإذا وافى الله يوم القيامة وحاسبه عليها ، ونوقش على أفعاله ، لم يجد له شيئا بالكلية قد قبل ، إما لعدم الإخلاص ، وإما لعدم سلوك الشرع) انتهى الاقتباس من تفسير بن كثير.

على أن تفسير بن كثير يوافي بغير قليل حال صاحبنا الذي حسب أنه أصاب ماء، وظن أنه قبض قبضة ثمينة، فوجد الريح تجري من بين يديه، أفلا يستحق لقب المُدَّعي؟!


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
//////////////////