لم تعد المبررات التي سقتموها للإنخراط في الحكومة موجودة، ولم يعد بقاؤكم فيها إلا لغياب النفس اللوامة بينكم، إن هذا ليس فقط لعدم إنفاذ مخرجات الحوار المزعوم، فهذا قد خبرنا أمره وكشفنا سره على قول صلاح أحمد إبراهيم، لا..لا، بل لأنكم تتحملون الآن وزر أخطاء الحكومة وسوء تدبيرها وفسادها في الاقتصاد والسياسة والقانون! هل هناك مسوِّغٌ لبقائكم في كنف نظام لا يأبه لكم ولا يعيركم إلتفاتة؟! هل قلت النظام؟.. ما هو موجود الآن كومة قمامة، أنتم تقبعون في الدرك الأسفل منها، مثل الديدان التي تقتات من بقايا القاذورات والفضلات المتعفنة في قاع (كوشة) قديمة. كيف تصابحون أهلكم وجيرانكم؟ وأنتم تعلمون أنهم يكابدون لشراء رغيف للخبز يكفي وجبة واحدة لأسرة ممتدة! كيف تقابلون سائق السيارة الفارهة التي تُقلَّكم للعمل، وعامل القهوة البسيط الذي يضع لكم ملعقة السكر، في الوقت الذي تعبث في ذاكرته خيارات الأمس، بين شراء كيلو منه بمبلغ 24 جنيهاً، أو رطلين من الحليب كي يشربه أطفاله مساءً؟! كيف تنظرون في وجوه كل هؤلاء وعيونهم تقول لكم..أيا ظلمة.. أيا سارقي قوت الشعب وشركاء المجرمين؟! لن تجادلوهم لأنهم لن يسألونكم، ولن تجيبوهم، لأن أي إجابة منكم لن توفر لهم قوت يومهم!

إنكم تعلمون علم اليقين إن وجودكم في هذه الحكومة لا يتعدَّى حفنة جنيهات تتقاضونها آخر الشهر، وليس لكم فيها إلا أسماء رباعية على قوائم المُرتبات والبدلات والحوافز! هل لكم من سلطة؟ إن كنتم تظنون ذلك فليحاول أحدكم إعمال سلطته بمقابلة المعتقلين في زنازين النظام كي يعرف أحوالهم..لا نطلب منكم إطلاق سراحهم فهذه كبيرة عليكم. هل الاجتماعات في القاعات ذات المقاعد الوثيرة هي ما يبقيكم؟ فلتنظروا إن كان يؤخذ برأيكم في القرارات الكبيرة والمؤثرة، ودونكم سيرة تحرير دقيق القمح وقرارات بنك السودان الأخيرة وإعلان احتكاره تصدير الذهب.. هل سمع أحدكم بها إلا من خلال الوسائط الاجتماعية؟ ربما علم بها موظف التلفزيون ومحرر وكالة سونا قبل أن تغادروا باب الوزارة أو البرلمان! لكنكم في نظر أصحاب القرار أقل شأناً من أن تُشاروا وتشيروا. أخرجوا منها فهي وبال، وفارقوها ودعوها فإنها مُنتنة، لعل في ذلك ما يريح ضمائركم وينقذ ما تبقى من الوطن المنهار.

وللمؤتمر الشعبي أقول: أنتم الآن مُحاكمون أكثر مما مضى، فالذي في الذاكرة من التسعينيات ربما يُحسب في عداد الأشواق والآمال العريضة والتوقعات العظيمة، التي سيطرت على عقولكم وجعلت إخوانكم يستبسلون في غابات الجنوب، وربما يُعدُّ في سبيل الإيمان المطلق بتوجُّه القائد المُلهم وصدقه في مشروعه، ولكن الذي ينمو الآن وتسقونه بالإذعان وتروونه بإشاحة النظر عن عدم إلتزام النظام بإتفاقاته معكم، ستكون طامته أكبر من الذي كان وجراحه أنكأ من أن تلتئم. ربما يتردد بينكم أن الناس سيحاسبونكم بما كان، هذا واردٌ جداً، بل مؤكد، ولكن الأكثر موثوقية أن غالبكم سيمسي مرتاح الضمير، لأنهم ببساطة لم يكونوا ضمن الطغمة المُسيطرة أو الثُلة المُتَّخذة لقرار، عامل السن والمقام التنظيمي والوضع التنفيذي يكسب. على أن الأكثر تأكيداً أن العدالة الجنائية لن تطال إلا من أجرم بشكل فردي في حق أحد أو تأكد بالدليل أنه سرق مالاً عام، أما العدالة السياسية فأنتم تعلمون أن ميزانها سيستقيم إن إتخذتم قراركم الآن، وقد فعلها شبابكم، وقرروا خوض مغامرة مواجهة النظام بأخطائه، فنالوا ما يناله الآخرون من سياط الحكومة بخراطيم المياه اللاهبة في الظهور، وبالاقتياد للمعتقلات جنباً إلى جنب مع من تظنون أنهم في الجانب الآخر. أنتم الآن مثل الرمال التي على سفوح الجبال البركانية، تغمرها الحمم وتذروها الرياح ولكنها تحسب في الصخور.. أما آن لكم أن تقوموا لقيادتكم لتثنوهم عن طريق الباطل، ومن ثم تحاولوا المساهمة في بناء مدماك في صرح الوطن المكلوم؟! ألا هل بلغت.. ألا هل بلغت.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.