إن كان ولابد لأمريكا من التعامل مع النظام السوداني، فلتذهب لخياراتها مباشرة دون المرور بالمحطات الصاخبة والمزدحمة، فالحديث عن حقوق الإنسان والديمقراطية من جانب نائب زير الخارجية الأمريكي الموجود في الخرطوم هذه الأيام، خصوصاً مع مثل هذا النظام يضع مصداقيتها على المحك! إن هيكل النظام وأيدلوجيته ومسيرته خلال ثلاثة عقود في السودان تتعارض كلية مع هذه المفاهيم فالنظام السوداني ينظر لهذه القضايا وكأنها تخدم أجندة المعارضين لا رفاه البلاد وتنميتها.
أذكر حديثاً لي مع المبعوث الأمريكي في جنيف خلال مداولات مجلس حقوق الإنسان(سبتمبر 2014) والذي كان محوره الغضب من مساندة أمريكا للسودان للخروج بقرار مريح للجانب السوداني، فقد كان يحاول اقناعي أنهم عاجزون عن التوافق داخل المجلس على استصدار قرار قوي يساعد الحكومة السودانية على الالتزام بمعاهدته الدولية في مجال الحقوق والحريات والديمقراطية، وكان مبرره لذلك العجز أن هناك الكتلة الأفريقية وأصدقاء للحكومة السودانية سيعارضون أي موقف قوي في المجلس تجاه السودان، لأنهم ك(كتلة تصويتية) سيسقطون مثل هذا القرار، وقد طرحت الوجهة الأمريكية على أحد مبعوثي الدول الأوربية الصديقة لأمريكا متسائلاً عن صحة هذا المبرر، فكان رده، إن أمريكا لو أرادت، ستجعل قراراً قوياً تجاه السودان أمراً ممكناً، فالأمريكان في رأيه ينالون قسطاً من أدوات الضغط على الدول المعنية- خصوصاً المجموعة الأفريقية-، يجعل إمكانية معارضتها أمراً عسيراً!
رفعت أمريكا العقوبات الاقتصادية عن السودان خلال الشهور الماضية بإدعاء مفضوح ومكذوب مفاده أن المسارات الخمس الموضوعة على طاولة الحكومة السودانية من الجانب الأمريكي- ليس من ضمنها ملف حقوق الإنسان- تواجه تحسُّناً، على أن الحكومة الأمريكية قالت في أكثر من محفل إنها تهتم بملف حقوق الإنسان وتضعه كمتلازمة ضرورية لاختبار جدية الحكومة السودانية في التحول نحو الانفتاح والمرونة، ولكن يبدو جلياً أن الجانبان الأمريكي والسوداني غير جادان في التعاون لتحسين هذا الملف؛ من الجانب الأمريكي فإن جديتهم كان يمكن أن تتمثل في وضع مسار حقوق الإنسان منذ البداية كمسار سادس بل أساسي لتغيير سياساتها تجاه السودان، ولكن ذلك لم يحدث وكأن المسارات الخمس التي حددتها حشدت الطريق بحيث لن يستوعب مساراً جديداً، وبهذا يتضح أن ملف حقوق الإنسان لم يكن البتة من أولويات الحكومة الأمريكية في التعامل مع السودان، فلماذا يصرخون الآن بضرورة تضمينه في محور مشاوراتهم لإزالة اسم السودان من ملف الدول الراعية للارهاب؟ أما الجانب السوداني فقد قلنا في أكثر من مجال إننا نتخوف من أن رفع العقوبات عن السودان لن يفيد البلاد لا على المستوى الاقتصادي ولا السياسي، إلا الحكومة الأمريكية نفسها، وإن النظام السوداني سيتأثر نفسياً من رفع العقوبات بحيث ينعكس هذا على مزيد من التعسف والانتهاكات في مجال حقوق الإنسان وقد كان!
إن الحكومة السودانية تعلم تماماً ما تريده أمريكا وهي على استعداد لتقديم أي تنازلات لتعطي أمريكا ما تريد، وهي فعلت وتفعل الآن، فقد كان أهم تصريح لوزير الخارجية السوداني عقب لقاء مع نائب وزير الخارجية الأمريكي في الخرطوم نقلته صحيفة سودان تايمز الإلكترونية: ( نحن ملتزمون بعدم وجود أي علاقات تجارية أو عسكرية مع كوريا الشمالية.. السودان يتطلع لأن تكون شبه الجزيرة الكورية خالية من الأسلحة النووية). ولكن المسؤول السوداني لم ينبس ببنت شفة فيما يتعلق بملف حقوق الإنسان خلاف المسؤول الأمريكي، وكأن الاجتماع لم يضمهما سوياً! على أن زُبدة اللقاء يمكن أن تستنبط من فحوى التقرير الذي نشرته الصحيفة المذكورة وهو أن المباحثات تناولت فرص ومجالات التعاون الثنائي في العديد من الجوانب الإقتصادية والفنية والثقافية، وأقرت ضرورة مواصلة التنسيق والتعاون على الصعيدين الإقليمي والدولي في القضايا محل الإهتمام المشترك.
نحن نعلم أن الجوانب الاقتصادية شأن مهم بالنسبة لأمريكا في زيادة تعاونها مع السودان، والجوانب الفنية المرصودة في التقرير لا تقل أهمية عن الجوانب الاقتصادية باعتبار أنها مدخل مهم للتعاون الاستخباراتي والمعلوماتي علاوة على أنها تفتح السوق السوداني لأي "بضاعة" أمريكية. على أن الجوانب الثقافية المذكورة ستكون محل حيرة بالنسبة لنا كما بالنسبة لعدد من المحللين والمراقبين، فأهم جانب ثقافي أمريكي مُلهم لنا يتمثل في سيادة حكم القانون والديمقراطية وإشاعة الحقوق، وهذه هي الثقافة الأمريكية التي نتطلع لها، فإن كانت المباحثات أكدت على التعاون في الجانب الثقافي دون استصحاب هذه المفاهيم فإننا نؤكد لأمريكا أننا نلبس الجينز ونأكل البيرقر وبالتالي لا حاجة لنا بهم على هذا الصعيد لذلك فإن سعيهم مشكور!


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.