حسناً فعل السيد رئيس الجمهورية بإيحائه عدم نيته الترشح مرة أخرى في الإنتخابات القادمة والمقرر قيامها في العام 2020، ونقول حسناً فعل لأنه بذلك أثبت رؤيتنا القديمة المتجددة، وهي وصفنا له في أكثر من مناسبة، خصوصاً مع المقربين والخاصة، بأنه من ضمن أكثر السياسيين السودانيين ذكاءً خلال الثلاثين عاماً الماضية، فقد قلناها إن مما كسبه وبرع فيه الرجل بخلفيته العسكرية النجاح في التخطيط الإستراتيجي ووضع التاكتيكات المناسبة للحادثات المختلفة. لقد نجح البشير في اجتياز العديد من المصائب والمصاعب بذكاءٍ يُحسد عليه، وأول ما نجح فيه هو وصوله لسُدَّة الحكم، بموافقة ورضا كامل من حلفاء العسكر في إنقلاب الإنقاذ(1989)، وهم حزب الجبهة الإسلامية، بعد أن كان حسب روايات عديدة، رقم اثنين أو ثلاثة في القيادة العسكرية؛ ثم تلا ذلك مواجهته "محنة" ابتعاد العديد ممن حملوا معه راية الحكم في سنواته الأولى- مجلس قيادة الثورة- من المشهد السياسي برُمَّته واحداً تلو الآخر، في مشهدٍ ميلودرامي يهز أعتى البشر، فكيف استطاع شخص أن يتحمل انسلال عصبته ومسانديه والمقربين من حوله ليستمر ويبقى وحيداً أو يكاد؟! فالطائرات حصدت أكثر من خمسة منهم في حوادث متفرقة، والمرض والسن أقعد عديدين، وأتى الإنقسام على الآخرين، وآثر بعضهم الدخول في عُزلة مجيدة الله أعلم بأسبابها.

ثم أتت مرحلة انقسم فيها النظام الحاكم لجزءين، كان نصيب السيد الرئيس الأكثر براغماتية فيهم والأنشط في العمل التنفيذي والأمني بينهم، فزادوا من قوته وعضَّدوا من حكمه، هذا على الرغم من أن الطرف الآخر كان على قيادته رجل الحركة الإسلامية القوى وناظم عقدها التنظيمي والفكري والسياسي الدكتور حسن الترابي. وفي خضم تلك الحالة المائية والهشاشة التي أصابت النظام بسبب الإنقسام، ظهرت بوادر صُلح مهدت له إتفاقية ميشاكوس(2003)، وهو صلح بين النظام وأكبر كُتل المعارضة- الحركة الشعبية لتحرير السودان- بقيادة الدكتور جون قرنق، والتي خاضت حرباً ضروساً مع المركز لأكثر من عشرين عاماً، قبل أن تحتكم لتفاهمات سياسية أُبرمت بموجبها إتفاقية نيفاشا (2005)، وهي التي عزَّزت من وجود الرئيس البشير وحسمت أمر استمراره مع إذعان للحركة المعارضة بمجملها لهذا الإتفاق، كونه سيوقف الحرب من ناحية وبرضا دولي كامل، ومن ناحية أخرى سيُوجِد لحليفهم في (التجمع الوطني الديمقراطي)، موطئ قدم في الحكم لم يسبق للإنقاذ أن سمحت به منذ مجيئها لا سلماً ولا حرباً، بل ذهبت بعض أطراف المعارضة، لتجلس في برلمان نيفاشا وتَحكُم وتُحكَم تحت أمرة نفس النظام الذي كانت ترفضه وحملت لأجل إسقاطه السلاح! أليس هذا نجاح آخر يضاف للبشير ومن معه، أن يجمع فرقائه تحت جناحه طائعين مختارين، ويجعل منهم جزءاً من حكمه الممتد ويجعل منهم سنداً لشرعيته؟! على أن أكبر هدية من السماء جاءت للرئيس البشير بعد مقتل الدكتور جون قرنق في حادث الطائرة المشؤوم(2005)، وهو ما أثَّر على إستراتيجية الحركة الشعبية التي كانت تتجه نحو وحدة جاذبة- بحسب نصوص نيفاشا- كان أملهم منها وفيها أن يتولى قرنق الحكم في إنتخابات 2010، بعد أن استقبله ملايين من الشماليين الذين كانوا يشاهدونه فقط- ويا للمفارقة- عبر البرامج التلفزيونية (الجهادية) على هيئة قرد يرتدي قبعة! بذلك انتهى عهد كان يظن به البعض الظنون ويؤملون معه الآمال الكبيرة، عهد أن يكون هناك منافساً قوياً للبشير.
وبالرغم من صدور قرارات من المحكمة الجنائية الدولية بإعتقال الرئيس البشير(2008)، إلا أن ذلك لم يكن إلا هدية جديدة قدمها له المجتمع الدولي بأن التف حوله حتى خصومه من أمثال السيد الصادق المهدي والذي رفض المحكمة وقال إن أي محاسبة لسوداني يجب أن تؤخذ بيد القضاء الوطني، حتى ولو كانت لإتهاماتٍ بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية أو الإبادة حسب إدعاءات المحكمة بعد إنفجار دارفور(2003). وفاز البشير في إنتخابات 2010 بعد إنسحاب خصومه بدعاوى التزوير وعدم موافاة الإنتخابات للمعايير، وللغرابة، إن أحد الخصوم المنسحبين كان الأستاذ ياسر عرمان مرشح الحركة الشعبية، حليف الحكومة وخصمها في ذات الوقت، هذا رغم مساهمة الحركة الشعبية نفسها في سن القوانين التي تحكم الإنتخابات وتجهيزها للدُوُر وصرف الملايين على حملة عرمان ودعوة أحزاب المعارضة لمساندتها في مواجهة المؤتمر الوطني ومنازلة البشير. ولم يتوان السيد الرئيس عن الإطاحة بأقوى رجالات النظام فبدأ برجل المخابرات القوي صلاح قوش، وثنَّاها بالدكتور نافع على نافع وانتهى بالأستاذ علي عثمان وعوض الجاز وأذهب أسامة عبدالله وألحق بهم غازي صلاح الدين إلى آخر العقد الفريد، فأي رجل هذا الذي يقف في أرض المعركة مجندلاً الناس من حوله الواحد تلو الآخر؟!
على أن أكبر الانتصارات كانت في إنتخابات 2015، عندما وقف حزب المؤتمر الوطني منها بعيداً لأسباب لا يعلمها العامة، وتركوا الرجل يحارب وحده مع قلة من أهل الولاء، ورغم ذلك تجاوز البشير هذا المطب رغم مرور هذه الإنتخابات من فوق حواجز الأزمات الاقتصادية بعد ذهاب الجنوب(2011) ومآلات ذلك في (2012 و2013)، وتنكُّر دول الخليج، ومضايقات الغرب وأمريكا.
الآن يبقى البشير حتى العام 2020 إن مد الله في الآجال وبطُلت المعارضة عن مبتغاها بإسقاطه بالعنوة الجماهيرية أو العسكرية، وبالرغم من بروز أصوات تنادي بضرورة استمراره في الحكم- ربما حتى 2030- كما ألمح أحدهم إبان زيارة البشير الأخيرة لدارفور، إلا أنه قالها في أكثر من مناسبة بأنه لن يترشح مرة أخرى، وجاء في بعض مواقع الأخبار أنه: (( جدد تعهداته السابقة بالتخلي عن الحكم في البلاد مع نهاية دورته الرئاسية "الثانية" عام 2020، وتسليم السودان لخليفته خالٍ من الحروب، وذلك خلال إنعقاد المؤتمر السابع للإتحاد الوطني للشباب السوداني بالخرطوم(6 نوفمبر 2017)).
وتأكيداً لما ذهبنا إليه من ذكاء الرجل وتدبيره، إن قوله هذا جاء في منعطف يجب أن يُقرأ فيه الملعب السياسي بحذر في خضم تحولات إقليمية ودولية، فقد استطاع البشير وأجهزته في الحكم، جذب دول الخليج كافة بما فيها السعودية وقطر المتخاصمتان إلى خانة الحلفاء والداعمين، كما استطاع نظام البشير إقناع دول أوربا بأن السودان الحليف الأمثل لمكافحة الإتجار بالبشر والهجرة غير الشرعية، وخُتمت الآية برفع العقوبات الاقتصادية الأمريكية التي فُرضت منذ العام 1997 في خطوة غير مسبوقة من النظام الأمريكي، الذي عزا ذلك لتحسُّن في مسارات خمسة وضعتها الإدارة الأمريكية كشروط تُرفع معها العقوبات حال التحسُّن فيها. ألا تدعو كل هذه النجاحات لأن يتنحى البشير عن الحكم بعد أن يصل لواحد وثلاثين عاماً فيه حسوما ودون منازع؟ ماذا يريد الرجل بعد أن برهن إنه قادر على تجاوز كل أعدائه والكيد للمنقلبين من حلفائه؟ ماذا يريد بعد أن بلغ منتصف السبعين من العمر دون أن يجرؤ (أحد) أن يمس كرسيه؟ ماذا يريد بعد أن هزم المرض والتآمرات والإنقسامات ومحاولات الإنقلاب أو الثورة عليه؟ إن كان من محب للبشير فليؤيده على قراره الشجاع بترك الحكم للخليفة المناسب، فهو بذلك سيفسح المجال للدماء الجديدة، وسيرفع عن حزبه حرج الاكتفاء به دون غيره لعشرات الأعوام، وسيُلقم أعدائه حجراً بأن يسكتهم عن وصفه بالمستبد بالحكم، وسيريح باله وربما يعيش بقية حياته في هدوءٍ بعيداً عن أهوال الحكم ومسؤولياته وتبعاته الجسيمة.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.