بنهاية يوم 29 سبتمبر 2017، يكون الستار قد أُسدل على مداولات مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بجنيف، في دورته العادية السادسة والثلاثين (11- 29 سبتمبر 2017). وتأتي أهمية هذه الدورة بالنسبة للسودان لأن الخبير المستقل المعني بأوضاع حقوق الإنسان في السودان السيد أرستيد نونوسي قد قدم تقريراً مستفيضاً عن ما جرى خلال فترة توليه لهذه المسؤولية تحت البند العاشر من الإجراءات الخاصة(سبتمبر 2016- سبتمبر 2017). وقد أُختتمت مداولات المجلس في هذا الشأن بالموافقة على تجديد الولاية مرة أخرى لمدة عام كامل تحت نفس البند(10) حتى سبتمبر 2018، على أن يقدم الخبير المستقل تقريراً جديداً في الجلسة التاسعة والثلاثين في سبتمبر المقبل، يحوي سجل نشاطاته في هذا الخصوص خلال عام وعلى التوصيات الملائمة لتحسين أوضاع حقوق الإنسان في السودان.

من الملاحظات الجديرة بالنظر أن القرار الذي تمت الموافقة عليه بدون تصويت كان أقل حدةً بكثير في لغته من القرار السابق له(سبتمبر 2016) وقد اشتمل على 20 مادة، بخلاف سابقه الذي اشتمل على 29 مادة، ومن الملاحظات المهمة كذلك أن عدداً من المواد وضعت كما هي بدون تغيير يذكر، كما تم حذف مواد بالكامل من القرار السابق، ومنها المادة(7) التي حوت ملاحظات تحث الحكومة على مواصلة محاربتها لظاهرة الإفلات من العقاب وتحثها على عدم تدخل الحكومة في نشاطات المجتمع المدني. وقد وردت بديلاً عن ذلك المادة (10) التي تحمل لهجة مخففة فيما يتعلق بالاعتقالات التعسفية والاحتجاز لفترات طويلة للطلاب والمدافعين عن حقوق الإنسان والعاملين في المجتمع المدني وحرية المجتمع المدني وحرية التعبير وحرية التنظيم والتجمع السلمي والرقابة على الإعلام والصحف. وقد أغفل القرار الجديد ما كان مذكوراً في السابق من إيقاف للصحف والرقابة القبلية والبعدية ومنع صحفيين من الكتابة، واستعاضت عن ذلك بِحث الحكومة على الالتزام بالدستور والمعايير الدولية.
من الأشياء الجديدة في هذا القرار حث الحكومة على التصدي لإجراءات هدم وإزالة دور العبادة ومضايقة الزعماء الدينيين، وكذلك من الأشياء الجديدة النص في المادة(11) والذي أشار بضرورة إجراء تحقيقات في الإدعاءات الخاصة بانتهاكات حقوق الإنسان من جانب جميع الأطراف ومحاسبة مرتكبيها، وهو ما ينبغي أن يأخذ أولوية قصوى لدى حكومة السودان مع الوضع في الاعتبار أن جميع مؤسسات ومكاتب الحكومة يجب أن تلتزم بالمعايير الدولية وبتعهدات السودان بهذا الخصوص، وتضيف المادة 11 أن ذلك مطلوب حتى يحدث التحسن المنشود في بيئة حقوق الإنسان في السودان.
ومن النصوص المكررة خلال السنتين الماضيتين، النص الخاص بحث الدول الأعضاء في المجلس والمفوض السامي لحقوق الإنسان ووكالات الأمم المتحدة والجهات صاحبة المصلحة على مساعدة حكومة السودان في المساعدات الفنية وبناء القدرات تماشياً مع القرار الحالي، وذلك لتحسين أوضاع حقوق الإنسان في السودان. ومن المواد الجديرة بالاهتمام في القرار الجديد، المادة(19) والتي تقول بأن حالة حقوق الإنسان في السودان تحدد إنشاء الولاية(mandate) وتجديدها ونقلها بواسطة مجلس حقوق الإنسان لآلية أخرى، وفي هذا الخصوص فإن المجلس يحث حكومة السودان على التعاون مع الخبير المستقل والمفوضية السامية لحقوق الإنسان، وأصحاب المصلحة الآخرين الذين يرون أن التحسين المستمر والمطرد في حالة حقوق الإنسان في السودان من شأنه أن يسهم في انتقال الولاية في نهاية المطاف من ولاية الخبير المستقل إلى آلية أخرى مناسبة لحقوق الإنسان تابعة للأمم المتحدة. هذه المادة تنبئ بتطورات قد تحدث في شأن ولاية الخبير المستقل الخاص بالسودان واحتمالية نجاة السودان من بند الإجراءات الخاصة في العام القادم في حال تعاونه الكامل مع المجلس، والجدير بالذكر أن السودان ظل يتنقل دون انقطاع بين بنود الإجراءات الخاصة منذ عام 1993(البند الرابع والبند العاشر).
إن الخلاصات التي يمكن الإشارة إليها من خلال هذ النظرة العامة، إن مجلس حقوق الإنسان لازالت تعترضه التحديات، خصوصاً فيما يتعلق بتداخل المصالح السياسية للدول الأعضاء، فالسودان الذي يقع ضمن المجموعة الأفريقية(13 دولة داخل المجلس) ويقع كذلك ضمن المجموعة العربية(4 دول آسيوية بالإضافة لدولتين أفريقيتين هما مصر وتونس فالمجموع 6 دول عربية)، يجد دعماً كبيراً في السنوات الأخيرة، وهذا ما يجعل هناك صعوبة في إتخاذ قرارات قوية تجاهه، فالمجلس في عمومه يضم 47 دولة عضوة، وبعملية حسابية بسيطة يمكن التوصل إلى أن أكثر من ثلثه هم فعلياً يساندون السودان في ظل علاقاته الطيبة معهم حالياً، هذا بخلاف وجود دول أخرى داخل المجلس صديقة للحكومة السودانية مثل الصين وروسيا، ودول ذات مصالح آنية مثل الولايات المتحدة الأمريكية وبعض دول الإتحاد الأوربي.
على أننا لا نتجاهل الدور الكبير الذي يضطلع به المجلس رغم المصاعب التي تعتور مساره وأهدافه، فالقرار الحالي بشأن السودان مثلاً يجعل الحكومة السودانية تحت نظر للأمم المتحدة، ويؤسس لمراقبة لصيقة لممارساتها في مجال الحقوق والحريات، وفي حال فشل الحكومة السودانية في الالتزام بتعهداتها وبالمعايير الدولية في هذا الخصوص، فإنها تسبب حرجاً للدول التي تساندها والتي تدعي رعايتها لمسائل حقوق الإنسان حول العالم، كما يجعل بعض الدول عرضة لانتقادات المجموعات الحقوقية داخلها والتي تضغطها من أجل إتخاذ تدابير مناسبة في مواجهة الدول المنتهكة لحقوق الإنسان، إلا أن الأمر الأكثر فداحة هو الثمن الذي يمكن أن تدفعه دولة مثل السودان لكافة الدول التي تساندها في المحافل الدولية- دون استثناء- فأنظر عزيزي القارئ لقائمة الدول المساندة للسودان، فهل ترتاب لحظة في نواياها ومآربها من تلك المساندة؟!

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.