عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
برز مؤخراً جدلٌ كثيف اعتبره صحي ونوعي عن الأخلاق السودانية وماهيتها، كان سبب بروزه المباشر حادثة طرد ومنع مسؤولين حكوميين من حضور تشييع أيقونة النضال وشارته المميزة فاطمة أحمد، والتي شبَّهتها في مقالٍ سابق، بالكوكب الدرِّي الذي توقَّد من شجرة جذرها أسرة مباركة بشهادة مختوم عليها بختم الشعب السوداني، وساقها نساء سودانيات يُعجبن الناظرين بما ساهمن به في تربية أجيال مهمومة بترسيخ مفاهيم المساواة والحرية والديمقراطية والسلام.
على أن هذا الجدل شابته بعض الشوائب انتجتها بعض الأقلام التي حاولت أن تخلط عن عمد في أحيان، وعن سهوٍ وجهل في أحايين أخرى، بين ما دُعي (الأخلاق)، وعن ما هو متعارف عليه في إطار المعرفة الاجتماعية ك(قيم) وهو موضوع هذا المقال الذي انتحلت عنوانه من كتاب معروف للمفكر والكاتب والسياسي السوداني المرحوم الأستاذ الخاتم عدلان بعنوان( ما المنفى وماهو الوطن؟).
(الخواجات) في لُغتهم يفرقون بين هذين المعنيين بشكل واضح، فالأخلاق(Morals) تعنى لديهم معايير السلوك والمعتقدات والتي تحدِّد ما هو صواب وما هو خطأ بشكل شخصي محض. أما القيم (Ethics) بحسب ريتشارد بول وليندا إيلدر فهي منظومة فلسفية تنظم وتدافع وتوصي بما هو صحيح لتُحدِّد وتنهي عن ما هو خطأ. على أنني وجدت في أكثر المراجع والكتابات العربية الموثوقة تعريف واضح للكلمتين، فالخُلُق في تعريف قاموس المعاني: لغةً هو الطَّبع والسَّجيّة، واصطلاحاً هو مَيل الشَّخص إلى التصرُّف بطريقةٍ معينةٍ. والقيم هي: الفضائل الدِّينيّة والخُلقيّة والاجتماعيّة التي تقوم عليها حياة المجتمع الإنسانيّ ( هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا).
يمكننا تأكيد أن قاموس المعاني استقى المعنى المُشار إليه بعاليه للقيم من الآية القرآنية: (قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) سورة الأنعام الآية 161. ونفس الأمر ينطبق على معنى الأخلاق التي مصدرها(خُلُق) بضم الخاء واللام معاً، فقد وردت بهذا الرسم في موضعين من القُرآن: (وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ) سورة القلم الآية 4. أما الموضع الثاني ففي سورة الشُعراء: (إِنْ هَٰذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ( سورة الشُعراء الآية 137. أما المعنى الثاني فقد أوَّله المفسرون المسلمون بمعنى (الديِّن)، يقول بن كثير: وقرأ آخرون : ( إن هذا إلا خُلُق الأولين ) - بضم الخاء واللام - (دينهم وما هم عليه من الأمر هو دين الأوائل من الآباء والأجداد. ونحن تابعون لهم ، سالكون وراءهم ، نعيش كما عاشوا، ونموت كما ماتوا، ولا بعث ولا معاد). وأما الأولى فيقول بن كثير إن تفسير هذه الآية: (وإنك يا محمد لعلى أدب عظيم، وذلك أدب القرآن الذي أدّبه الله به، وهو الإسلام وشرائعه). ويضيف بن كثير: (حدثني على قال ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ) يقول: دين عظيم. حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن بن عباس، قوله: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ) يقول: إنك على دين عظيم، وهو الإسلام). نكتفى بهذا الجزء من تفسير بن كثير فهو يوضح المعنى بأكثر مما هو مُراد.
إذاً هناك تقارب في التعريف بمعنى الكلمتين(أخلاق) و(قيم) بين مصدرين أحدهما من منطلقات فلسفية غربية/إغريقية، والآخر من منطلقات الفلسفة العربية/الإسلامية وبمرجعية دينية واضحة. خلاصة هذا التقارب إن الأخلاق تشمل الميل للتصرف بطريقة مُعيَّنة (صواب أو خطأ)، أما القيم فهي التوصية بما هو صحيح والنهي عن ما هو خطأ لتكون المحصلة هي(الفضائل) ويمكن القول مما سبق إن فضائل الأخلاق هي مكارم الاخلاق (إنما جئت لأًتمِّمُ مكارم الأخلاق) وهي عبارة بليغة في تركيبها، فإن حُذفت أي من الكلمتين(مكارم) و(أخلاق) فقدت المعنى المُراد.
وهنا يأتي السؤال: كيف يجوز لنا أن نقول إن هذه أخلاق سودانية وهذه أخلاق غير سودانية؟! فإن كانت الأخلاق نفسها تشمل ما هو صحيح وما هو خطأ، فإن تركيب العبارة نفسه خطأ(الاخلاق السودانية)، أو، لكي نجعلها صحيحة المعنى فلابد أن نُقرُّ بأنها تشمل ما هو صواب وما هو خطأ من فعل السودانيين. فبين السودانيين من يقطع الطريق على المسافرين في رمضان ليجبرهم على تناول الإفطار معه، وهذه أخلاق يمكن أن تكون بحسب فهم الداعي للطعام صواب، ولكن هذا المُجبر على تناول الطعام ربما يراها تجاوزاً لخصوصيته وبالتالي يعتبرها خطأ. كما أن بين السودانيين من يرى أن شُرب الخمر صواب، طالما أنه لا يعتدي على أحد ولا يرتكب جريمة في حق الآخرين، بينما يرى آخرون أن شُرب الخمر خطأ لأنه حرام ولأنه ممنوع بنصوص دينية وقوانين سارية؛ ونفس الأمر ينطبق على مكبرات الصوت التي تُستخدم للجلسات الدينية في المساجد، فالداعية الديني الذي يستخدمها ومن يحبون سماعه يرون أنها صواب لأنها توصل حديثه للناس حتى في منازلهم وعلى مضاجهم، بينما يراها آخرون خطأ لأنها تُزعج المرضى وتمنع الراحة عن من يريدون تناول قسط منها لأجل الذهاب للعمل أو الجامعة أو المدرسة أو أي واجبات أخرى.
كما يأتي سؤال آخر: هل يمكن القول إن هناك قيماً سودانية؟! في رأيي إن هذا لا يمكن أن يكون، ببساطة، لأن القيم وفقاً لما ورد من مصدرين مختلفين هي مبادئ عامة (الفضائل)، فالصدق قيمة، والأمانة قيمة..إلخ. يتفق على ذلك الناس بشتى أشكالهم وأجناسهم وأنواع دينهم ومشاربهم، سودانيون أو غير سودانيين. أما الكرم فيمكن أن يكون خُلُقاً والبُخل خُلُقاً كذلك، وعدم شُرب الخمر خُلُقاً، ومقارعته أيضاً خُلُق، ومفارقة الزنا خُلُقاً وملازمته كذلك...إلخ، وتتفق على ذلك مجتمعات سودانية وتختلف أخرى كما تتفق على ذلك مجتمعات غير سودانية وتختلف آخرى داخل هذه المجتمعات نفسها.
 من هذا يتضح جلياً إن تحديد الصواب من الخطأ يقع ضمن ما اتفق عليه بعض الناس في مجتمع معيِّن ويكون ذلك بالتوارث والنقل من جيل إلى آخر، فشُرب الخمر مثلاً يمكن أن يصبح في وقت من الأوقات مرتبط بمعاني الشهامة والقوة وبلوغ الرُشد، ويمكن أن يصبح في وقت آخر مرتبط بعدم المسؤولية والجهل، وهذا مثال حي يقول به تاريخ المجتمعات السودانية. على أن هذا الأمر أيضاً يُحكم بما يُسمى ب(القوانين)، فالقانون، في مسألة الخمر مثلاً، كان لا يُجرِّم شاربها كما ويُقنِّن ويوفق أوضاع صانعها وبائعها في السودان بل يضع له الضوابط ليقوم بعملية البيع والشراء في العلن، ولكن أتى زمانٌ آخر على السودانيين، أصبحت الخمر مخالفة للقانون، ويُعاقب شاربها وفق قوانين مُعيَّنة(الشريعة الإسلامية وقوانين النظام العام) ويُجرَّم صانعها وبائعها وفقاً لقوانين مُخصَّصة لهذا الفعل، وضعتها فئة تؤمن بأن هذا في مصلحة المجتمع!
أما قيمة الصدق وقيمة حفظ الأمانة مثلاً، فهما مصانتان في جميع الأحوال ويمتنع المجتمع عن تجاوزهما حتى وإن كانت القوانين لا ترعاهما. في المجتمع السوداني حدثت تحولات كبيرة على مستوى التشريعات والقوانين من فترة سياسية إلى أخرى، وارتبطت هذه التحولات بأيدلوجيا المُشرِّع وما يريد أن يطبقه على المجتمع وفقاً لما يفهمه لمعنى الصواب والخطأ. ولكن المشكلة الحقيقية التي كانت دائماً ملازمة للتشريعات والقوانين المختلفة، هي في الخلط الكبير بين الأخلاق والقيم، ما يجعل فهم المُشرِّع للصواب والخطأ هو الذي يحكم المجتمع، لا الفضائل التي يسعى المجتمع ويرنو لأن تسود فيه. 
وبالرجوع إلى حادثة طرد المسؤولين الحكوميين، نجد أنها تقع تحت طائلة الأخلاق، مطلق الأخلاق، صوابها وخطأها، لا الأخلاق التي يختص بها السودانيون، فليس للسودانيين أخلاق متفق عليها طالما أن بعضهم رآها صواباً في حين اعتبرها آخرون خطأ، وهذا ما أكَّدته الحادثة، كون أن المشاركون فيها سودانيون والرافضون لها أيضاً سودانيون. وبالتالي لا يمكن اعتبارها قيماً، أولاً لأن مفهوم (القيم) لا ينطبق على هذا النوع من الحوادث فهي مما يُرجَّح أنه صواب لدى البعض، في حين يُرجِّح بعضٌ آخر أنه  خطأ، والقيم (فضائل) تنحو للصواب في كل الأحوال. وثانياً لأن السودانيون، عموم السودانيين، ليست لهم قيماً خاصة بهم، فالقيم عامة لكل البشرية وتأخذ صفة العالمية وتخص الإنسانية جمعاء.
وفي خاتمة هذا المقال، لابد من الإشارة إلى أن هناك أخلاقاً توارثها السودانيون وأصبحت سمة عامة لدى غالبيتهم، فالتعفُّف وعدم السؤال والإباء والأنفة وتفادي اللزوجة(بالدراجة ألأ يكون الشخص لايوقاً) مثلاً، يمكن أن تُعتبر من الأخلاق السائدة لدى السودانيين ولكنها لا تقتصر عليهم؛ كما أن هناك أخلاقاً اكتسبوها وأخرى فقدوها بفعل الظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي اكتنفت حيواتهم، خاصة خلال العقود الثلاثة الأخيرة، وهي التي تحتاج للدراسة والبحث.  على أن مبادئ حقوق الإنسان التي جاءت ضمن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر من الأمم المتحدة في العاشر من ديسمبر 1948، وبما أنه كان وثيقة نتجت بعد إرهاق بسبب النزاعات والحروب وعمل طويل المدى واجتماعات متواصلة حضرها عدد كبير من ممثلي دول العالم، أصبح معياراً للقيم الإنسانية في العالم، وما جعله يتخذ صفة العالمية ليس فقط مجرد صدوره من هذه الهيئة، ولكن لأن من وضعه هم ممثلون لدولٍ من جميع جهات العالم وبالتالي هو يمثل رؤية عامة للبشرية لما يحمي الإنسان من حيث هو إنسان، كما تمت ترجمته لأكثر من 500 لغة حول العالم من أجل هذا الغرض.