رحم الله الشاعر المُبدع حُمّيد الذي تغنى لنعمة السودانية ورفع من مقامها وعزَّ مقدارها في أكثر من قصيدة، ورحم الله كل مُبدعي بلادي في شتى ضروب الفن والثقافة والمعرفة، فهم حاضرون بيننا بما صنعوه لوطنهم وما بذروه للأجيال من (تيراب وعي). على أن ثمَّة ضربٌ من الابداع جد مختلف، سارت إليه وبادرت به مع أخريات الرائدة الخالدة فاطمة أحمد رحمها الله وأنزلها المنزلة الحسنة، وهذا هو الاسم الذي يحلو لمحبيها وعارفي فضلها مناداتها به. فتثوير قضية المرأة كإنسان صاحب حقوق وواجبات في مجتمع لم يعِ لها دوراً بخلاف الإنجاب، هو ضربُ ابداعي مختلف بحق، لأنه يشبه ابداع المخترعين والمكتشفين، الذين لم يسبقهم لابداعهم أحد، ولم يرثوا مجدهم من آبائهم وذويهم بل صنعوه عنوة واقتدارا، ففاطمة التي نشأت في بيت عادي مثل بيوت أهل المُدن في السودان، أضحت (كوكب دُرِّي) للناس، والكوكب الدُرِّي في بعض التفاسير والمعاني هو كوكب مندفعٌ بالنور أو مضيء مبين وضخم. نعم، كانت فاطمة أحمد كوكب مندفعٌ بالنور ومضئ وضخم في كل لحظة من تاريخ حياتها، فمنذ نشأتها وهي مناضلة شرسة ضد كل أشكال تنميط المرأة وتدجين المجتمع، وليس أبلغ وأدلَّ على ذلك من موقفها بتحريض وتأليب الطالبات ضد مُعلمة المدرسة الانجليزية التي كانت تحاول جرَّهُن إلى التركيز على التدبير المنزلي والطبخ، وكما أوردت فاطمة نفسها عبر برنامج (رائدات) الذي بثته قناة الجزيرة في العام 2007، أن هذه المعلمة الانجليزية- كانت فاطمة طالبة في الثانوي- قالت لهن إن معشر البنات السودانيات غير مؤهلات ذهنياً لأي دراسة أخرى بخلاف الطبخ والتدبير المنزلي، وهنا قادت فاطمة أول اضراب نسائي في السودان وكان ذلك في العام 1949 بين طالبات مدرسة ثانوية، وهو ما اضطر المُعلمة الانجليزية للاعتذار وإرجاع كل الدروس من علوم وعلوم طبيعية ليدرسنها الفتيات. حوَّلت فاطمة قضية المرأة لقضية عامة تخص النساء والرجال معاً، وهذا من أبلغ الدروس المستفادة للحركة النسائية السودانية، وهو ما دعمها في خطتها لجعل المشاركة السياسية للنساء أمراً محسوماً لا جدال فيه، ورفع من مقدار النساء درجة في مجتمع كان ولا يزال يضعهن في موضع الهشاشة والاضطهاد والقهر. واستفادت فاطمة من المدرسة اليسارية في السودان، والتي تقوم في المبتدأ على عدم التسابق مع المجتمع أو انتظاره في الأمام، بل تسعى لأن تسوق هذا المجتمع خطوة بخطوة نحو ذلك (الأمام) وتعلمه وتتعلم منه، بحيث يصبح المجتمع مالكاً وفاعلاً في هذا العلم، لا مُجرد متلقي غير مُتفاعل.
ربما أخطأت فاطمة في تقدير بعض الأمور قليلاً، ولكنها أصابت في أمور أخرى كثيراً، ومن منا لا يُخطئ رجالاً كُنا أم نساء؟! وما بين الخطأ والصواب تجربة ثرَّة، تعلَّمت من خلالها النساء والفتيات معنى أن يكون لهن رأي، وأن يجادلن ويناقشن من أجل رأيهن هذا، وأن يخضن معترك الحياة ويتعلمن من دروسها.
بوفاة الأستاذة فاطمة انكسر مرق، ولكن بعد أن قامت شِعَبٌ وأعمدة تسند قفا هذا الوطن، وما أسعد فاطمة وقد رأت أن نضالها وعملها لم يضِع سُدى، وأن البنات بعدها خُضن غمار التعليم والعمل والمشاركة في حركة المجتمع في شتى المناحي، وقدمن نماذج مُشرِّفة يُشار لها بالبنان، فالنساء في بلادي انتزعن الحق في الحياة بمعناه الواسع، لا بالمعنى الذي يضعهن في موضع آلة تفريخ الأطفال؛ وعلى الرغم من أهمية هذا الدور، أي الدور الإنجابي للمرأة، إلا أن فاطمة وبنات جيلها جعلنه فرض كفاية إن قامت به بعض النساء فهذا لا يضير أخريات لم يقُمن به، ولا ينقص تجاوزه من كينونتهن شروى نقير، بل للأمومة دور محدود ضمن الطاقة الجبارة للمرأة، فهاهي فاطمة أحمد ابراهيم أم ووالدة، ولكن صيتها وشهرتها والحبر الذي دُلق عُقيب وفاتها ربط لماماً بينها وبين هذا الدور- أي دور الأم- وهذا دليل على أن طاقات النساء وعزيمتهن أكبر من أن تحدَّها الأمومة، وأبعد من ذلك إن كثيرات من النساء دلَّلن على أن معنى العزيمة والصبر والثبات يكاد أن يكون قد صُنع خصيصاً لمن كانت أُمَّاً وعاملة في نفس الوقت، ولنا أن نتخيل حجم الجهد الذي تقوم به المرأة العاملة الأُم، وللناظر أن يستشهد بالمجهود الذي تقوم به المرأة في المنزل في مجتمعاتنا التي لا زالت تقصر الأعمال المنزلية على النساء، وتحضرني في هذا لوحة هندية لامرأة لها أكثر من أثني عشر يد، تُبيَّن كيف أن المرأة تقوم بأكثر من دستة من الأعمال في المنزل في وقت واحد، ورغم هذا يأتي من يقول لك: المرأة غير العاملة! على أني زاعم بأن أكثر من 90% من النساء في هذا العالم هن عاملات بشكل أو بآخر، وبأجر وبدون أجر، وليبحث من أراد عن العطالة في مكان آخر.
رسالة أخرى رسَّخت لها فاطمة بين النساء السودانيات، وهي أن الاهتمام بسماحة الدماغ له قيمة لا تقل عن قيمة الاهتمام بسماحة الشكل، وكل ما زاد وعي المرأة، زادت وارتفعت قيمة الأول وعلت على الثاني، لذلك فإن عديدات من نساء بلادي انشغلن بسماحة الأدمغة بأكثر من انشغالهن بسماحة الوجوه، بل أكثرهن طفرن منتفضات عالمات وأديبات وإعلاميات وسياسيات ومعلمات للرجال والنساء، ولعل في هذا عظة لبعض الرجعيين وقصيري النظر كي يفهموا أن نبال النساء قد انطلقت من الأقواس، وأن كل محاولات ردَّها خائبة لا محالة، فهل من مُدَّكِر؟!


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
//////////////