كانت القضية الوطنية الأساسية في السودان (في أعقاب التحرر السياسي عام 1956) تتلخص في سؤال واضح وبسيط: كيف نستكمل عملية الاستقلال، فنتحرر من الجهل والمرض والفقر كما تحررنا من الاستعمار؟ أي أن الهدف الوطني آنذاك كان يتلخص في (كيف) تتمكن "النخب المتعلمة الحاكمة" من تعبئة الموارد الطبيعية والبشرية المتاحة وتدفع بها في اتجاه التنمية الشاملة، فتتقوى بذلك الجماهير المسحوقة وتنهض لتشارك في مسيرة التحرر والبناء.
وكانت أسئلة الاقتصاد الثلاثة المطروحة: ما السلع الضرورية (الى جانب القطن) التي لابد لنا من إنتاجها، وكيف يمكن انتاج تلك السلع، وكيف يتم توزيع عائداتها على السوية؟ وكانت ترد معها أسئلة السياسة الثلاثة: ما الاطار الدستوري الذى يحفظ حقوقنا الأساسية وينظم علاقاتنا العامة، وكيف نعبر عن تنوعنا العرقي والديني دون ان يؤدى ذللك لتهديد السلم الاجتماعي والوحدة الوطنية، وكيف نقيم علاقات خارجية متوازنة تراعى المصلحة دون تفريط في الانتماء؟ وطبيعي أن تستدعى الاجابة على هذه الاسئلة "منظورا" فكريا، وطبيعي أن تتعدد هذه المناظير والرؤى، وطبيعي أن تستدعى هذه الرؤى أطرا تنظيميةوحزبية وفئوية ونحوها مما يتوسل به لتحويل الافكار الى برامج عملية تلامس الواقع وتغيره. فنشأت الأحزاب العقائدية الى جانب التقليدية، وتكاثرت التنظيمات الفئوية والسياسية، وكان ذلك مفهوما ومقبولا باعتبار أنه يندرج في اطار (الوسائل) التي تقود الى (الهدف) الوطني العام.
ولكن ما أن انطلقت المسيرة السياسية، واشتدت حمى التنافس بين النخب، أو بينها وبين القوى الاجتماعية الأوسع، الا وصار (الهدف) الوطني العام يصغر ويتوارى، وصارت (الوسائل) التنظيمية/الحزبية/الفئوية تكبر وتتضخم لتتحول هي ذاتها الى أهداف وغايات. وصار "زعيم" الحزب والتنظيم أو الجبهة هو الأكبر وهو الأول والآخر، وصارت "الدولة" هي العصا السحرية التي يحلم كل فصيل بالإمساك بها، فاذا أمسكها هذا انكفأ عليها حتى تدركه القوات المسلحة، وإذا أمسكها ذاك انكفأ عليها حتى تدركه انتفاضة.
وهكذا، وبدلا من أن ينخرط الجميع في المعركة الوطنية الكبرى ضد الجهل والمرض والفقر والظلم، انخرط الجميع في معارك هامشية صغرى، تحشد فيها قوى اليمين ضد اليسار، لتوجه له ضربات تلصقه بالتراب، ثم يخرج اليسار من تحت الانقاض لينتقم من اليمين، ويسكت أنفاسه. وبدلا من أن يكون موضوع هذه المعارك ومضمونها هو كيفية اخراج الانسان السوداني من تحت حد الفقر ودفعه في اتجاه التنمية والرفاه، صار موضوعها علمانية الدولة أواسلاميتها، وعروبية الهوية أوافريقيتها. وأخذ كل فصيل لا ينشط الا في نحت مفردات الهجاء والشتيمة، ولا يستعد الا ليهشم رؤوس الآخرين، فدخلنا فيما يشبه حرب الكل ضد الكل، وهى الحرب التي لا يربح فيها الا تجار الأسلحة، ولا يموت فيها الا المستضعفون من أبناء الوطن. وترتب على ذلك بالطبع أن أهدرت الطاقات المادية والبشرية في تلك المعارك، وغابت الرؤية الكلية، وانزوت القيادات القومية، وانهارت المؤسسات التعليمية والاقتصادية الكبرى. ثم انتقل النزاع من مستوى النخب الى مستوى الجمهور، فانقسم الوطن الى قبليات وجهويات متناحرة، يحمل بعضها السلاح في وجه بعض، ويقيم بعضها في معسكراتتحت حماية دولية، ويهاجر بعضها في اصقاع العالم يبحث عن لقمة العيش والذهب في رمالها مدفون.
هذا الواقع المرير جعلنا نطلق الدعوة لإنشاء "الحركة الوطنية للتغيير"، مؤكدين في بيانها التأسيسي(28 أكتوبر 2013) على ضرورة التخلص من مثل هذا النهج السياسي العقيم، داعين فيه النخب الحركية الحية الى منهج جديد، ترد فيه السياسة الى مضمار القضايا الوطنية الكبرى، ويتخلص فيه كل فصيل من "الترسبات" النفسية الضارة التي تراكمت عليه بفعل من تلك المعارك الاستنزافية المدمرة، وتلتقى فيه عناصر من نشطاء المجتمع والسياسة والحقوق، سواء كانت هذه العناصر اسلامية أو يسارية أووطنية مستقلة عن هذين، على أن تكون هذه العناصر قد اتعظت بالتجارب السياسية الفاشلة، وخرجت من أطر العصبية الحزبية الضيقة، وأيقنت بضرورة الانفتاح على الآخر من أجل اعادة البناء الوطني، وانقاذ الانسان السوداني.
لقد رأينا أن حل المشكل السوداني المعقد قد يبدأ بحلحلة العقد المستعصية بين النخب، وازالة الحواجز بينها، وفتح قنوات التواصل، والدخول في محاورات أمينة وجادة، دون استعلاء من طرف على آخر، أو تخوين أو تكفير. فاذا انحلت هذه "العقدة"، وصار من الممكن أن تلتقى هذه الأطراف على مائدة مستديرة واحدة، وتتفق على رؤية وطنية عامة، و "حد أدنى" من الموجهات الاستراتيجية والبرامج العملية، فان هذا سيكون في ذاته "اختراقا" فريدا، وخطوة جريئة لتجفيف المستنقع الآسن، وكسرا لحاجز الخوف والكراهية المتبادلة، استعدادا للمعركة الأساسية والطويلة من أجل التنمية واعادة البناء.     
ولكن، وبدلا عن التوقف في مثل هذه المضامين الرئيسية التي حاولنا ابرازها في (البيان التأسيسي) توقف بعض المعلقين والنقاد عند قائمة "الموقعين" على البيان، ولم يتجاوزوها الا قليلا. وأكثر ما استوقفهم فيها أننا ندعو الى التعدد والعمل الوطني المشترك بينما ننتمى الى تيار واحد، هو التيار الاسلامي؛ فلماذا لا نسمى أنفسنا مثلا "الحركة الاسلامية للتغيير"، ونلم إلينا من يشبهنا من أشتات الحركة الاسلامية (الشعبيون والسائحون والاصلاح الآن وهلم جرا)، من باب أن الطيور على أشكالها تقع. والذى يقول بهذا كأنه يود أن يوحى من طرف خفى أننا نريد أن نخترع قناعا جديدا لنخفى تحته توجهنا الاسلامي، أو نتنصل فيه من ماضينا القديم. أو أنه لا يود أن يلاحظ أننا لسنا مجرد اسلاميين نسير على نمط التنظيمات الاسلامية، بقدر ما نحن "اسلاميون/ نقديون/وطنيون/ أحرار"، لا نتقيد باطار تنظيمي، وليست لنا صلة بمكتب ارشاد، أو بيعة لأمين عام. وقد درجنا منذ زمان على التفكير في الهواء الطلق، وعلى "كشف الأقنعة" الفكرية والسياسية، والوقوف الى جانب المستضعفين من جمهور الناس.
وغنى عن الذكر أننا من خلال هذا الموقف النقدي الحر، وعبر عملية الكشف والمصارحة والنقد الذاتي المرير، اتضحت لنا أمور كثيرة دفعتنا دفعا للدعوة للحركة الوطنية للتغيير. من تلك الأمور: أننا وإن كنا ممن عرف في الأدبيات المعاصرة بدعاة الاسلام السياسي، الا أننا نضع خطا فاصلا بين الاسلام السياسي (political islam) والاسلام السلطوي (authoritarian islam)؛ فدعاة الأول يجتهد أحدهم في أن يقارب أحكام الاسلام وقيمه من واقع الناس، ثم يشارك من خلالها في الحياة العامة، فيأخذ ويعطى، ويفوز في انتخاب ويسقط في آخر، معتبرا السلطة السياسية وسيلة من وسائل يتداولها الناس من أجل البناء الوطني، فينفتح بذلك على الآخرين، ويتنفس بصورة طبيعة في المناخ الديموقراطي الحر. أما في حالة النظام السلطوي فيتحول الاسلام (والاسلاميون) الى وسيلة يستحوذ من خلالها "حاكم فرد" على السلطة السياسية، فيجعلها غاية في ذاتها، ويجعل احتكارها والتشبث بها واجبا دينيا، فيسبب بذلك ضررا للمجتمع وللدين وللحركة الاسلامية التي تقف وراءه. وهذه هي اللوثة التي أصابت نظام الانقاذ، وهى اللوثة التي حاولنا كشفها وانتقادها، وهى التي جعلتنا نستصرخ العاقلين في الحركة الاسلامية لإدانتها والخروج عليها، وهى بالطبع التي قادتنا أخيرا للنظر خارج "أسوار الاسلاميين" ، لعلنا نجد من هو مثلنا من أحرار الفكر، ممن يؤرقهم الظلم، وتقض مضاجعهم جراح الوطن، ويجدون في أنفسهم القدرة والصبر على السير في دروب غير معبدة أو مطروقة- من أجل سودان جديد، ولم لا؟ (نواصل).