بسم الله الرحمن الرحيم

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضيَّة المنهج:

الجزء الثاني من هذا المقال يواصل تدبُّر كتاب ومقالات الدكتور محمد أحمد محمود وخاصَّة مقاله الأخير الذي نشره في شهر مايو المنصرم بعد أن أقدم شاب سوداني اسمه محمد صالح الدسوقي بتقديم طلب لمحكمة في أم درمان لتغيير ديانته على بطاقته الشخصيَّة من مسلم إلى لاديني.
وقد اعتبر د. محمد أحمد محمود أنَّ فعل محمد صالح الدُّسوقي هو أكبر تحدٍّ للحركة الاسلاميَّة وللإسلام نفسه داخل وخارج السودان، ودليل هزيمة لهما لأنَّ محمد صالح الدسوقي استطاع أن يحرِّر وعيه ويكتسب استقلاله الفكري في ظلِّ نظامٍ إسلامي وُلد ونشأ فيه وتعرَّض فيه لغسل دماغه فاستطاع أن يتحرَّر وينعتق من النظام العقائدي كمسلم برغم طغيان وغلبة الإعلام والمناهج الدراسيَّة الموجَّهة.

وقد خلص د. محمد أحمد محمود إلي أنَّ اللحظة التاريخيَّة الفارقة التي صنعها الدُّسوقي جعلته عَلَماً فارقاً ووجهاً ناصعاً لغدٍٍ ناصعٍ يجسِّده جيله وهو يحمل آمال الوطن وأشواقه لغدٍ محرَّرٍ من كلِّ أشكال القهر.

واعتبر د. محمد أحمد محمود أنَّ فعل الدَّسوقي أكثر جذريَّة وأصالة من غيره لأنَّه لم يترك الإسلام لينضمَّ إلى دينٍ آخر وأيضاً لأنَّه واجه النِّظام بشجاعة وطلب من محكمته أن تغيِّر دينه.

د. محمد أحمد محمود استنتج أنَّ فعل هذا الشاب بمثابة اللحظة التَّاريخيَّة التي تهدَّد الدَّولة الإسلامية منذ فترة المصطفي صلى الله عليه وسلَّم بكشف خوائها الفكري، وهشاشة مشروعها بتفضيلها لأن يعيش النَّاس كمنافقين على ألا يمسَّهم الحاكم بسوء تحت حكم الردَّة، بل واعتبر ذلك كابوساً ظلَّت الدَّولة الإسلاميَّة تخشاه وتتجنَّبه طيلة حياتها حتى أقدم الدُّسوقي على فعله هذا.

واعتبر د. محمد أحمد محمود أنَّ الدُّسوقي حمل على كتفه الهمَّ الكبير للوطن وقضيَّته الكبرى، وهي الحريَّة، بقراره المذهل والشجاع كفردٍٍ يثور على واقع النِّفاق والصمت والخوف من الإسلام، باعتبار أنَّ كسب نفسه أهمَّ من كسب العالم لأنَّ فيه واجباً أخلاقيَّاً يفرض عليه أن يكون صادقاً كلَّ الصدق مع نفسه، لأنَّ توقه لحريَّته يعني بالضرورة أن يعيش حياته وهو مُتَّحد الظاهر والباطن.

وأستشفُّ من كلام د. محمد أحمد محمود أنَّه يحمد لهذا الشاب شجاعته، والتي لم يستطع هو نفسه أن يظهرها رغم أنَّه حامل لواء الإلحاد في السودان، لأنَّه أعلن عن تخلَّيه عن دين الإسلام الذي نشأ عليه في بلاد الغرب حيث أمن من بطش وقهر الدَّولة والمجتمع، حسب قوله.

هذه الخطابة الجهوريَّة، ذات الكلمات الرنَّانة والمحمَّلة بالعاطفة، وذات النبوءة المستقبليَّة ذات الأهميَّة البالغة، والتي يعرضها الدكتور محمد أحمد محمود بيقين العارف الذي لا يدخله شك، بأنَّها ستغيِّر مصير أمَّة السودان وأمَّة الإسلام إلى الأبد، لا يسندها دليل، ولو القليل منه، فيه من صرامة العلم، أو حصافة العقل شيء، فقد جعل هذا الفعل الفردي لشاب في أوَّل شبابه أثراً تاريخيَّاً ضخماً جعله علامة فارقة في تاريخ الإسلام لم يسبقه إليه أحد خلال أكثر من ألف واربعمائة عام من المشككين والمكذبين والمرتدين عن دين الإسلام، فصوَّر الفعل كالرمح الذي اخترق قلب الإسلام فأرداه قتيلاً.

وأريد أن أُذكِّر بأنِّي أكتب رأيي معتمداً على تجربتي الخاصَّة في اختيار دين الإسلام منهجاً لحياتي، وعلى تخصُّصي في الطبِّ النفساني ابتداءً بمحاولة التعرُّف على نفسي وثانياً على ما يعتبر نفساً ذات عافية أو مريضة وسبل شفائها، وثالثاً إجابة السؤال: هل أنا بدعٌ من الخلق وحدي؟ ولذا لا أستطيع أن أعمِّم معرفتي بنفسي كمعرفة للإنسان في جوهره فأعمَّمها على الآخرين؟ أم أنَّني أمثِّل عينة للإنسان عامَّة يشارك طبعه ومكوِّناته؟ وهل معرفة العافية النَّفسيَّة والمرض النَّفسي عند الآخرين يوسِّع من معرفتي لنفسي كأن يعرِّفني على نقاط الاختلاف والالتقاء معهم، أم يعلِّمني أنَّ جوهر الإنسان واحد ولكن قد تكون له ألوانٌ مختلفة؟

هذا هو السؤال العلمي الأوَّل في أي بحث يبتغي علميَّة المنهج إذ أن تعميم أو تخصيص الخلاصة هو المطلوب وإلا حدث الضرر. فظاهرة معيَّنة قد تكون لا تتجاوز حدود سياقها فلا يمكن الاستنتاج منها أنَّها ستعني شيئاً آخر أو تؤدِّي إلى نتيجة مختلفة. فمثلاً د. محمد أحمد محمود يستنتج من فعل شاب واحد نتائج حتميَّة وشاملة لمستقبل المسلمين والإسلام والعالم أجمع وهو لا دليل لديه على ذلك فلا هو يعلم الغيب ولا هو قام بتجربة بني عليها حكمه.

ولشمول النبوءة وتعميمها الكاسح بحتميَّة نتيجتها، كأنَّها الحصاة الصغيرة التي تنزلق من أعلى الجبل المُغطَّى بالجليد ثُمَّ لا تلبث أن تزداد حجماً في طريقها فتكسح كلَّما يقف في طريقها حتى تؤدَِّي إلى انهيار كامل لجبال الجليد التي تدمِّر وتغطِّي على كلِّ شيء، نرجع لقضيَّة المنهج التي ناقشنا بعضاً منها في الحلقة الأولي ونواصل الحديث عن النَّقد، لأنَّ د. محمد أحمد محمود يزعم أنَّ منهجه نقدي في أصله، ونقد تاريخي في نوعه، فقد أضافه لعنوان كتابه: نبوَّة محمد: الصناعة والتاريخ: مدخل لقراءة نقديَّة.

فالنقد ينقسم إلى قسمين وهما التحليل النقدي والتقييم النقدي.
والتحليل النقدي هو أضعف المناهج العلميَّة لأنَّه كتابة ذاتية تعبر عن رأي الكاتب أو التقييم الذاتي له للنص، ولذلك يعتمد في أغلبه على الخبرة في مجال التَّخصُّص ويقوم على الظنِّ في أفضله إذ ليس هناك فسحة لاستخدام دليل أو برهانٍ علميٍّ مُتَّفقٍ عليه كأن تقول بأنَّ هذا النَّصُّ لا يمكن أن يعلوه نصٌّ آخر.

ومثل هذا التحليل يُعني بكسر النَصِّ المدروس إلى أجزاء ثمَّ دراسة الأجزاء كلا على حِدة. والكتابة النَّقديَّة التَّحليليَّة تتطلب خطوتين: القراءة النقديَّة ثمَّ الكتابة النقديَّة. والقراءة النقديَّة هي تحديد أطروحة المؤلف والغرض منها، أي إذا كنت مثلاً تدرس كتاباً فلسفيَّاً لشخص فيلزم تحديد اسم الكتاب الذي تنوي دراسته والغرض من تأليفه حسب رأي المؤلِّف ثمَّ الغرض من تناوله بالدراسة.

أمَّا الكتابة النقديَّة فهي رأي الناقد في الأطروحة ليُبيِّن محاسنه ومثالبه. والوسيط بين القراءة النَّقديَّة والكتابة النَّقديَّة هو التَّفكير النَّقدي ومعاييره هم الرشد، والاستقلاليَّة الفكريَّة، والحياد العلمي، واكتمال آلات البحث والدربة عليهم، والعلم في المجال المدروس.
فلا يمكن أن تنتقد شيئاً بمنهجيِّة علمية وأنت غير راشد، لأنَّ الرشد هو اكتمال آلتي العقل والقلب، ولكن يمكن أن تبدي اعتراضاً عليه قد يصيب وقد يخطئ لأنَّه يعتمد على العاطفة. وايضاً لا يمكن أن تنتقد شيئاً وأنت تقبل بكلِّ شيء يُعرض عليك لأنَّك معجب بقائله أو كاتبه أو أنَّه لاقي هوى في نفسك أو لأنَّك ورثت قدسيَّته من آبائك.
ولا شكَّ أنَّ الاستقلاليَّة الفكريَّة وحرية العقائد هما لبُّ الإسلام وفي هذا يقول المولي عزَّ وجلَّ موضِّحاً مسئوليَّة الاختيار المبني على الاستقلاليَّة الفكريَّة الكاملة فيما يخصُّ وراثة المعتقد:
" ‫أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ ۖ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ‬؟"، وهذا يسري على كلِّ إنسان بعد التَّكليف لأنَّ الإنسان في نظر المولي مسلم ما دام طفلاً حتى يبلغ مرحلة التَّكليف ليختار بحريَّة بعد دراسة وفهم بوعي إذا توفَّر له عامل الرشد فلا يصحُّ اعتقاد سفيه ولا جاهل ولا مجنون ولا مُكره. فالإنسان إذا ورث مالاً من فساد لا يحقُّ له أن يصرف النَّظر عن فساد مصدره حتى وإن أدَّي ذلك إلى فقره وهكذا العقيدة الفاسدة.‬‬

وقد ثبت أنَّه من أولاد الأنصار جماعة تهوَّدوا قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلَّم بقليل لأنَّ المرأة من الأنصار كانت، إن كان أولادها لا يعيشون، تنذر إن عاش لها ولدان أن تجعل أحدهما يهوديَّاً لكون اليهوديَّة كانوا أهل علم وكتاب، وبعد أن قدم الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم للمدينة طلب آباؤهم أن يكرهوهم على الإسلام فنزلت الآية: "لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ "، وهو بذلك ضمن حريَّة اختيار العقيدة.

ولذلك فالاستقلاليَّة الفكريَّة مَلَكةٌ مهمَّة قد توهب للبعض أكثر من غيرهم ولكن يمكن تنميتها بدرجات متفاوتة للكلِّ ولذلك فالتعليم والتدريب في دور العلم يجعل تعليم التفكير النقدي الذي يقوم على التَّفكُّر والتدبُّر قلب العملية التعليمية. وإذا تتبَّعنا المنهج القرآني لوجدنا أنَّ أكثر ما دعا إليه هو الاستقلاليَّة الفكريَّة وكذلك سنَّة المصطفي صلَّى الله عليه وسلَّم ومن بعده علماء المسلمين، فالإمام البخاري رضي الله عنه قال:
"ما أثبتُ شيئاً قط بغير علمٍ منذ أن عقلت"، وهذا لعمري ما ندرسه لتلاميذنا اليوم ونسميه: "الممارسة القائمة على الحُجَّة"؛ وهي الدليل والبرهان. ونري أنَّ الإمام البخاري رضي الله عنه قدَّم العقل على الإثبات، ولكنَّه لم يقل لم أثبت شيئاً حتى اكتسبت العقل ولكنَّه قال حتى عقلت. والفرق أنَّ العقل موهوبٌ لكلِّ البشر بدرجات مختلفة، ولكنَّ التَّمكُّن من استخدامه بكفاءة شيء آخر.

فأنا مثلاً إذا وهبت سيارة لكلِّ فردٍ فلا يعني ذلك أنَّ كلَّ فردٍ سيستطيع أن يتعلَّم قيادة السيارة، أو حتى لو تعلَّمها فلا يعني ذلك أن يصير ماهراً فيها، ولكن يستطيع كلَّ شخص سليم الجسد أن يجلس فيها ويحرِّك المحرِّك ويحاول قيادتها، ولربما يقتل نفسه أو غيره وهو يحسب أنَّ مجرَّد تملُّكه للسيارة يعطيه الحقَّ ليستخدمها كيف يشاء لأنَّه قصد خيراً أو لأنَّ لا فرق بين سيارته وسيارات الآخرين. فالفرق ليس في نوع السيارة فقد يملك أحد أفضل سيارة في العالم وآخر سيارة رخيصة ولكن الذي يملك السيارة الغالية يستخدمها بتهوُّر أو تحت تأثير الخمر بينما يكون الآخر ماهراً في قيادة السيارة ومتعقِّلاً فيصل بها إلى مبتغاه ويفيد ويستفيد.

وإذا رجعنا إلى التحليل النقدي فنجده ينطبق على النَّص الأدبي في أغلبه، وتقلُّ فعاليَّته في بقيَّة العلوم الإنسانيَّة مثل الفلسفة أو علم الاجتماع أو علم النَّفس؛ إذ كلَّما ابتعد نطاق المجال المدروس عن الرأي المجرَّد الذاتي للنَّص مثل القصة والشعر كلَّما قرب من التَّقييم النقدي الموضوعي لأنَّه يكون أقرب أن يخضع للتجربة العلميَّة.

أمَّا التقييم النقدي فهو عملية التقييم الموضوعي العلمي الدقيق والمنهجي لنتائج البحوث العلمية، وهي الأدلة والبراهين، وذلك للحكم على جدارتها بالثقة في منهج بحثها وقيمتها العلميَّة وأيضاً أهميتها في سياق معين، ولذلك قد يقلُّ فيها أو لا يدخلها الشك وتتطلب أيضاً التفكير النقدي كمعين أساسي.

أمَّا النقض في اللغة فهو إفساد الأمر بعد إحكامه: " ‫وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا‬". ويجوز كذلك نقض الفاسد لإعادة إحكامه بعد إثبات فساده لا بناءً على إحساس.‬‬

والهدم في اللغة هو التحطيم والتدمير: " فلما بُعث النبي صلى الله عليه وسلم بالحق، هدم نكاح الجاهلية كله إلا نكاح الناس اليوم ".

ولكن الباحث لا يبدأ بالنَّقض أو الهدم ولكن يبدأ بالنَّقد لأنَّ النَّقد هو السياق الذي تختبر فيه الافتراضات ونتائجها هي التي تؤدِّي إلى تثبيت ممارسة ما أو تغييرها بنقضها جزئيَّاً أو كلِّياً ومن ثمَّ غزلها بصورة مختلفة أو هدمها نهائيَّاً مثل الافتراض في القرون السابقة أنَّ الذي يسبِّب الحمَّي هو الهواء الفاسد ولذلك بُنيت المستشفيات بنوافذ كبيره تضمن تغيير الهواء حتى في أيَّام الشتاء ممَّا أدَّي لموت الكثير من النَّاس إلى أن اكتشف لويس باستير الجراثيم.

ولهذا البحث الذي لا يبدأ بطرح سؤالٍ نقديٍّ يثبت أو ينفي عكس ما يؤمن به الباحث، وهو ما يعرف بالافتراض النافي، لا يعتبر بحثاً علميَّاً وإنَّما مجرَّد رأي يفترض صحَّة شيء ما، وقيمة هذا الرأي يعتمد على الحجَّة التي يسوقها، والحجَّة هي الدليل والبرهان، فكلَّما صدقت الحجَّة كلَّما ازدادت القيمة العلميَّة للرأي وابتعد من حدِّ الوهم إلى منطقة الظنِّ ثمَّ منطقة الفهم ثمَّ أخيراً العلم.

فالرأي ينقسم إلى أربع: العلم والفهم والظنُّ والوهم والفرق بينهم في قوَّة الدَّليل والبرهان أي الحجَّة أو الآية كما يسميها المولي عزَّ وجلَّ، وأيضاً في القدرة الكاملة للفعل، والإحاطة بكلِّ العوامل ظاهرها وباطنها ولمَّا كانت هذه الشروط تستحيل على الإنسان، إذاً لا يمكن لأحدٍ أن يدَّعي تمام العلم وأنَّ رأيه هو الحقُّ الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ولذلك تصير القدرة الكاملة والعلم الشامل ملكاً خالصاً لله ذو الحجَّة البالغة:
" ‫لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا".‬

أمَّا أقصي ما يستطيع إنسان أن يصل إليه هو الفهم، وهو لا يمكَّنه أكثر من الإلمام بجزء من الحقيقة كما بدت له ولكنَّها حقيقة نسبيَّة لعدم إحاطته بكلِّ العوامل ممَّا قد يؤدِّي إلى نقضها تماماً مثل نظرية الجاذبية لإسحاق نيوتن التي نقضها ألبرت آينشتاين بعد ثلاثة قرون. أمَّا الظنُّ فهو أغلب كسب المتعلمين وهو قد يصيب وقد يخطئ بمعني أنَّه راجح الكفَّة في ميزان الحقِّ إن قام على استنباط أو استقراء صحيح وغير ذلك يصير الرأي وهماً وهو مرجوح الكفَّة في ميزان الحق لأنَّه يقوم على أساس الهوى. ووجدت في آراء د. محمد أحمد محمود تأرجحاً بين الظنِّ الخاطئ أو الوهم ليس لها من ثبات أو إثبات. والفاروق عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه يقول:
"أيُّها النَّاس إنَّ الرأي إنَّما كان من رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم مصيباً لأنَّ الله كان يريه، وإنَّما هو منَّا الظنُّ والتكلُّف".

والفاروق رضي الله عنه يظهر تواضع العلماء ويعرف مكانه في نطاق المعرفة فيقرُّ أنَّ رأيه في أفضل حالاته طنُّ لا غير تشوبه مشقَّة في استنباط أحكامه وهو الذي أمَّن على رأيه المولي عزَّ وجلَّ أكثر من مرَّة في حياة المصطفي صلَّى الله عليه وسلَّم وعندما أقرأ تقييم الفاروق رضي الله عنه لرأيه وأري بصيرته بالشكِّ المنهجيِّ في احتمال خطأ رأيه وهو الذي قد أثبت التاريخ صواب رأيه تصيبني الدَّهشة من مستوي اليقين الذي يتكلَّم به د. محمد أحمد محمود وأمثاله بلا ذرَّة تواضعٍ كأنَّ حجب الغيب انكشفت أمام أبصارهم ووردوا بحر العلم يغرفون منه أنَّي شاءوا.
أهميَّة توحيد المنهج العلمي هو مصداقيَّة نتائج البحث العلمي ومقارنتها بالنتائج الأخرى لاستخلاص الأجوبة على الأسئلة المطروحة ومن ثمَّ اعتمادها كحقيقة علميَّة يبني عليها الإنسان قراره ويعمِّم حصيلتها بالتبشير بها إن كانت تعتبر نافعة أو التحذير منها إن كانت ضارَّة.
ولكن إذا ابتدع أيُّ إنسان منهجه الخاص بمعايير مختلفة فلا يمكن تعميم نتائجه أو أخذها كحقيقة ولذلك فأوَّل وأهمّ خطوات المنهج العلمي البحثي هو السؤال.

فمثلاً إذا أردت أن أعرف مفعول دواء جديد على نوع معيَّنٍ من المرض فالواجب تركيب الدَّواء بناءً على حقائق علميَّة سابقة لا خبط عشواء ويعني التَّصرف على غير علم، مع إضافة افتراض علمي جديد يقوم على أساس أنَّ الدَّواء الجديد نافع وغير ضار، أو أنَّ نفعه يزيد على ضرره وإلا صار البحث غير أخلاقي. والشيء الثاني هو اختيار مريض يعاني من المرض المعيَّن بعد أخذ موافقته القانونيَّة وليس تجربته على إنسان صحيح.

ودعنا نفترض أنَّ المريض استجاب للدواء فسيكون السؤال هل الاستجابة حدثت صدفة؟ أو أنَّ نفس هذه النتيجة ستحدث مع كل مريض مماثل في المستقبل؟ وأيضاً هل بإمكاننا أن نعمِّم هذه النتيجة على كلِّ المرضي بهذا المرض ونستنتج من ذلك أنَّ العلاج فعَّال وبذلك نبشِّر به ونوزعه على المرضي؟ وهل فوائد العلاج أكثر من ضرره؟ أي لربما يقتل الجرثومة التي تسبِّب المرض ولكنه في نفس الوقت يتلف الكبد أو القلب ويؤدِّي لوفاة المريض.
ولذلك فمن أبجديَّات البحث العلمي اختيار العينة التي تمثِّل المرضي وكلَّما زاد أفراد العينة كلَّما كانت مصداقيَّة النتيجة أعلى ونقصت فرصة الصدفة.

وسنواصل إن أذن الله سبحانه وتعلي
ودمتم لأبي سلمي