بسم الله الرحمن الرحيم
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

علَّمونا أنَّ في موقف الخطر الدَّاهم يهرب الأنسان منه أو يقاومه، ثمَّ أضافوا موقفين آخرين وهما الاستسلام، ثمَّ التَّجمُّد وهو يعني عدم القدرة على التَّصرُّف نتيجة للشلل من الخوف. ولكنِّي أضيف ثلاثة مواقف أخري وهي المساومة والاستعانة والحيلة. والحيلة هي ما يعرف بالتَّفكير خارج الصندوق.

يقال أنَّ لصَّاً دخل على زوجين نائمين فرأي عقد الزوجة الذَّهبي فأيقظها وطلبه منها فمدَّته إليه فسألها عن اسمها فقالت فاطمة، فأرجعه لها قائلاً هذا اسم أمِّي ولا يمكن أن أسرق منك، ثمَّ لكز الزوج المتناوم بطرف السكِّين وسأله وأنت ما اسمك؟ فقال الرجل: اسمي عبدالله ولكن النَّاس اسم دلعي هو فاطمة. هذا هو التَّفكير خارج الصندوق ويحتال بالفكاهة.

ويحكي أنَّ رجلاً قصيراً قابل قاطع طريق ضخمٍ في ليلٍ مظلم فطلب منه قاطع الطَّريق ما عنده، فمدَّ الرَّجل أصبعيه كأنَّه يحمل مسدَّساً وهدَّده به حتى أوصله لمركز البوليس، هذا تفكير خارج الصندوق ويستخدم الخدعة.
ويحكي أيضاً أنَّ امرأة دخل عليها لصوص ومعها ابنها الصغير فقالت بصوتٍ عالٍ: قم يا ابني وساعد أخوالك في حمل الأشياء، فما كان من زعيم العصابة إلا أن أمر جماعته بالمغادرة ففي عرفه لا يسرق الأخ من أخته. هذا تفكير خارج الصندوق يستغلُّ المعرفة بالثقافة السائدة.

أمَّا الاستعانة أو اللجوء فهي إمَّا بالغير أو للغير أو بالله أو إليه ونحن نعرف عقيدة النَّاس في الشيوخ يستغيثون بهم، أو في الله يستغيثون به وقد وضع الله هذا الحلِّ كمخرج من الورطات: "أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ"، ولنا في قصِّة رسول الله صلى عليه وسلَّم خير مثل:
" غَزَوْنا مع رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم غزوةَ نَجْدٍ، فلما أدركَتْه القائلةُ، وهو في وادٍ كثيرٍ العِضَاهِ، فنزلَ تحتَ شجرةٍ واستظلَّ بها وعلَّق سيفَه، فتَفَرَّقَ الناسُ في الشجرِ يَسْتَظِلُّون، وبينا نحن كذلك إذ دعانا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فجِئْنَا، فإذا أعرابيٌّ قاعدٌ بين يديه، فقال: إن هذا أتاني وأنا نائمٌ، فاخْتَرَطَ سيفي، فاستيقَظْتُ وهو قائمٌ على رأسي، مُخْتَرِطٌ صَلْتًا، قال: مَن يَمْنَعُك مني؟ قلتُ: اللهُ. فشامَه ثم قَعَدَ، فهو هذا. قال: ولم يُعاقِبْه رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم." وقد يلجأ الإنسان لضمير عدُوِّه ليوقظه.
والمساومة هي أن تساوم مصدر الخطر إذا كان إنساناً بأن يعده بمالٍ أكثر إذا تركه.
والاستسلام يحمل في جنبيه تقييم الأولويّات بأن تضع حياتك قبل مالك، ولكن هناك من يضع كرامته قبل حياته فيموت مدافعاً عن ماله ويعتبر ذلك أفضل لأنَّ عاقبته الشهادة. ويحكي أنَّ رجلاً سودانيَّاً في نيويورك هدَّده رجل أمريكي أفريقي وشهر مسدَّسه في وجهه وطلب منه ماله فأعطاه له وفي تلك اللحظة مرَّت سيارة وسقط ضوؤها على وجه المجرم فقال للضحيَّة: الآن لا بدَّ لي أن أقتلك لأنَّك رأيت وجهي، فطلب منه الرجل السوداني أن يمهله خمس دقائق ليصلِّي ركعتين لله، فقال له المجرم: أأنت مسلم؟ فقال السوداني نعم. فقال المجرم وأنا كذلك مسلم يا أخي، هذه نقودك وانصرف إلى حالك ولا تأت لهذه المنطقة في المستقبل فإنَّها مليئة بقطَّاع الطرق المجرمين! هذا الرجل السوداني غيّر أولوياته بأن لجأ لتعريف الحياة فاعتبر هذه فانية والأخرى باقية ولذلك أنقذه إيمانه بالله.

فما دخل كلِّ هذا بالاستراتيجيَّة؟ إذا تأملنا في كلِّ مواقف مواجهة الخطر يكون الهدف الاحتفاظ بالحياة أو السلامة. وللوصول للهدف فإنَّ ذلك سيعتمد على تصرُّفٍ معيَّن، وهو بالتَّالي سيعتمد أوَّلاً على القرار الذي سيتَّخذه الإنسان للخروج من المأزق والوصول للهدف وهذا بدوره يعتمد على نوع التَّفكير المُستخدم الذي بدوره يعتمد على عوامل كثيرة منها ذكاء المرء العقلي والعاطفي، وطبيعة شخصيَّته، وتجاربه في الحياة.
نجد أنَّ الإنسان في لحظة الخطر تمرُّ بذهنه أفكاراً كثيرة كسريان النَّهر وتتحوَّل هذه الأفكار لقرارات للفعل ولكن اختيار القرار المناسب للوصول للهدف بأقلِّ الخسائر هو ما نسمِّيه بالاستراتيجيَّة. وهي تعني ببساطة حسن إدارة الموارد وتحريك المتاحة لوضع خطَّة تساعدك في الوصول لهدف. والموارد داخليَّة تختص بالإنسان وخارجيَّة تختص بالبيئة والمورد الوحيد الذي يكون داخليَّاً وخارجيَّاً هو الله سبحانه وتعالي.
ولذلك فالاستراتيجيَّة تُعرَّف أنَّها النَّمط في تيَّار نهرٍ من الأفكار والقرارات، أي الطريقة التي تكوِّن وتختار وتستخدم بها القرارات للوصول للهدف المنشود. والنَّمط في اللغة هو الطِّراز أو النَّوع أو المذهب أو الطريقة أو الأسلوب أو الشكل. بمعني آخر فإنَّ القرار والاستراتيجية وجهان لعملة واحدة فالاستراتيجية هي المبني أو الشكل والقرارات هي المعني أو المحتوي.
وأيضاً تُعرَّف على أنَّها خطَّة عمل مصمَّمة لتحقيق هدف معيَّن، أو فنَّ التَّخطيط بإدارة واستخدام الموارد المتاحة لتوجيه العمليَّات للوصول لهدف. ولا يمكن للتخطيط الاستراتيجي أن يصبح واقعاً بدون تفكير استراتيجي والذي هو عمليَّة عقليَّة يستخدمها فرد في سياق تحقيق النَّجاح في مهمَّةٍ ما. إذن فالغرض الأساس من العمليَّة كلِّها هو تصميم نسق أو نظام يتَّبعه النَّاس لتحقيق أهداف معيَّنة تستخدم نوعاً محدَّداً من التَّفكير وتتبع خططاً واضحة وإلا بغير ذلك تسود الفوضى.

فاتِّخاذ القرارات يعتمد على تخطيط استراتيجي معيَّن يحكمه الهدف وبوسيلة تفكير استراتيجي بينما التَّخطيط والتَّفكير الاستراتيجي يعتمدان على نوع القرارات التي تُتَّخذ والأسلوب الذي تُتَّخذ بها. فهي علاقة دائريَّة. فمثلاً إذا كانت الأهداف واضحة والعمل جماعي في فريق متناسق يستخدم منهجاً علميَّاً فإنَّ الوصول لخطط استراتيجيَّة فعَّالة وفاعلة سيصبح أمراً ممكن الحدوث.
وكما قلنا من قبل إنَّ التَّخطيط ليس الغرض منه تجنُّب الأخطاء تماماً أو القضاء على كلِّ المخاطر فليس هذا في وسع البشر ولكنَّه فرصة لتحقيق هدف بأقلِّ خطرٍ أو ضررٍ ممكن بحيث يؤدِّي إلى إصلاح ضرٍّ أو إتمام عافية. فمثلاً التَّخطيط لعمليَّة جراحيَّة تعتمد على وجود الموارد مثل الجرَّاح، والمساعدين، والتَّخدير، وغرفة العمليَّات، والمعدَّات، والتَّعقيم، والفحوصات، والدَّم، والمريض. ويكون الهدف هو مثلاً استخراج ورمٍ خبيث في القولون بحيث لا يتضرَّر المريض ولا يعاني بقدر الإمكان. هذا لا يعني أنَّ العمليَّة ستكون ناجحة أو أنَّ المريض لن يعاني أو أنَّ مضاعفاتٍ لن تحدث وكلّ هذا(هذه) الأشياء ولكن برغم ذلك فإنَّ عدم إجراء العمليَّة أشدَّ ضرراً من إجرائها.
فكيف تحصل هذه الأخطاء برغم التَّخطيط الاستراتيجي العلمي الذي يستخدم تفكيراً استراتيجيَّاً علميَّاً؟ الأخطاء تنقسم إلى ثلاثة أنواع وهي الأخطاء الحقيقيَّة وذلك عند استخدام العمليَّة الخطأ كالجراح الذي يزيل حصوة المرارة بينما المرض هو ورم خبيث في الكبد، أو خطأ النسيان عندما يترك قطن مثلاً في بطن المريض، أو خطأ الهفوات عندما تجري العمليَّة الصحيحة ولكن بطريقة خاطئة كالجراح الذي يزيل الكلية الخطأ. وعليه فالأخطاء تعتمد على درجة العلم، أو درجة المهارة، أو القوانين المُتَّبعة.
فمثلاً وضع خطَّة عمل استراتيجيَّة لأحدٍ لا يفقه كثيراً في مجاله يوسِّع احتمال الخطأ، أو أداء الخطَّة بواسطة شخصٍ ذو مهارة متدنيَّة، أو بعدم اتٍّباع كلِّ الخطوات، حتى في حالتي العلم والمهارة قد يؤدّي إلى خطأ الهفوة أو النسيان.

أمَّا العوامل التي تدخل في حدوث الأخطاء فهي أربعة أوَّلها الإنسان وما يتعلق به من عوامل داخلية، والمعدَّات، والتَّنظيم، والعوامل الخارجيَّة مثل سوء الجو أو الكوارث الطبيعيَّة أو التي لم تكن في الحسبان مع أنَّ مهمة الاستراتيجية هي التَّوقع او التنبُّؤ باحتمالات نتيجة الفعل ولذلك يلزم وضع الخطط البديلة. فمثلاً قد تكون العمليَّة الجراحيَّة بسيطة ولا تحتاج لنقل دم ولكن في حالات نادرة لربما يحدث نزيف ولذلك تحضير دم يعتبر خطَّة استراتيجيَّة.
هذا النموذج يسمَّي بنموذج الجبن السويسري وقد وضَّح جيمس ريسُن عام ١٩٩٠ كيف أنَّ الأخطاء شيء طبيعي في عالم الإنسان ولكن تأثيرها يقلُّ إذا كانت لا تتجاوز مرتبة واحدة مثل الجبن السويسري الذي به ثقوب كثيره ولكن حينما تقطِّعها إلى شرائح فستجد أنَّ الثقوب تتوزَّع على الشريحة في أماكن مختلفة بحيث لا تجد ثقباً يتجاوز شريحة واحدة. ولذلك فهي ثقوب مخفيَّة لا تؤثِّر كثيراً في النَّتيجة طالما الوظيفة الكليَّة للعمليّة سليم.
فالمهمُّ ليس التأكُّد التًّام من انعدام فرصة الخطأ أو نبذ العمليَّة تماماً ولكن التَّعلُّم من الخطأ وتطوير العمليَّة بالمراجعة الدَّائمة والتَّفكير خارج الصندوق.
وابتداع أفكار جديدة تماماً هو شيء نادر إذ أنَّ الأعم هو تطبيق فكرة قديمة على سياقٍ جديد أو تحويرٍ في فكرة موجودة.
لوجود أفكار جديدة مبتكرة لا يمكن أن تستخدم نفس نوع التَّفكير التَّقليدي والنَّمطي ولكن يجب أن تكسر القوانين الموجودة وأن تخرج خارج منطقة الرَّاحة الفكريَّة فلكلِّ واحدٍ منَّا منطقة راحة يأنس إليها وهي مرتبطة بما يعطي حياته أماناً ومعني تحقيقاً لحاجات غريزة بقائه. والذين يفكِّرون في التَّفكير خارج الصندوق فمن الأجدى لهم التَّفكير داخل الصندوق لأنَّ التَّفكير خارج الصندوق موهبة تُصقل ولكنَّها لا تُكتسب. وأكثر النَّاس الذين يفكِّرون خارج الصندوق يحاول نظام المجتمع السائد تبخيس قيمتهم.

فمثلاً عندما تحاول أن تستخدم خطاباً جديداً غير معهود في أمور الدِّين التي أخذها النَّاس كمُسلَّمات فإنَّ ذلك يخرج الكثير منهم من منطقة الرَّاحة الفكرية التي اطمأنُّوا لها ووجدوا في رحابها نمطاً يعينهم على تحمُّل الحياة وحلِّ مشاكلها حتى وإن كانت أفكارهم تعارض المنطق. ولهذا فيثور النَّاس ويتَّهمون مثل هذا الشخص بالكفر أو الزندقة ولنا في سيرة المصطفى صلَّى الله عليه وسلَّم أبلغ مثل وهذا دأب المصلحين في كلِّ زمان. بمعني آخر فالإنسان كسول بطبعه لا يُحبِّذ الاستقلاليَّة الفكريَّة الخالصة لأنَّها تُهدِّد وضعه الاقتصادي وتورده مورد الشك والزعزعة النَّفسيّة فيستكين للثقافة السائدة إلا قليل.

والإنسان الذي يعيش في سياق لا تتغيَّر فيه عوامل الوجود والمعيشة بحيث تصير حياته ذات نمط متكرِّر وذات إيقاع بطيء، مثل حياة البدو في الصحراء، أفضل عافية بدنيَّة ونفسيَّة من أهل المدن حيث التَّوتُّر وسرعة إيقاع الحياة. ولكن التَّفكير النَّمطي لا يحلُّ المشاكل المعقَّدة ولا يطوِّر الأفكار الموجودة وإنَّما يثبِّت أركان الوضع الرَّاهن. وبينما يهوي الإنسان التَّغيير يخافه ويقاومه وهو يريد تغييراً لا يهدِّد نمط حياته ولا طريقة تفكيره ولكنَّه يشتكي من الحياة التي سببها نمط التَّفكير السائد.
مثل هذه المجتمعات يقودها النَّوع العملي البراغماتي والنوع الحركي من شخصيَّات النَّاس وليس المتفكِّر أو المتدبِّر ويغلب عليها الطَّاغوتيَّة وعليه فهم أصحاب السلطة والمترفين الذين يدافعون عن الوضع الرَّاهن ويتشبَّثون بالماضي ودين الآباء.
والنّاس في طريقة تعاملهم مع الزَّمن ثلاثة وأوَّلهم الذين يعيشون في الماضي وتقودهم الذكريات ودائماً ما يجترُّون أيَّام الماضي الجميل، وثانيهم الذين تقودهم الأحلام فيحلمون بالمستقبل ويهربون من الواقع والنَّوع الثالث الذين يقودهم الواقع فيتعاملون معه. أكثر النَّاس مقاومة للتَّغيير هم الذين تقودهم الذكريات ولكنَّهم في نفس الوقت، في مفارقة عجيبة، أكثرهم شكوى من الحاضر. أمَّا أصحاب المستقبل فيجدون أنفسهم في أيديولوجيا التَّغيير المستقبلي باستخدام الدوغما من مذاهب الماضي مثل النَّظريَّة الشيوعيَّة والجماعات الإسلاميَّة، والتي يؤمنون بفاعليتها ويلومون فشلها على خطأ التَّنفيذ، فهم يعبرون من الماضي للمستقبل مباشرة والواقع في ذهنهم هو ما يجب أن يكون لا ما هو كائن وبذلك فإدراكهم لفقه الواقع ضعيف.
أمَّا المجموعة الثالثة فهي التي يقودها الواقع ولكنَّها أكثر المجموعات المستهجنة بواسطة المجموعات الأخرى وبالرَّغم من علميَّة منهجها تُهاجم بأنَّها ليس لها لون معيَّن أو انتماء ظاهر.

نخلص إلى أنَّ مستوي الوعي العام لأبجديَّة ومسئوليَّة واستراتيجيَّة صنع القرار على مستوي النُّخبة ضعيف للغاية لأنَّ الحال توضِّح تخبُّطهم في حالة الانحباس الحالي التي يبدو المخرج منها صعب لأنَّهم يفكِّرون داخل الصندوق ويعتمدون على الآراء وليس على الحقائق، ويظنَّون أنَّهم يفكِّرون خارج الصندوق ولذلك فالحلول المستحدثة للتَّغيير تعتمد على إعادة تدوير ما هو مستهلك في عبواتٍ جديدة أثبتت عدم جدواها إن كانت أيديلوجية أو أحزاباً أو زعماء.

لقد حان الأوان ليشرق عهدٌ يحترم العقل ولا يعبده ويعرف فيه الإنسان أنَّه أكثر المخلوقات جهلاً وظلماً وأنَّ خلاصه في اتَّباع العلم لا الظنِّ والافتراء. عهد فيه الحكمة التي تقود لا الذِّكريات ولا المستقبل الحالم بغير مركبة توصل له ولا الواقع المنقطع من عظة الماضي واحتمال الخير في المستقبل.

ودمتم لأبي سلمي
مؤسِّس حزب الحكمة