بسم الله الرحمن الرحيم
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

لربما يظنُّ البعض أنَّ ما تمرُّ به بلادنا غريب على التَّاريخ؛ إن كان تاريخنا أو تاريخ الإنسانيَّة، ولكنَّه طبع الإنسان منذ خلَّفه الله سبحانه وتعالي على أرضه، وهو ديدن لن يتغيَّر وإنَّما هو تدافع بين طباع الإنسان المتنافرة في سبيل تحقيق ذاته وتأمين معاشه.

والفرق بين الفريقين المتدافعين هو تغليب طبع على طبع بناءً على المرجعيَّة الفكريَّة للإنسان، فمثلاً قد يُغلِّب إنسانٌ طبع الإيثار، وهو التَّضحية بما عنده للآخرين، على طبع الأثرة؛ وهو البخل بما عندك طمعاً وجشعاً أو العكس.

ولذلك فالفيصل والحكم بين الفريقين هو الأخلاق رفعةً ووضاعة. ولا ينشأ النَّزاع إلا إذا اختلَّت الموازين اختلالاً بيِّناً بحيث تُهدَّد غريزة بقاء فريق، فالإنسان بطبعه لا يُحبُّ التَّغيير أو المخاطرة إلا إذا اضطُرَّ لذلك، ولا يلجأ للشكوى ومن ثمَّ الثورة إلا إذا كان يظنُّ أنَّ احتمال موته يغلب احتمال حياته.

والفريق الذي يضطَّرُّ الفريق الآخر للثورة أحمق لأنَّه يحفر قبره بيده، وهو دليل على أنَّ إحساسه بالآخرين تبلَّد، وتقوقعه على ذاته بلغ منتهاه بالوصول إلى مرحلة الحالة الفرعونيَّة: " ‫مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ‬".‬

وقد أدرك سيدنا معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه هذه الحقيقة بذكائه السياسي البراغماتي فقال عندما سأله إعرابي عن كيفيَّة حكمه للنَّاس لمدَّة أربعين سنةً بلا فتنة؛ أي ثورة والدُّنيا حوله تغلي:
" إني لا أضع لساني حيث يكفيني مالي، ولا أضع سَوْطي حيث يكفيني لساني، ولا أضع سيفي حيث يكفيني سَوْطي؛ فإذا لم أجد من السيف بُدّاً ركبتُهُ؛ ولو أن بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت؛ كانوا إذا مدّوها أرخيتها، وإذا أرخوها مددتها ".

يقول هذا لأنَّ ذكاءه العاطفيِّ عالٍ ويمكِّنه من قراءة الواقع كما هو ومن معرفة طبيعة البشر والتَّعامل معها بأدوات مختلفة منها المنطق، ومنها المال، ومنها السلاح، ولكنَّه كان يعرف أولويَّات الاستخدام لا يقدِّم واحدة أو يؤخِّر أخري في غير مقامها.

إذا كان هذا فعل إنسان يدرك أنَّ هدفه هو السلطة حتى وإن أدَّي ذلك لحرب الإمام علي بن أبي طالب، كرَّم الله وجهه، وتوظيف وسائل تتعارض مع الأخلاق التي أتي المصطفي صلَّى الله عليه وسلَّم لإتمامها، فما بال الذين لا يعرفون ما هُم مقترفون؟

ولم يكن الإمام علي بن أبي طالب غافلاً عن منهج سيدنا معاوية ولكنَّه أكَّد مبدأ الأخلاق والتزامه به بالرغم من مقدرته على العمل السياسي القذر وعلى النَّجاح فيه، ولكنَّة رفض أن يرضي بمبدأ الغاية تبرِّر الوسيلة:
"والله ما معاوية بأدهى منّي ولكنه يغدر ويفجر، ولولا كراهية الغدر لكنت أدهى الناس، ولكن كل غدرة فجرة، وكل فجرة كفرة، ولكلّ غادر لواء يُعرف به يوم القيامة، والله ما استغفل بالمكيدة ولا استغمز بالشدة".
ويؤكِّد مذهبه في قوله:
"ما ظفر من ظفر الإثم به، والغالب بالشَرِّ مغلوب"، بمعني أنَّ من يغلب في ميدان السياسة بالخداع فهو آثم ويُعتبر أخلاقيَّاً مغلوباً ولا شرعيَّة له ومصيره الهزيمة مهما طال به الزمن.

وقد رفض نصيحة المغيرة بن شعبة الذي عرض عليه رأياً سياسيَّاً عمليَّاً بأن يدع سيدنا معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه كوالٍ للشام حتى يستقرَّ له الأمر ثمَّ يعزله فقال:
"إنَّ لك حقَّ الطَّاعة والنَّصيحة، وإنَّ الرأي اليوم تحرز به ما في غد، وإنَّ الضياع اليوم تضيع به ما في غدٍ، أقرر معاوية على عمله، وأقرر العمال على أعمالهم، حتى إذا أتتك طاعتهم وبيعة الجنود استبدلت أو تركت".
فأبي الإمام وقال:
"لا أُداهن في ديني، ولا أُعطي الدَّنيَّة في أمري".

وردَّ على الصحابة الذين نصحوه بأن يتألَّف قلوب السَّادة من رؤساء قريش والقبائل تفضيلاً على الموالي:
" "أَ تَأْمُرُونِّي أَنْ أَطْلُبَ النَّصْرَ بِالْجَوْرِ؟ لَا وَاللَّهِ لَا أَفْعَلُ مَا طَلَعَتْ شَمْسٌ وَلَاحَ فِي السَّمَاءِ نَجْمٌ، وَاللَّهِ لَوْ كَانَ مَالُهُمْ لِي لَوَاسَيْتُ بَيْنَهُمْ وَكَيْفَ وَإِنَّمَا هُوَ أَمْوَالُهُم‏؟"
وفي ردِّه على سيدنا معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه توضيح لرأيه في اتِّهامه بتفريق جماعة المسلمين:
"أمّا بعد فإنَّا كُنَّا وأنتم على ما ذكرت من الألفة والجماعة ففرَّق بيننا وبينكم أنَّّنا آمنَّا وكفرتم، واليوم أنَّا استقمنا وفُتنتم، وما أسلم مسلمكم إلا كرهاً".

لا نري جديداً في التَّكالب على السلطة ولكنَّنا لا نري مع ذلك أخلاقاً تشذِّب فوضى النَّفس البشريَّة وتلجمها عن الضرر ولا ذكاءً عاطفيَّاً يوقيها ضرر نفسها فهي كالسهم المنطلق في الظلام لا يري مرماه ولا يهمُّه إن كان في طريقه طريدته أو ابنه، فالإنسان عدوُّ نفسه ومن يعرف هذه الحقيقة فهو لن يستطع أن يُغيِّر طبعه ولكنَّه يستطيع أن يؤدِّبها ويعرف موطئ قدمه.

ودمتم لأبي سلمي
مؤسس حزب الحكمة