بسم الله الرحمن الرحيم

 

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

‫إعلان تضارب مصالح:‬‬‬
هذا الرَّأي يتَّخذ دين الإسلام مرجعاً ومنهجاً متكاملاً مع العلوم الثابتة والخبرة العمليَّة والحياتيَّة وصاحبه له عزم على العمل السياسي لنهضة السودان والمشاركة في قيادة شعبه إن شاء الله:
"وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا". ‬
---------------------------------
لكلِّ شيء في الوجود ساعة ميلاد ولحظة زوال وبينهما حياة قد تقصر أو تطول فلا خلود. والذين يظنُّون أنَّ الخلود كُتب لهم دون غيرهم واهمون وعُميٌ لا يرون فيعتبرون وصُمٌّ لا يسمعون فيتفكَّرون يقودهم الجهل والحماسة.

ومن الحكمة أن تكن صلباً وقت الحقِّ فلا تساوم على المبدأ، ومن الحكمة أيضاً أن تكون مرناً وتساوم في منهج كيفيَّة تنفيذ المبدأ. والآن فات أوان المساومة وجاء وقت المقاومة فإن ساومنا غرقت السفينة بمن فيها، فالسفيه لا يعرف أنَّه سفيه حتى يرشد، والمهووس لا يعلم أنَّه مهووس حتى يفيق، ولكن فرصته في الرشد والإفاقة لن تتمُّ وهو يمسك بدفَّة السفينة مصداقاً لقول الرسول الكريم عليه صلوات الله وسلامه عليه:
" مثَلُ المُدْهِنِ في حدودِ اللهِ والواقعِ فيها، مثلُ قومٍ استهَموا سفينةً، فصارَ بعضُهُم في أسفَلِها وصارَ بعضُهُم في أعلاها، فكان الَّذي في أسفلِها يمرُّونَ بالماءِ على الَّذين في أعلاها، فتأذَّوْا به، فأخذَ فأسًا، فجعلَ ينقُرُ أسفلَ السَّفينةِ، فأتَوْهُ فقالوا: ما لكَ، قال: تأذَّيتُم بي ولا بُدَّ لي من الماءِ، فإنْ أخَذوا على يدَيهِ أنجَوهُ ونجَّوْا أنفُسَهم، وإنْ ترَكوهُ أَهلكوهُ وأهلَكوا أنفُسَهم".

وأوَّل من أظهر الفرق بين المساومة والمقاومة في دين الإسلام كان المصطفي صلَّى الله عليه وسلَّم عندما ساومه أهل قريش في المبدأ فقال:
" ‫يا عم! والله؛ لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري، على أن أترك هذا الأمر، حتى يظهره الله، أو أهلك فيه؛ ما تركته‬".‬‬‬
ولكنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم ساوم في صلح الحديبية حتى غضب المسلمون ونفَّذوا أوَّل عصيان مدنيٍّ وعسكريِّ في تاريخ الإسلام، فلم يكن هناك فرق بين الجنديِّ والمواطن حينئذٍ، فعلوا ذلك ويعلمون أنَّ الرسول مرسل من ربِّه ولا يعمل إلا بأمره، ولكنَّهم أحسُّوا بأنَّه ساوم في الإخلاص للمبدأ وبذلك وقع عليهم ظلم، ولم يكن الأمر كذلك.

وماذا كان موقف الرَّسول صلَّى الله عليه وسلَّم؟ هل غضب منهم وسبًّهم وغصبهم على طاعته؟ أم هل أمر سيدنا أبا بكر الصديق رضي الله عنه أن يعتقل المخرِّبين والمتفلِّتين؟ أم أنَّه اتَّهمهم بفعل أمرٍ حرامٍ والخروج على وليِّ أمرهم وإمامهم؟

أدرك المصطفي صلَّى الله عليه وسلَّم بقدرته على تقمُّص مشاعر صحابته مصدر غضبهم وضيقهم، وعلم أنَّهم قصدوا خيراً فرحمهم، فطلب المشورة من أمَِّ المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها، والمرأة في ذلك الزمان، وما زالت، لم تكن لها قيمة معتبرة أو رأي مع الرِّجال، فأخذ بنصيحتها الحكيمة وانتهي الخلاف بسلام.

وهذا يثبت أنَّ الحكمة لم تُحتكر للرِّجال وأنَّ نصفها عند النِّساء، بل وهنَّ الأقدر على الشعور بالخطر لأنَّ فطرتهنَّ لها جهاز إنذار حسَّاس إذا تعرَّضت ذرِّيتهنَّ لخطر المجاعة، أو المرض، أو الإصابة. فإذا رأيتموهنَّ في الشوارع يندِّدن بسياسة الدَّولة فهنَّ قد أدركن أنَّ السكوت لا يأتي إلا بمصيبة أكبر فثقوا في فطرتهنَّ وساندوهنَّ.

إذا كان هذا قد حدث مع رسول البشريَّة أيحرَّمُ على من دونه؟ وهذا الدُّون لا دليل ولا علم ولا وحي ولا كتاب منير يهدي أفعاله، وإنَّما هو رجل اغتصب سلطةً بليلٍ وأكره النَّاس على قبوله وقبول منهجه، وهذا المنهج لم يكن إلا أفكاراً غائمة، وأشواقاً مبهمة في ذهن أنصاف متعلِّمين لا يفقهون شيئاً، يريدون تحقيق مجتمعٍ فاضل خلقوه في أذهانهم لم يتحقَّق في ماضي الزَّمان ولن يتحقَّق في مقبل الأيَّام إذ كيف لمجتمعٍ فاضلٍ أن يقوم وأكثر البشريَّة لا يؤمنون؟ " وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ"، بل إنَّ هذا المجتمع لا يفرح الله سبحانه وتعالي:
" لو أنَّكم لا تُخطِئون لأتَى اللهُ بقومٍ يُخطِئون يغفِرُ لهم". والمطلوب أن يتجاوز صلاح المجتمع النَّصف لا أكثر ولا يتمُّ ذلك إلا بإمامٍ صالحٍ، ولا يكون الإمام صالحاً إذا لم يكن عادلاً ولذلك كان أوَّل من يظلُّه الله بظلِّه يوم القيامة.
وصلاح المجتمع أساسه تقديم الولاء لله على الولاء للحاكم:
" أَطِعْهُ في طاعةِ اللهِ. واعصِه في معصيةِ اللهِ".
ولذلك فلا طاعة لحاكمٍ يتجاوز الخمسين بالمائة في معصية الله وهو لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر من القول والفعل:
" رُبَّ صائمٍ ليس له من صيامِه إلَّا الجوعُ ورُبَّ قائمٍ ليس له من قيامِه إلَّا السَّهرُ".

وقد ثار لغطٌ كثير في أيَّامنا هذه عن حكَّامنا في السودان وعن أفضل السبل لتغييرهم أو عن مشروعيَّة الشروع في تغييرهم.
ويختلف النَّاس في منهج التَّغيير، وفي البديل القادم، وفي استقراء المستقبل إذا تغيَّر الوضع الحالي أيكون للأفضل أم للأسوأ، وفي مشروعيَّة التَّغيير من ناحية دينيَّة إسلاميَّة.
وقد نفَّذ جمعٌ معتبر من أبناء وبنات الشعوب السودانيَّة اعتصاماً لمدَّة ثلاثة أيَّام حرَّك الركود، وهدم ركن العجز وفتح نافذة الأمل عند الكثيرين في إمكانيَّة التَّغيير، وكسر حاجز الخوف. ويخطَّط هذا الجمع لعصيانٍ مدنيٍّ آخر قريب إن شاء الله، ولذلك أردنا أن ندلي بدلونا في قراءة الحاضر واستطلاع المستقبل علَّنا نلقي ببعض الضوء ممَّا يساعد المتفرِّجين على اتِّخاذ قرار بالانضمام لسرب العصيان أو التزام الحياد.

والأفكار الجديدة يبدأها اثنان ٢.٥٪ من مجموع النَّاس، ثمَّ ينضمُّ إليهم ٩٪ بالمائة فيصير المجموع ١١.٥٪ لا يزيدون إلى أن تتغيَّر الظروف المحيطة فتؤثِّر على نسبة أخري تكون عادة في حوالي ٣٥٪ بالمائة ولكنَّ المجموع لا يصل إلى ٥٠٪.

وتظلُّ ١٦٪ ثابتة على موقفها الأوَّل مهما حدث وتُسمَّي بمجموعة المُخلَّفين، والمجموعة التي تؤدِّي للتَّغيير هي البقيَّة من ٣٥٪ الذين يقعون بين ٣٥٪ الأولي و١٦٪ الأخيرة يتأثَّرون بالأكثر قرباً لهم.

وبناءً على ذلك فأهل الحكم ومن شايعهم من الأحزاب والجماعات الأخرى يمثِّلون ١٦٪ والذين ابتدأوا فكرة العصيان والمقاومة حوالي ١١.٥٪ انضمَّ إليهم ٣٥٪ بعد القرارات الاقتصاديَّة الأخيرة ليصير المجموع ٤٦.٥٪. ولينجح العصيان المدنيِّ القادم لا بُدَّ من أن ينضمّ على الأقل ٥٪ من المواطنين حتى ينجح الذي يليه إذ بتواتر النجاح يزداد عدد المؤيِّدين.
ولهذه المجموعة من ال ٣٥٪ من المتردَّدين نسوق كلامنا هذا.

أوَّلاً مشروعيَّة الخروج على الحاكم:
قبل أن نتحدَّث عن مشروعيَّة الخروج على الحاكم الحالي يجب أن نتكلَّم عن مصداقيَّة علماء السودان، الذين أفتوا ببطلانه وحرَّموه، في مشروعيَّة رئيس البلاد أصلاً لأنَّه خرج على حاكمٍ مسلمٍ، حتى إذا اتَّفقنا على سوء إدارته للبلاد، ونابذه بالسلاح واغتصب سلطته، وأيضاً خرج على قسمه الذي أدَّاه للجيش السوداني بإطاعة قائده، وفي الحالة الأولي فهو قد ارتكب جريمة خيانة عظمي دينيَّاً، وفي الحالة الثانية فقد ارتكب جريمة خيانة عظمي مهنيَّاً ووطنيَّاً.

فهل اعترض علماء السودان في عام ١٩٨٩ على فعله وطالبوه بردِّ الأمر لوليِّ أمرهم في ذلك الزمان وأصدروا الفتاوي لتنبِّه الشعب على بطلان ما حدث ولتأمرهم أن يهبُّوا لحماية وليِّ أمرهم الذي أُغتصب منه الحكم؟
وهل علماء السودان يعيشون من كسب أيديهم كما عمل العلماء السابقين مثل الإمام الغزالي والإمام عبدالقادر الجيلاني والإمام ابن تيمية؟ فإن كانوا كذلك فلم لم ينحازوا للفقراء والمساكين كما فعل علماء المسلمين في السابق؟ فقد كانوا صوت المحرومين، وغطاء المظلومين من جور السلطان، يستجير بهم النَّاس ولكن علماء السودان المستجير بهم كالمستجير من الرمضاء بالنَّار.
وإن لم يكونوا كذلك ويعيشون على عطاء الحكومة فشهادتهم مجروحة في أدناها وخائنة في أعلاها لأنَّهم خانوا الله والرسول بعدم قول الحقِّ ولم يقتدوا بالرسول بانحيازه للمساكين وهم من يفترض أن يكونوا ورثته.

أمَّا الاحتجاج بأنَّ الشَّعب ولَّي الرئيس وأعطاه شرعيَّة في انتخابات كمثل الذي يختطف فتاة ويغتصبها وتحبل بولده ثمَّ يتزوَّجها، ويظنُّ أنَّ بفعله هذا قد كسب مشروعيَّة علاقته بها لأنَّها وافقت على الزَّواج، بسياسة الرِّضا بالأمر الواقع الذي هو خير من الفضيحة، بينما أصل الزَّواج الرضا لا الغصب، ولا يتمُّ الرِّضا إلا في ظروف حريَّة كاملة لا إكراه ولا اضطِّرار فيها تحترم إنسانيَّة الآخر وتُعطي خياراً حقيقيَّاً حتى وإن كان هو أفضل الأزواج قاطبة فما بني على باطل فهو باطل.

وهل من الممكن أن يتَّخذ رئيس البلاد قراراتٍ تؤدِّي إلى تغيير حقيقي؟
بالطَّبع هو من الممكن ولكنَّه من غير المحتمل لأنَّه يعيش في وهمٍ لا علاقة له بالواقع الذي غُيِّب عنه تماماً، ولا يدرك حقيقة مآل الأمور ولا ما يجري تحت قدميه. فنسبة وعيه ضئيلة جدَّاً ودليل ذلك ما يًصرِّح به في حديثه، وفي عدم إحساسه بإلحاح الجماهير للتَّغيير، أو بإلحاح المسألة السودانيَّة للتَّغيير، وبالتَّلكُّؤ في إصدار القرارات وحسم المسائل كأنَّ له من الزَّمن ما يريد. وهذا مثل الذي يجد شخصاً ينزف دماً وبدلاً من أن ينقذه يصرف الزَّمن في تجهيز وجبة له يكرمه بها لأنَّه جائع، فهو جهل بالأولويَّات يؤدِّي للفساد والهلاك.

ثانياً لا تساعده شخصيَّته لأنَّ ثقته في الآخرين ضعيفة ولذلك لا يسمع إلا لقلَّة تصوِّر له الأشياء كما تريد ويريد ممَّا يبعث في قلبه الأمان، وبما يتماشى مع مصالحها. وهو حركيٌّ متهوِّر، وانفعاليٌّ طاغوتيٌّ ذو ثقافة شعبيَّة ضحلة اختلطت بثقافة أيديلوجيَّة جماعة عقائديَّة التي تستعلي على الآخرين، وبأيديولوجيَّة العسكر التي تري الحلَّ في القتال، فشوَّشت تفكيره، وأربكت تصرُّفاته، ولذلك فلا قدرة له على تقمُّص شعور شعبه، ولا طاقة له بنمط التَّفكير المتدبِّر الذي لا يمكن حلَّ ما تعقَّد من مشاكل السودان بغيره.

والمصطفي صلَّى الله عليه وسلَّم يقول:
" خيارُ أئمَّتِكم الذين تحبُّونَهم ويحبُّونكم. وتُصَلُّون عليهم ويصلُّون عليكم. وشرارُ أئمَّتِكم الذين تبغضونَهم ويُبغِضونكم. وتلعَنونهم ويلعنُونكم. قالوا قلنا: يا رسولَ الله! أفلا ننابِذُهم عند ذلك؟ قال: لا. ما أقاموا فيكم الصلاةَ. لا ما أقاموا فيكم الصَّلاةَ. ألا مَن وُلِّي عليه والٍ، فرآه يأتي شيئًا من معصيةِ الله، فليَكرَه ما يأتي من معصيةِ الله، ولا ينزعَنَّ يدًا من طاعة".

أوَّلاً على كلِّ مسلمٍ أن يقرِّر هل يحبُّ أئمَّتنا أم يبغضهم؟ فإن أحبَّهم فهم من الخيار وإن أبغضهم فهم من الأشرار، ولكن ليأخذ محتوي هذا الحديث عن الحبِّ مع حديثٍ شريفٍ آخر للمصطفي صلَّى الله عليه وسلَّم الذي يوضِّح مصدر المحبَّة:
"من أحب لله وأبغض لله ووالى في الله وعادى في الله، فإنما تنال ولاية الله بذلك ولن يجد عبد طعم الإيمان وإن كثرت صلاته وصومه حتى يكون كذلك، وقد صارت عامة مؤاخاة الناس على أمر الدنيا وذلك لا يجدي على أهله شيئا".

وثاني الأمر على المواطن أن يقرِّر ما هو تعريف الصلاة وهل هي الركوع والسجود الظاهريِّ أم الاستسلام الدَّاخلي لله التي تمنع عن الفحشاء والمنكر؟ وعليه أن يقرِّر هل يأتي أئمته من الخير أكثر من المنكر أم من المنكر أكثر من الخير؟
وثالث الأمر هل العصيان المدنيِّ خروج على الحاكم أو نزع لليد عن طاعته؟ أم هو إعلان مشروع بالشعور بالظلم؛ كما فعل الصحابة في صلح الحديبية ولم يحرِّمه صاحب الرسالة؟ وهل يدخل ذلك في مفهوم المنابذة إذ أنَّ المقصود بها رفع السلاح في وجه الحاكم؟

ورابع الأمر أن يعرف معني الإمام وكيفيَّة تعيينه. فالإمام في اللغة هو الخليفة، وقائد الجند، والقرآن للمسلمين، والدّليل للمسافرين، وحادي الإبل، والطّريق الواضح الواسع، وعَلَمٌ بارزٌ في الدِّين أو العلوم، والرَّجل العالم الجامع للخير. والإمام في المصطلح: أصدق مقياس اتُّفِق عليه لضبط الوحدات المتداولة أو لقياس الأشياء أو الصفات. هذه هي صفات الإمام فليطبَّقها المواطن على حكومته وعلماء سودانه ويري كم منهم ينطبق عليه التَّعريف. والإمام لا يُعيَّن إلا بمشورة حكماء النَّاس، ورضا النَّاس بأخذ البيعة، فمن عيَّن إمامنا الحالي ومن أعطاه بيعة بلا إكراه أو غشٍّ أو جهل؟

ثانياً منهج التَّغيير:
إنَّ منهج العصيان المدني هو دفاع عن النَّفس وهو مشروع في حالة الظلم:
"لَّا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَن ظُلِمَ ۚ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا‬"
وهو أيضاً حسب الدِّراسات والتَّجارب أكثر فاعليَّة وفعاليَّة من العصيان المسلَّح، لأنَّه ينقل حالة العجز النَّفسي من المواطن المغلوب على أمره للحاكم وبالتَّالي سينفخ في قيمة ذات المواطن فيحسُّ بالقوَّة. وهو أيضاً رسالة واضحة للحاكم بأنًّه غير مرضيٌّ عنه وعن سياساته حتى وإن ظنَّ أنَّ فيها صلاح النَّاس فلا حكم بغير رضا مثل لا زواج بغير رضا، فعليه أن يترك الحكم أو أن يغيِّر سياساته.
ولكلِّ حدثٍ نقطةً حرجة ينقلب فيها الحدث لعكسه تماماً مثل أن تضع ماءً ليغلي ولا تري شيئاً في بادئ الأمر ثمَّ تري فُقَّاعات صغيرة تزداد مع مرور الوقت إلى أن تصل إلى النَُّقطة الحرجة التي بعدها يبدأ الغليان كأنَّه حدث فجأة. والسودان قد بلغ هذه النُّقطة الحرجة وما بدأ لن يتوقَّف حتى يصل منتهاه.

ثالثاً الخوف من وضعٍ أسوأ في المستقبل:
لا يمكن تعميم ظروف بلدٍ على بلدٍ آخر حتى وإن اشتركا في الجنس والدِّين ولذلك الخوف ممَّا قد يحدث في العراق وسوريا وليبيا واليمن لا ينطبق على السودان.
فالعراق بلدٌ طائفيٍّ لأكثر من ألف عام ولاء الأفراد فيه للطائفة أولاً وللقبيلة ثانياً ولا ولاء للوطن. واليمن بلد طائفي يماثل العراق والفرق بينهما أنَّ الشيعة أقلَّ من السنَّة. أمَّا سوريا فهي بلد ذابت فيها القبليَّة واستبدلتها بالطَّائفيَّة، وبالرَّغم من الولاء للوطن إلا أنَّها كانت حقلاً للأيديولوجيَّات منذ زمان باكرٍ ولذلك فقد صار ولاء الجيش للأيديولوجيَّة والحاكم على حساب المواطن، وقد استغلَّ هذا الخصلة سيدنا معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه فحارب بهم أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب كرَّم الله وجهه فما بالك بالآخرين؟
وليبيا بلاد تتقاسمها قبيلتان بلا سلطانٍ رادع إلى أن وصل القذَّافي فكوَّن جيشاً عقائديَّاً يقوم على أيديلوجيَّة ابتدعها لحمايته وإكراه النَّاس فهم لم يذوقوا طعم الحريَّة من قبل ولا ذاقت سوريا ذلك ولا العراق ولا اليمن ولا مصر من قبل.

أمَّا السودان فهو خليط من القبائل البدويَّة التي اختلطت مع حضارات شعوب مستقرِّة ذات ثقافة ولها في وجدانها ووعيها الجمعي إحساس متعالٍ بالحريَّة وبالاستقلاليَّة إذ أنَّهم نالوا استقلالهم من استعمارين وخلَّصوا أنفسهم من حكمين شموليين بالثورات المتلاحقة.

وأهمَّ فرق بينهم وبين البلاد الأخرى فهو جيشها الذي قام على أسس وطنيَّة ولم يحارب مع المستعمر إلا بعد أن ضمن استقلال بلاده بعد انتهاء الحرب، ولذلك فهو ليس بالجيش الذي ينقلب على أهله لأنَّ القبليَّة لا تزال جذورها قويَّة وتحميه من التَّعصُّب الأعمى للأيديلوجيَّة، وقد جُرِّب في ثورتين من قبل وخير طريقة لتقييم المخاطر المستقبليَّة هي الاعتبار بالماضي حيث أنَّ احتمال تكرار نفس السلوك هو الأقرب.
والفرق الآخر هو انعدام الطائفيَّة بين السنَّة والشيعة وتعب النَّاس من الحروب والتَّشتُّت.

وقد يجادل البعض بأنَّ الحكومة قد غيَّرت من طبيعة الجيش بتمكين أعضاء الحركة الإسلاميَّة، وقد يكون هذا صحيحاً في أوَّل الأمر قبل أن تستبين الأمور، ولكن معظم هؤلاء الذين دعموه في أوَّل الأمر انتبهوا لغلواء الأيديلوجيَّة ولفساد أئمتهم، فأظهروا استياءهم من طريقة إدارة البلاد والانحراف من مبادئ جمعاتهم لمَّا تحوَّل الأمر إلى ملكٍ عضوض بدلاً من خلافةٍ راشدة، فانسلخوا منهم وغادروا الجيش أو الأمن، والبقيَّة طردوا وبقيَّة تنتظر وهي تري حال الجيش يتضعضع وتستولي على مكانه قوَّات الأمن بكلِّ أقسامها. وليست الشرطة بأفضل حال.

وعليه فمن الممكن أن يسوء الوضع بعد الحكومة الحاضرة فليس هناك شيء مستحيل ولكن احتماله ضعيف جدَّاً فليس هناك سوء يمكن أن يغلب السوء الحالي إذ أنَّ الأمن منفرطٌ عقده، والاقتصاد منهار، ولا احتمال لتحسُّن الأحوال في المدي القريب أو البعيد إذ لا عوامل علميَّة تسند هذا الافتراض بل سيزداد الجوع وتدخل البلاد إلى وادي المجاعة بعد أن عاشت على حافَّته أزماناً وتضيع حقوق النَّاس وحقوق رجال الأعمال الذين يتردَّون في المشاركة بحيث لن يتبقَّى لهم شيء يخافون عليه.
ولنتأمَّل أنَّ بعض الدُّول لم تدخل في دوامة الفوضى مثل تونس ولم تنته لنفس المصير وذلك لقيادتهم العاقلة التي تري الواقع كما هو بانسلاخها من جلد الأيديلوجيَّة، وقد كانت مصر ستكون أفضل حالاً لو أنَّ الجماعة الإسلاميَّة لم تستعجل الأمور وقلعت منظار الأيديلوجيَّة، ولكن حال جيش مصر قريب الشبه بجيشنا ولذلك لم يسمح بفوضى مدمِّرة وإن كان قد استبدل حكماً شموليَّاً بآخر أكثر شموليَّة.

وأهمّ أسباب عدم احتمال تحسُّن الأوضاع الاقتصاديَّة هو أثر المحكمة الجنائيَّة على رئيس البلاد والتي يستخدمها العالم كعصاة يضمن بها تأييد استراتيجيَّته وضعف النِّظام بحصره بين شقَّي رحى الحرب الأهليَّة والحصار الاقتصادي. ولهذا لا يمكن لهذا الموقف أن يتغيَّر ما لم يتغيَّر قائد البلاد فمن أهمَّته نفسه لم تهمُّه أمَّته. فطريقة التَّفكير التي أوردت البلاد مسالك الهلاك لا يمكن أن تنتشله من وهدة الجحيم لأنَّها لو تعرف ما النَّعيم لما دعَّته دعَّاً في نار جهنَّم.
والسؤال أيضاً هل يمكن أن يؤدِّي حوار الوثبة إلى أيِّ تغيير ملموس بحيث يفكُّ الحصار الاقتصادي والسياسي عن السودان؟

والإجابة بالطَّبع لا ودليل ذلك أنَّ طريقة التَّفكير لم تتغيَّر وما زلنا نسمع أصوات الحركيِّين الانفعاليين تقود البلاد مثل من يطلب من النَّاس أن يتكفَّلوا بتعليم أبنائهم. ولأنَّ الحوار كان همُّه الأوَّل والأخير هو إيجاد تسوية للمحكمة الجنائيَّة وتسوية لحزب المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية المساندة بحيث تستمر في الحياة السياسيَّة بعد التَّغيير ولم يكن الغرض إيجاد طريق لتغيير جذري فهو كالبئر المعطَّلة والقصر المشيد.

وثاني الأمر هو أنَّ الحوار تمَّ بانتقائيَّة عالية للمشاركين، وبدعوة للمحاربين لم يشتمل على نقاشٍ يؤدِّي إلى مساومة معقولة، وتمَّت بنَفَسٍ مغرور وباستعلاء لا يحترم المخالف ولا يعطيه قيمة. ثالثاً أنَّ الحوار كان الساعد السلمي لحلِّ مشكلة الحرب الأهليَّة، ولكن الحكومة تؤمن أكثر بذراع الحلِّ العسكري ولذلك فمعظم جهدها وجَّهته لميدان القتال بأملٍ في نصرٍ مبين يقلب موازين القوي حتى تستطيع أن تبقي أكثر وتفرض رؤيتها على المتحاورين.

ورابعاً إنَّ المخرجات، وإن كان فيها بعض العقل، لا يمكن أن تنفَّذ لأنَّ ذلك يعني ميل ميزان القوي وخسران حزب المؤتمر الوطني لثقله السياسي ومن الصعب فطم من أمسك بثدي السلطة لأكثر من ربع قرنٍ وصارت حياته مرتبطةً بنسقٍ ونمطٍ معيَّن للمعيشة والجاه الاجتماعي، فهو مدمن سلطةٍ والمدمن لا يري إلا ما يدمنه. كما ولا يمكن للأيديولوجي أن يري مصلحته في المدي البعيد إذا كانت ستهدَّد في المدي القريب. وخامساً تغيير الدَّولة العميقة لا يتمُّ بسهولة لارتباط وتشابك المصالح خاصَّة إذا اختلطت امتيازات قيادة الأجهزة الأمنيَّة بالاقتصاد، والتي لها اليد الطولي في إدارة البلاد وأكثر الشرائح تعرُّضاً للخسارة والمساءلة في حال تغيير النظام. فغرسة الشجرة من السهل اقتلاعها ولكنَّها تستعصي على الاقتلاع بعد ربع قرن من النُّمو ولكنَّه ليس مستحيلاً.

ونأتي لمسألة البديل:
والسؤال الأوَّل هل يمكن لأحدٍ في حكومة السودان أن يصبح بديلاً مناسباً؟ والإجابة لا بالطَّبع، فمن كان يمكن أن يكون فيه من يقظة ضمير أو مرونة عقليَّة أو سماحة نفسيَّة قد غادر دارها وتبقَّت جماعة الأيديولوجيَّة العمياء وأصحاب المصالح الفاسدين.
أقول هذا عن كلِّ طاقم الحكومة الحاليَّة لا أجد عندهم فكراً، ولا فهماً لأنفسهم، ولا لما يريدونه من الحياة غير ترديد شعارات، واتِّباع أحلام لا تمتُّ للواقع بصلة، وحماس في جهلٍ. فإن كان هناك أملٌ في بقيَّة الجماعة الإسلاميَّة فهذا شأنٌ ستبيَّنه الأيَّام، ونعلم أنَّ بعضهم مخلص لقضيَّته ولكنَّه طويل الأمل على بصيرته غشاوة. ولكنَّهم إذا أرادوا أن يصبحوا مواطنين شرفاء وصالحين فعليهم بمراجعة جذريَّة لجذور فكرهم، ولإجابتهم عن السؤال الأهم: كيف يكمن لجماعة تتبع منهج الإسلام أن تضلّ هذا الضلال المبين فتنسلخ من كلِّ قيم الأخلاق ويصير الشريف فيهم يشار له بالبنان؟

وأيضاً عليهم القيام بفهمٍ مختلفٍ للإسلام يُترجَم كفكرٍ مفهوم يصل للنَّاس كافَّة كما أراد الله سبحانه وتعالي لرسالته التي يدَّعون تمثيلها، ويُترجم لخطط مدروسة، ومشاريع تنفع النَّاس كافَّة تتَّخذ صفات الرُّبوبيَّة وهي الرحمة بكلِّ أبناء وطنهم وبناتها سواسيةً، والعدل بينهم في هذه الحياة الدنيا على حسب كفاءتهم وبذلهم لا ولاءهم وعقيدتهم، ولا تتَّخذ صفات الملك كالقهر والجبروت ديدناً.

والسؤال الثاني: هل هناك بديل مناسب؟ هذا السؤال غير علمي لأنَّ البديل لا يعرف إن كان مناسباً أم لا قبل أن يشغل وظيفته، فحتى الشركات التي توظِّف أحداً تأخذ في اعتبارها شهاداته وخبرته وشهادة الآخرين عنه، ولكن بعد توظيفه لربما يُكتشف أنَّه ليس بمناسب للوظيفة ولكنَّه مناسب لوظيفة أخري، أو لربما يؤدِّي بالشركة للخسارة.
إذن هناك مخاطرة مهما احترصنا ولكن طالما أنَّ القرار في يد المستخدم، وهو الشعب، فبإمكانه أن يزيحه متي شاء. والسؤال الذي يجب أن يُسأل: هل من الممكن أن يأتي القدر ببديل أسوأ؟ والإجابة هي من الممكن ولكنَّه من غير المحتمل فليس في الإمكان أسوأ ممَّا كان إذا ما تجنَّبتم الأيديولوجيِّ الطَّائفيِّ الطَّاغوتيِّ، وأعضاء الحكومة الحاليَّة والسابقين، وكوَّنتم فريق عمل متعاون، واتَّبعتم المنهج العلميِّ.
قوموا إلى عصيانكم المدني يرحمكم الله، وضعوا الوطن في حدقات عيونكم وحافظوا عليه شيباً وشباباً، بناتاً وأبناءً، وعسكراً شرفاء، واستبدلوا السَّفَهَ بالرُّشد، والهوس بالعافية، والجهل والدجل والخرافة والشعوذة بالعلم والحكمة، ولا تيأسوا من روح الله إن صدقت نيَّتكم وحسن عملكم.

ودمتم لأبي سلمي