بسم الله الرحمن الرحيم
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

بالرَّغم من أنَّ الأيديلوجيَّة بدأت كعلم للأفكار على يد "دو تروسى"، وقد كان من الممكن أن يضيف هذا العلم شيئاُ موجباً لمفاهيم الفلسفة، ولكنَّ استخدام المفهوم بعد ارتباطه بالسياسة انتهي كرمزٍ سلبيٍّ يعني التَّعصُّب لمجموعة أفكار أو عادات في وجه البراهين التي تدلُّ على خطلها، بحيث يُجمَّد المنطق النَّقدي والتَّحليلي ويسود المنطق العاطفي؛ أي يتبع الإنسان هواه عند اتِّخاذ القرار.

وباتِّباع الأيديولوجيَّة يسجن الإنسان نفسه بيده في قبوٍ مظلم ويبحث عن منفذ للحريَّة وباب سجنه مفتوح لكنَّه أعمى لا يراه. والمفارقة أنَّ الإنسان مجبولٌ على كسر القيود والخروج على المألوف، حتى وإن كانت الجنَّة، إذا تُرك لطبيعته لأنَّه دائماً ما يخاف من نقصٍ أو يطمع في زيادة، ولكنَّه بذلك يهرب من عبوديَّةٍ نافعة لعبوديَّة ضارَّة إذ لا حريَّة مُطلقة ولا هروب من عقيدة.
ومنذ خلق الإنسان فقد وفَّر له المولي حريَّة الاختيار حتى يعطيه مفتاحه في يده ليقرِّر أيُّ عبوديَّةٍ يختار، ونصحه بعبوديَّته وحده وحذَّره من عبوديَّة شهواته وعبوديَّة الشيطان المتمثِّلة في الأيديولوجيا، ولكنَّه غفل عن النَّصيحة فبدَّل عبوديَّةً تكفل له الحريَّة الحقيقيَّة من الحاجة، والخوف، والطَّمع، ومن نفسه التي بين جنبيه، واختار حريَّةً رعناء ترهقه وتجعله رهين سجن الشهوات وهو لا يعلم أنَّ الحريَّة ليست مُطلقة وإنَّما هي رخصة لعمل الخير، وأنَّ تحديدها كان لغرض الحفاظ على صحَّته وعافيته الجسديَّة والنَّفسيَّة والاجتماعيَّة والرُّوحيَّة والوقاية من الآفات رحمة ممَّن خلقه.

وإذا خيِّر إنسانٌ بين أن يكون سجين المرض في بيته أو سجين العافية في سجنٍ فأغلب النَّاس ستختار الأخير ما عدا من منَّ الله عليه بالحكمة لأنَّه قد حرَّر نفسه من سجن العصيان إلى سهل الطَّاعة وسما من عبوديَّة حاجات الجسد والنَّفس لعبوديَّة ربِّهما.
والإنسان يصنع أيديولوجيَّته من العقائد والقناعات الخاصَّة التي تتكوَّن أثناء نموِّه وهي كثيرة ولكنَّها تتكوَّن من ستَّة أنواع للتَّفكير وهي:

ممكنة وعاديَّة مثل أن تحمل امرأة وتلد طفلاً ولكن بمساعدة رجل، وهذا شأن النَّاس أجمعين.
أو قد تكون مستحيلة وغير عاديَّة في مقياس البشر؛ مثل أن تحمل امرأة وتلد طفلاً بغير مساعدة رجل مثل سيدنا عيسى بن مريم عليهما السلام، أو أن يخلق إنساناً رجلاً من طين أو يخلق امرأة من رجل مثل سيدنا آدم وسيدتنا حواء عليهما السلام. وهذا ينطبق على المعجزات.

أو قد تكون ممكنة ومحتملة أو ممكنة وغير محتملة أو قد تكون ممكنة وحقيقيَّة أو ممكنة وباطلة.
والمستحيلة وغير عاديَّة.

أو قد تكون ممكنة ومحتملة مثل أن يرضع الطفل من أمِّه ويرفض الرِّضاعة من غير أمِّه إلا إذا جاع، وهذا ديدن البشر.
أو ممكنة وغير محتملة مثل أن يرفض الطِّفل الرِّضاعة من أمِّه ويرضع من امرأة أخري أو يرفض أن يرضع من امرأة أخري ولو كان جائعاً مثل سيدنا موسى عليه السلام.

والمثال الأقرب كأن يكون لك طفلٌ يأخذ واجباته بمسئوليَّة وآخر لا يهتمُّ كثيراً، فإذا تركتهما وحدهما وقلت لها بأن يقضيا الوقت في الدِّراسة فالممكن والمحتمل من الطَّفل المسئول أن يسمع كلامك، والطِّفل الآخر فمن الممكن أن يسمع كلامك ولكنَّه من المحتمل أن يشاهد التِّلفاز.

أمَّا الأفكار الممكنة وحقيقيَّة فهي أن يقول شخصٌ ما أنَّه نبيٌّ ويستطيع أن يثبت ذلك مثل أنبياء الله بالمعجزات، والممكنة وباطلة أن يقول آخر أنَّه نبيٌّ، لأنَّ الأنبياء من البشر، ولكنَّه لا يستطيع أن يبرهن على قوله مثل الأنبياء الكذبة أو المجانين أو أهل الخرافة والفانتازيا. وهؤلاء هم أصحاب الأيديولوجيَّة يؤمنون بما تهيؤه له أنفسهم من أجل تحقيق مصلحة عاجلة وتبديد مصلحة آجلة. فإذا وجدت الأيديولوجيَّة فابحث عن الغرض الحقيقي وهو المصلحة الدُّنيويَّة ولا تغتر بالكلام عن الحقِّ والحقيقة والعدل والحريَّة.

ومع أنَّ الإنسان بطبعه يتعصَّب في الوسط أو السياق الذي نشأ فيه لما يرثه من عادات، وعقائد، والتي تُمثِّل ثقافته التي تؤيِّد غريزة بقائه، وتكوِّن هويَّته التي هي موضع تعلُّقه الآمن وقاعدته الآمنة التي ينتمي بها لمن حوله حتى تحمية من خطر العالم، إلا أنَّ ازدياد وعيه، بتعرُّضه لأوساط أو سياقات جديدة بها من العادات والمفاهيم والخبرات المختلفة ما يهدِّد أو على الأقل يواجه ويتحدَّى نظرته الموروثة، يفتح له باباً للتَّأمُّل والتَّغيير.
والسياق الذي نشأ فيه البشر ابتدأ بالأسرة الصغيرة النَّواة، ثمَّ العائلة الكبيرة، ثمَّ العشيرة، ثمَّ القبيلة ثمَّ الشعب ثمَّ دائرة الإنسانيَّة جمعاء ولذلك فالتَّعلُّق الآمن والقاعدة الآمنة تكون في أقوي حالاتهما كلَّما قرَّبنا من مركز الدَّائرة وهو ديدن البشر لا يتغيَّر بتغيُّر الزَّمان أو المكان فقد يستبدل الإنسان تعلُّقاً آمناً بتعلُّقٍ آخر وكذلك قاعدةً آمنة بأخرى ولكنَّه لن يستطيع أن يعيش في حالة عافية بدونهما.
أمَّا إذا ما أحسَّ الإنسان بخطر الاستلاب لهويَّته وتعلُّقه الآمن وقاعدته الآمنة فقد يزداد تعصُّبه لمفاهيمه، كالطِّفل الذي يتعلَّق بوالده إذا اقترب شخص غريب منهما حتى وإن كان هذا الوالد يسيء معاملة الطِّفل والغريب يحاول إنقاذه. فدافعه هو الخوف ممّا لا يعرفه والإنسان عدُّ ما يجهل وهو جوهر العنصريَّة.

فالإنسان مطبوع على التَّعلُّق بمن يربِّيه حتى إن أساء معاملته لأنَّه يربط سبب حياته وبقائه بما قدَّمه هذا الإنسان له وبما أنَّه لا يثق في شخصٍ آخر لأنَّ تعلُّقه بمربِّيه غير آمن ومتذبذب نتيجة سوء المعاملة فهو يظنُّ أنَّ الآخرين سيكونون أسوأ منه لأنَّ من كان عليه واجب حمايته أساء إليه فما بال الآخرين.

والعصبيَّة في تعريفها عند ابن خلدون: هي المحاماة والمدافعة بشدَّة وحماس كبير عمَّن يلزمك أمره وتميل إليه، وتتبعها سرعة انفعال، وخشونة أفعال، ولذلك عندما يقال أنَّ فلان معروف بعصبيَّته لأهله؛ فهو يعني شدَّة الارتباط بهم ونصرتهم والتَّعصُّب لتقاليدهم ومبادئهم وإن خالفت المنطق السليم.

واعصوصب القوم أو اعتصب القوم أي صاروا عصبة، وهي من العادة ترمز للقرابة من جهة الأب لأنَّ النَّاس ينتسبون لآبائهم، وهو مرتبط بالمكان فحيث الأب تكون الأرض، وحيث الأرض تكون القبيلة وتكون الثروة والأمان.
والتّعصُّب يتبعه شعور الغيرة على الشيء المُتعصَّب له وعاطفة الإعجاب به.

ولذلك فيقولون "تعصُّب أعمي"، والعمي المقصود هو عمي البصيرة أي انعدام الوعي، وهو أمرٌ عاطفيٌّ لا أكثر لا صلة له بعمل العقل حتَّي وإن ادَّعي غير ذلك مثل التَّمسُّك بالحقِّ والحقيقة والعمل لهما، وهو مفهوم أثبته المولي عزَّ وجلَّ في قوله الكريم:
" فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ‬"، وكما ذكرنا مسبقاً فقد صدر هذا في أمر المشركين الذين تعصَّبوا لمعتقداتهم وقالوا: " وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۚ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ‬؟"‬‬‬‬
فجمَّدوا بذلك الذَّكاء العاطفي واختاروا بديلاً له المنطق العاطفي وهو ضدًَّ المنطق العقلي ففقدوا بذلك البصيرة، وهي رؤية القلب، مع أنَّ بصرهم سليم يستقبل الأمور ولكنَّه يعرضها على منطق القلب المريض.
ولهذا فالذي يفكِّر بطريقة مخالفة لقومه الذين نشأ بينهم "غريب" بينهم مثل المصطفي صلَّى الله عليه وسلَّم، وهو يدلُّ على استقلاليَّة فكريَّة ومرونة عقليَّة وقدرة على التَّقمُّص ونسبة عالية من الذَّكاء العاطفي وهو البصيرة. والمصطفي صلَّى الله عليه وسلَّم يقرِّظ الغرباء لأنَّهم يخلقون ويقودون التَّغيير في مجتمعاتهم نتيجة لطريقة تفكيرهم المختلفة التَّكامليَّة التي تستطيع أن تفكِّر خارج الصندوق أو الإطار المعهود للجماعة:
"طوبى للغُرَباءِ طوبَى للغُرَباءِ طوبَى للغُرَباءِ فَقيلَ مَنِ الغُرباءُ يا رَسولَ اللَّهِ قالَ ناسٌ صالِحونَ في ناسِ سَوءٍ كثيرٍ مَن يَعصيهم أَكْثرُ مِمَّن يطيعُهُم".
وتكتمل أركان الأيديلوجيَّة بوجود الإكراه والطَّاغوتيَّة. فالعصبيَّة لا تعترف بالآخر وتلجأ للقوَّة لتنفيذ أغراضها وهي بذلك تدخل دائرة النِّزاع وهي دائرة السياسة فتُكره النَّاس حتَّى وإن رفضوا ما يُعرض عليهم. ولا يقوم بذلك إلا طاغوتيٍّ يمتشق سلاحه إن كان سيفاً أو قلماً أو صوتاً ويدَّعي الدِّفاع عن الأصول أو الحقوق أو الحقّ، ويحاول أن يُظهر نفسه كالمدافع عن شيء لا المعتدِي، ولا يفتقد التَّبرير لفعله ودافعه مصلحته الشَّخصيَّة لأنَّ ذاته منتفخة وليس فيها مكان لشخصٍ آخر.

والغريب أنَّه إلى الآن من النَّاس من يظنُّ أنَّ الإنسان مخلوقٌ عقلانيٌّ، ويمكن أن تحتكم إلى عقله أو تخاطبه، وأنََّ كلَّ ما يحتاجه الإنسان من أجل أن يسلك طريق السلام والعقل هو الحريَّة، وذلك ليفكِّر ويحلِّل ويفكِّك ما ورثه من علوم كما يشاء. وفي ظنِّه أو وهمه أنَّه إذا ما نال حريَّته الكاملة وفكَّر بلا قيودٍ فسيتوصَّل للحقيقة العلميَّة كما ينبغي أن تكون، ويتَّخذ حينها من القرارات ما يطوِّر بها حياته، ويُنمِّي بها عافيته، وينشر بها السلام من غير حاجة للإيمان بالغيبيَّات، أو إن كان هناك حاجة لها فيجب أن تدخل من باب فكر الحداثة منقادةً لا قائدة.

وهذا تفكير أيديولوجي لا يري الواقع كما هو، بل ويراه كما يريد له أن يكون، ويتعامل مع الواقع على هذا الأساس، بأن يضع فرضيَّة لا دليل علمٍ عليها يتَّخذها مقدِّمةً منطقيَّةً يستنتج منها خلاصةً باستخدام المنطق الصوري، يؤمن بها ويدافع عنها كأنَّها الحقَّ الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وبذلك يقفل باب أيِّ احتمال آخر لأنَّ في وهمه أنَّه قد وصل للحقيقة المطلقة.

ومن مثل هذا المنهج المغلوط تنشأ الفجوة بين المفكِّر والنَّاس، وتنشأ الكوارث عندما يحاول براغماتيٌّ طاغوتيِّ متعصِّبٌ لفكرٍ أو موروثٍ ما، أن يجعل خلاصة التَّفكير الاستنباطي واقعاً مُعاشاً بإكراه النَّاس عليه. ولذلك فالإنسان هو المخلوق الوحيد الذي يفعل ما يضرُّه، وهو يظنُّ فيه منفعة حتى وإن أتيته بكلِّ دليل، فهو أعمي، ولذلك هو أعدي أعداء جنسه.

ولا نحتاج لبرهانٍ كبير لأهل الحداثة، فمن يري الحروب التي قامت بين دول ما تسمَّي الحضارة الغربيَّة لا يجدُ برهاناً أسطع منها ولكنَّهم يرون ما يريدون أن يروه وهذا دليل العصبيَّة والتي هي ركن من أركان الأيديلوجيَّة. ولا نحتاج لدليلٍ مُبين لأهل الأصوليَّة الدِّينيَّة، الذين يظنُّون أنَّ فهمهم للأصول هو الفهم الصحيح الوحيد فيقسرون النَّاس عليه، هذا إذا ما تأمَّلنا الفوضى السائدة في بلاد المسلمين وبحار الدَّم المسفوح فيها. فالنَّاس ضحايا بين شقَّي رحى أيديلوجيَّة علمانيَّة وأخري دينيَّة.

والعجيب في الأمر أنَّ الإنسان يصير عبداً لما يصنعه ويعتمد عليه إن كان فكرةً أو آلة فتأمَّل كيف صار النَّاس عبيداً يذهلهم ما صنعوا بأيديهم ولا يعيشون من غيره مثل الهاتف أو السيارات بينما الله سبحانه وتعالي لا يعبد ما خلق من عدم، ولا يندهش من مقدرته على الخلق فهي صفة من صفاته لا تحتاج لمجهود، ولا يعتمد على ما خلق ولا يحتاجه.
فهو صنع نظرية الشيوعيَّة والعلمانيَّة والطوائف الدِّينيَّة وصار منبهراً بها يحتاجها أكثر ممَّا تحتاجه ويعبدها.

ولذلك لا أمل في أن يُغيِّر الأيديولوجي رأياً أو يفكِّر خارج الصندوق أو خارج إطار تفكيره المعروف فيري ما يراه النَّاس أو ما يقع خارج الإطار، فواقعه غير واقعهم، وطريقة تفكيره غير طريقة تفكيرهم ولذلك فسلوكه غير سلوكهم فهو عبد رأيه ولا يملك رأيه. والأيديولوجي لا يعرف الفرق بين أن تحترم حرِّيته لاختيار ما يراه نافعاً له وبين أن توافق على اختياره، فهو يدعو النَّاس لاحترام رأيه والموافقة عليه بدلاً من الدَّعوة لاحترام حرِّية اختيار رأيه. ولا مانع من احترام رأيه لأنَّ المولي عزَّ وجلَّ أمرنا أن نحترم عقائد وآراء النَّاس ولا نسبَّها ولكن لا يعني ذلك الموافقة عليها:
" وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ‬"‬
ويري الأيديولوجي أنَّه إذا لم يوافق النَّاس على رأيه ويظهروا احترامهم له فقد انتقصوا من حقوقه مع أنَّه بقناعته التّامَّة الصلبة لا يعطي الآخرين نفس الحقوق لأنَّهم على باطل وهو على حقٍّ.

فالله سبحانه وتعالي الذي خلق النَّاس أعطاهم حريَّة الاختيار ولم يُكره أحداً على عبادته، ولكنَّه لم يوافق على اختيارهم أو وصف اختيار عبادة غير الله بالأمر المقبول، أو الجميل، أو الصحيح. ولكنَّه لم يتبع طريق تفكير الأيديولوجي فلم يأمر بالتعصُّب للرَّأي، وإن كان صحيحاً، وإنَّما أمر بعرضٍ سمحٍ حكيم، لا إكراه عليه ولا قسوة في الدَّعوة إليه.

والأيديولوجي أوَّل من يهاجم الأيديلوجيّة ولكنَّه لا يري نفسه من أتباعها لأنَّه يظنُّ أنَّه صاحب الحقَّ ومُدرك الحقّ.
والمولي عزَّ وجلَّ حارب الأيديلوجيَّة منذ أوَّل لحظة فهو طالب النَّاس بتحرير أنفسهم من أيديلوجيَّة الموروثات؛ أي التَّعصُّب الأعمى لما نشأوا عليه، واستخدام الاستقلاليَّة الفكريَّة للتَّفكُّر والتَّدبُّر في المفاهيم الجديدة بدون ضغوط القبيلة أو الحاجة.
وثانياً حدَّد للمصطفي صلَّى الله عليه وسلَّم منهج الدَّعوة للمفاهيم الجديدة وهو تبليغ الرِّسالة وإبانتها تماماً حتى يتم فهمهما ومن بعد ذلك ترك الأمر للإنسان ليقرِّر ونهي نهياً باتَّاً عن إكراه النَّاس على تبنِّي المفاهيم الجديدة.
أمَّا الرُّكن الثالث وهو ركن الطَّاغوتيَّة فقد نهي المولي عزَّ وجلَّ عن قسوة وغلظة القلب والانتقام بل أمر بالرَّحمة والحكمة. ولذلك فالدِّين في أصله يهدم الأيديلوجيَّة ويرفع من قامة الاستقلاليَّة الفكريَّة والحريَّة العقليَّة في الاختيار.
هذه العصبيَّة، كما قلنا، مسألة طبيعيَّة لأنَّها مرتبطة بغريزة البقاء والتي بدورها مرتبطة بالتَّعلُّق الآمن بشخص أو أشخاصٍ يوفِّرون له أسباب الحياة، فترتبط في ذهنه بالقاعدة الآمنة التي نشأ فيها فيكون انتماؤه له وولاؤه لها. ولكن درجتها تختلف من شخصٍ لآخر حسب ظروف نشأته في دائرته الخاصَّة، وعوامله الوراثيَّة، ومدي شعوره بالأمن والسلامة الجسديَّة والنَّفسيَّة، ودرجة وعيه، وذكائه، ودراسته، واحتكاكه بالعالم خارج دائرة القبيلة أو المنطقة أو الوطن.

وقد خاطب المولي عزَّ وجلَّ أهل الكتاب ودعاهم لنبذ العصبيَّة باستخدام العقل لا العاطفة، بناءً على ما نالوا من العلم بواسطة رسله، وبناءً على أنَّ الرسالة واحدة والمعبود واحد، فالكلمة السواء تعني الابتعاد عن التَّطرُّف والتَّقابل في منتصف الدَّائرة بحيث يغربل الإنسان مفاهيمه وينبذ التي أضيفت لها ولا يترك منها إلا الأساس الذي نزل على الرُّسل ومنه يبدأ البناء الجديد:
"قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ‬". ‬‬
وهذه دعوة لاجتناب العصبيَّة وإكراه الآخرين على دينهم إن كان بالحرب النَّفسيَّة:
" لَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ۗ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى‬".‬‬

أو الحرب النَّفسيَّة والمَّادِّية معاً:
" وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ‬".

ومن الأمثلة الأيديلوجيَّة المستنبطة من المنطق الصوري التي تقوم على مُقدِّمات خاطئة، وهي كثيرة، المثل في طريقة معاملة الأطفال:
"الضرب ينفعهم والعلم ينفعهم". فالإسلام لم يأمر بضرب طفلٍ أبداً إلا في حديث واحدٍ في أمر الصلاة:
" مروا أبناءكم بًالصلاة وهم أبناء سبع سنين واضربوهم عليها لعشر وفرقوا بينهم في المضاجع".
والسبب لضربهم لعشر أنَّ فصَّهم الأمامي قد نما بحيث يستطيع الطِّفل أن يفرِّق بين الصواب والخطأ وتكون عليه مسئوليَّة قانونيَّة إذا ارتكب جريمة مثل القتل. ولكن ضرب الكبار فيه شفاء من الإدمان مثل الخمر والمخدِّرات ونجد أنَّ الجلد أمر به الرَّحمن لشارب الخمر مثلاً ممَّا يدُلُّ على نفعه في الكبار وضرره في الصغار.
فالذي صاغ هذا المثل اعتمد على انطباع وعلى واقعٍ هو عاشه مثل أن يكون قد نشأ في بيئة تستخدم الضرب كوسيلة تربية للأطفال أو له ولدٌ وقد كان مشاغباً فضربه فخاف الولد من أبيه وذاكر دروسه فنجح فيها وصار موظَّفاً حكوميَّاً يشار له بالبنان.

ولكن قبل أن نقبل هذا المثل كحقيقة إنسانيَّة نطبِّقها على كلِّ طفل يجب أن نُعرِّف "النَّفع"، فهل النَّفع هو الاهتمام بالدراسة أم بالنَّجاح في الامتحان؟ أم في تولِّي وظيفة كبيرة؟ فكيف إذا نشأ هذا الطِّفل وهو خائف من كلِّ ذي سلطة يقوم في مقام أبيه مثل رئيسه في العمل مثلاً، ولكنَّه بنفس هذا القدر يُخوِّف من هم دونه ويُصلي المواطن ناراً بظلمه لأنَّه يعتقد أنَّ هذا المواطن أقلَّ درجة منه لأنَّه لم يذاكر دروسه كما فعل هو، أو لأنَّه ليس له والد يربِّيه كما فعل معه والده، فهل ضرب هذا الطِّفل ينفعه؟ وهل النَّفع المقصود هو في الحياة الدُّنيا أم في الحياة العليا؟

وهل قام مثل هذا الشخص بدراسة موضوعيَّة علميَّة وقارن فيها بين الأطفال الذين تعرَّضوا للضَّرب مقارنة مع الأطفال الذين لم يتعرَّضوا للضَّرب ورأوا أيُّهم أكثر نفعاً لنفسه وأهله ومجتمعه؟

لقد كان والدي يؤمن بهذا المثل ولا يزال يدافع عن ضربه لنا عندما كنَّا صغاراً ويحتجُّ بنجاحنا، حسب تقييمه، هذا إن كُنَّا نُعتبر من النَّاجحين، على صحَّة هذا المثل فهو يري علاقة مباشرة بين ضربنا ونجاحنا ولم يضع أيٍّ من العوامل الأخرى مثل مستوي الذَّكاء الموروث، أو الظروف التي ساعدت في إقبالنا على العلم مثل عصاميَّته وشغفه بالعلم، أو الأساتذة الذين كانوا لنا قدوة وأيضاً تجاربنا في الحياة وما شابه ذلك.
مثل هذا المنطق الصوري الذي يقوم على مقدِّمات تعتبر بديهيَّة ومقبولة والذي يتَّخذ التَّفكير الاختزالي منهجاً هو ما جمَّد منهج التَّفكير العلمي الذي دعا له المولي عزَّ وجلَّ في كتابه الكريم. ويمكن للإنسان أن يستخدم نفس هذا المنهج لإثبات أنَّ من حقِّ الأولاد مثلاً ضرب آبائهم لتعديل سلوكهم لأنَّ الضَّرب نافع. فمثلاً تكون المقدِّمة المنطقيَّة:
الضَّرب ينفع الإنسان
الأب إنسان
إذن الضَّرب ينفع الأب.

وتبسيط المسائل غالباً هو نهج ينتج من نفس سطحيّة بسيطة ليس لها المقدرة على قراءة الواقع بتعقيداته الكثيرة، أو كسولة لا تُريد أن تتعب نفسها بالتَّفكير، وهي تعقيدات تُثريه أكثر ممّا تُفقره، ولذلك ليس لهذه النَّفس المقدرة على دراسته وفهمه، حتى وإن حاولت ذلك، فهذا الواقع لا يُوجد في الخارج حسب ظنّ الأيديولوجي. ففي رأيه أنَّ ما يوجد في الخارج كان من المفروض ألا يحدث أصلاً لولا انحراف النّاس عن المنهج الصحيح، أو عدم فهمهم لطبيعة الأشياء كما يفهمها هو، وبالتّالي فإنّ الواقع الموجود لا يساوي شيئاً عنده إذ هو حتميَّة تاريخيَّة نتيجة للاستغلال أو نتيجة لوسوسة الشيطان، فيظنُّ أنَّ الواقع المثالي، وهو الواقع الموجود في ذهن الأيديولوجي لا القائم بالفعل، هو الذي كان يجب أن يكون.

فالأيديولوجي كالمُجصّص الذي يري أنّ كلّ الحيطان يجب أن تكون مستوية لا نتوء فيها، ويسوء خلقه إذا حدث ذلك، فيعمل جاهداً للتّخلّص من أي شذوذ في معياره، الذي هو عوار لا يجب أن يُوجد أو يظلّ في نظره لأنّه يخرّب مبدأ الاستقامة عنده أو يغالط مقدِّماته المنطقيَّة أو حصيلتها الخاطئة.

ولماذا الأيديولوجي بهذه التركيبة النفسيّة؟

معظم الأيديولوجيين ينشؤون في وسط لا تُمثّل العاطفة فيه شيئاً ملموساً لعدم قدرة الوالدين على إظهار العاطفة أو إشباع حاجة الطفل منها، أو لفقدانهما في حالة الموت أو الطَّلاق، مع أنّهما قد يوفّران وسائل العناية الماديّة، ولكن يكون التركيز على النجاح في الدراسة أو العمل مثلاً وليس على العافية النَّفسيَّة وبذلك ترتبط قيمة الذَّات بالنجاح والفشل في الدِّراسة والعمل.
هذا المنهج التربوي يُخلّف في الصغير إحساساً بالدونيّة ويؤثّر على ثقته بنفسه، ولذلك إمّا أن ينفخ ذاتيّته أكثر ممّا ينبغي فيصير نرجسيّاً، أو تظلّ مُفرّغة من حُبِّ الذات وتقديرها فيظلُّ وضيعاً، وفي الحالتين فالنفس غير سويّة. وقد أبانت الدراسات في علم النفس أنّ الآباء يكونون ضحايا لهذا النوع من الحرمان في حياتهم ولهذا فإنّ فاقد الشيء لا يعطيه.

إذا شارك هذا الحرمان العاطفي قسوة أو أي نوع من سوء المعاملة فإنّ الأثر يكون أكبر وربما يؤدّي إلى نشوء حالة غربة نفسيّة بأن يُحسُّ أنَّه مختلف عن بقيَّة الأطفال ولا تربطه علاقة عاطفيَّة أو اجتماعيَّة معهم، أو قد يؤدِّي إلى مرض اكتئاب نفسي وفي هذه الحالة يفقد الطفل الرغبة في الحياة أو في التحصيل الأكاديمي ويتدهور مستواه، أو قد ينسحب من الواقع ويغمر نفسه في ثنايا الكتب والخيال، أو في تغطية الوعي بالخمر والمخدرات.

الطفل الذي لا يُحسّ بأنّه مرغوب أو يمكنه أن ينشئ علاقات اجتماعيّة حميمة وفعّالة؛ إمّا لنقص ثقته في نفسه أو في مقدراته أو لانعدام المهارات الاجتماعية عنده فلا يستطيع أن يبادر الآخرين وخاصّة الجنس الآخر إن كان ذكراً أو كانت أنثي ويعتمد في ذلك على مساعدة الذين يكونون أكثر ثقة بأنفسهم ولذلك تجد تآلف واثق بنفسه مع آخر غير واثق بنفسه. هذه الشراكة النفسيّة تُربح الطرفين فبينما يجد الطرف الواثق بنفسه تلميعاً عندما يظهر أمام الآخرين مع شخص أقلّ منه ثقة أو ثقافة أو طلاقة لسان، وهو ما يُعرف بتأثير الشَّرَك أو الطُعم، والذين كانوا يصطادون الطيور يعرفون ماذا يعني ذلك، أمّا الشخص خفيض الثقة بنفسه فيجد في معيّة الآخر فرصة للقاء الآخرين وقبولهم إذا هو دار في دائرته.

من أهمّ آثار الحرمان العاطفي هو تراجع نموّ الفصِّ الأمامي.
ماذا يعني كلّ هذا التشريح النفسانيّ؟ يعني أنّ في قلب الأفعال نفوس تُحسُّ وتفكّر وتقرّر وتفعل وهو نتاج تربيتها وطبيعتها.
فالذي عانى الحرمان العاطفي يكون تعلُّقه غير آمن وليس لديه قاعدةٌ آمنة فيبحث طيلة حياته لمن يُعوّضه هذا الحرمان، ويظهر محبّته له أو الاهتمام به أو أن يُثني عليه ولذلك يكون ضعيفاً أمام الدَّعوات الأيديلوجيَّة التي توفِّر له تعلُّقاً آمناً وقاعدو آمنة خاصَّة في مرحلة التَّجنيد الأولى حيث يتركَّز الاهتمام به ممَّا يُعطيه شعوراً بالأهمِّية والأمان افتقده طوال حياته. حينها يشعر أنَّ لحياته معني وهدف واضح بدلاً عن فترة الضَّياع النَّفسي التي عاناها بلا مرفأ.

أمّا الذي طالته يد القسوة مع التعذيب أو سوء المعاملة فأمره مختلف إذ أنّ فصّه الأمامي يصيبه العطب، ويكبر كشخصٍ غاضبٍ يطلب الانتقام فتزيد فيه نسبة الطغيان حتى تصل مرحلة الطاغوتيّة، وأهمّ مظاهرها هي غياب المقدرة على الإحساس بالآخر وتسمّي هذه المقدرة "بالتقمّص".
والإنسان له طبيعة طاغوتيّة يُولد بها تساعده على الحياة إذا تعرّض للخطر فبإمكانه أن يقتل شخصاُ آخر إذا عرَّض حياة من يُحب للقتل، ولكنّها طبيعة تستخدم في ظروف مُعيّنة لتكون عوناً على الحياة، أو تستخدم في غير ظرفها فتكون عوناً على الدّمار.
والمولي عزّ وجلّ تحدّث عنها كثيراً فنبّهنا إلى: "كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى"، وضرب لنا أمثالاً كثيرة منها قصّة قابيل وهابيل، وإخوة يوسف، وفرعون مصر، والنمرود، وأبي لهب.‬

وأهمّ مُحرِّك للطاغوتيّة هو الغيرة وأخطر ما فيها هو الحسد الذي يقود لتبخيس قيمة الآخر فيصير كأنّه سقط متاع لا إحساس له ولا يهم إن تعذّب أو مات.

والدِّين لا رسالة له إلا تذكير النّاس بثلاثة أصول هي: خالقهم، ووالديهم، وأصل والديهم. فالرجوع للخالق هو الأصل في الخلق والملك: " وإِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ ‬"، وبهذا الأصل تتمُّ واجبات الربوبيّة التي تُيسّر للمؤمن والكافر في هذه الحياة الدّنيا، ولا ينالها في الحياة العليا إلا المؤمن الذي أدّي حقّ شكرها. هذا مبدأ المساواة الأوّل أنّ النّاس كلّها خلقها نفس الإله، وأعطاها نفس الفُرص لعبادته، كلٌّ حسب وسعه، والعباد متساوون في نظر الخالق إلا بإخلاص إيمانهم: " إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ‬".‬‬‬‬

أمّا مبدأ المساواة الثاني فإنّ النّاس جميعاً يرجعون لآدم وحوّاء عليهما السلام ولذلك فهم إخوة، والإخوة متساوون في نظر الوالد إلا بعملهم؛ لأنّ النّيّة لا يعلمها إلا الله عزّ وجلّ، وواجب الإخوة التّعاون: " يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا".
أمّا مبدأ المساواة الثالث فهو أصل خلق الإنسان من تراب، الذي هو أرخص وأكثر موجودات الأرض، وبعد خلطه بالماء الذي منه خلق كلِّ شيء حيٍّ، صار طيناً نتناً: "إنّا خلقناهم من طينٍ لازب"، وهو درس في التواضع لمن يري في نفسه قدراً زائداً عن الآخرين وينسي أنّ كلّ ما عنده من العزيز الحكيم الذي لم يضنّ به حتى على عباده المُنكرين.

هذا التذكير بالأصول الثلاثة هي أصل الدين حتى يتذكّر الإنسان أنّ واجبه الأول هو عمارة الأرض لا تدميرها، ويبدأ الإعمار عندما تُعمّر نفسك ببناء نموذجٍ فكريٍّ يُفسِّر لك العالم ويهديك لسلوك طريق الفعل الواعي الذي يجلب العافية، ويُوّلد السلام الداخلي، ويفتح كنوز الحكمة. ثمَّ من بعد ذلك يُعمِّر ما بينك وبين أخيك الإنسان لتتكاتف معه على أداء واجب الخلافة فليس لإنسان من الحقوق أكثر من الآخرين مهما اختلفت عقائدهم. ولا يتمّ تعمير العلائق إلا بالإيثار، ولا يتمّ الإيثار إلا بحبّ الخير للآخرين كما تُحبّه لنفسك، وهو أصل الإخلاص في الإيمان، ولا يتمّ ذلك إلا بتزكية النّفس من الشح، ولا يتمّ تزكية النّفس من الشّح إلا بالنظر لنعيم الحياة العليا والطمع فيه بالبصر بحقيقة تفاهة نعيم الحياة الدنيا الزائل فهو لا بدّ أن يفوتك أو تفوته.

لهذه الأسباب لا يتبع الأيديولوجي في خططه إلا ما يحقِّق مصلحته بلا أي تخطيط علمي بمنهج يمكن تفنيده، ولكنَّه يتبع ويتعصَّب لمجموعة من الأفكار المتضاربة المُجمَّعةُ من أعضاء التنظيم، والتي تقوم على الحدس والجهل والعنصريَّة، أو العاطفة المتحمّسة، أو الرأي الفطير، أو التجربة الذاتيّة، أو التقليد لشيء أعجبه، أو على الخرافة، أو على الأشياء الغيبيّة مثل الرؤيا والتنجيم، التي لا مجال لها في الموضوع المطروح، فيؤدّي كلّ ذلك إلى خلطٍ وتشويشٍ فكري ينعكس كفوضى عمليّة على الواقع.

ومن العادة أن ينتهي الأمر، بعد انهزام الفكرة في المجال التطبيقي، إلى لوم أصحاب الأيدلوجية للآخرين على الفشل، والهجوم عليهم لأنّهم، حسب زعمهم، أفشلوا المشروع الذي كان سينقلهم من عالم الفاقة لعالم الرفاهية، وذلك لأنّ العامّة لم يفهموا الفكرة، أو عجزوا عن تطبيقها لخلل فيهم، أو فهموها وقاوموها حسداً من عند أنفسهم حتى لا يكون لهم السبق عليهم، أو لأنهم خائنون لأوطانهم قد باعوا ضميرهم لأعداء الوطن.

ويتّهمونهم كذلك بعدم تقدير التضحيات التي قام بها أصحاب الأيدلوجية في سبيلهم، والتي حتماً لم يكن المتلقِّين أهلاً لها.

وفي بعض الأحيان قد يلوم أصحاب الأيدلوجيّة بعضاً من أعضائهم ويتّهمونهم أنّهم لم يطبّقوا الأفكار كما ينبغي وأنّ الخلل ليس فيها وإنّما في الأشخاص أو أنّهم إن أُعطوا فرصة أُخري فيثبتون صحّة طرحهم.

أو قد يلجؤون إلى تفسير غيبي إلى أنّ أسباب الفشل تعود إلى فساد النّاس وعدم ورعهم أو استغفارهم.
والطريف في الأمر أنّ أصحاب الأيدلوجية يبدؤون تجاربهم الصغرى، مثل تكوين المجموعات أو الأحزاب بصرامة أخلاقيّة عالية، وتمسّك بالمبادئ مُبهر، وبتضحيات لا يستهان بها، ولكنّهم ما أن يسودوا ويطبّقوا أطروحاتهم على أرض الواقع تجدها لا تُنبت إلا حصرماً، وتبدأ المبادئ في التراجع، والأخلاق في التدهور، والتضحيات في التناقص، وكلّما زادت المُهدّدات كلما زاد التدهور الأخلاقي والمبدئي، وقلّت التضحيات ويصير الجهد مضاعفاً للبقاء بأيّ ثمن، حتى إن أدَّي إلى التَّضحية بمن بني بنيانهم، وذلك بعد أن يكون الهدف قد غُمِر تحت مياه الفساد.

هذا النّمط من الأيدلوجيّة هو السائد في جميع أركان الأرض ويخفّ ظلّه أو يكثف بوجود فسحة حريّة في المجتمع أو المجموعة. وكلّما أفردت الشموليّة جناحها على مجتمعٍ ما أو مجموعة ما زادت الأعراض المدمّرة للأيدلوجية، وزاد الخراب بوتيرة متسارعة، بينما أعراض مرض الأيدلوجيّة المكبّلة بنوع من حريّة الرأي والقضاء المستقل، تتراكم علّاتها على مدي أعوام طويلة قد تمتدّ إلى قرون ولكنّها في النهاية تصل لنفس المصير.

ففي الأنظمة الشموليّة يتّهم أصحاب الأيدلوجيّة جميع أفراد الشعب الذين يقفون ضدهم أو لا يقفون معهم في خندقٍ واحد هذا إذا كانوا في سلطة ما، أمّا إذا لم يكونوا في سلطة ما فهم يتّهمون من يختلفون معهم فكريّاً بالعداوة. أمّا في الأنظمة التي فيها فسحة من الحريّة والتي تُعرف إجمالاً بالنّظم الديموقراطيّة، فالاتهام يوجّه للأحزاب المعارضة.

ولكن الفرق بين أيدلوجيّة الشمولية والنّظم التي فيها نوع من الحريّة يضيق كلّما هُدِّدت المصالح أو غريزة البقاء في نظم الدِّيموقراطيَّة حتى تكاد أن يتلاشى فتسود الشعارات اليمينيَّة المحافظة المنغلقة ذاتيَّاً بدلاً من شعارات اليسار المنفتحة عالميَّاً.

ولا يُمكن لصاحب الأيدولوجية أن يُقر بخطئه أو يراه كما هو أبداً حتى لو كلّفه ذلك حياته والتي، إن فقدها، فسيبرّر ضياعها في سبيل فكرته بطلب الشهادة، أو الدّفاع عن الفكرة، أو عن الأمّة أو ما شابه.

وغالباً ما يلجأ، إن كان على سدّة سلطة زمنيّة يتحكّم بها على مصير النّاس، لكلِّ أساليب الاحتيال، والمداراة والتنكّر للمبادئ، والعمل التكتيكي وليس العمل المبدئي، مع أنّ النظام الأصلي للمجموعة يقوم على المبادئ الأخلاقيّة، وذلك حتى يتمّ تحقيق الأهداف وأهمّها أن يحوز على السلطة الزمنيّة وأن يظل فيها وسبيل تحقيق ذلك، إذا ما ضاق عليه القيد أو هُدّدت مصالحه أو وجوده، واحدة من أربعة:

أوّلها اتّخاذ الذرائعية أو الميكافلية كمنهج بدلاً من المبدئيّة.
وثانيها استخدام القوّة الغليظة بكلِّ أشكالها، والتي تنعدم فيها الأخلاق بكلّ معانيها، وتعتمد غالباً على الخيار العسكري والأمني.
وثالثها تكميم الأفواه والتّحكّم في الإعلام وتفريق وشراء ذمم مثقّفي وقياديي المعارضة، لأنّهم الأقرب للنّاس، وترغيبهم وترهيبهم لاختراع أو تسويق شعارات عن الوطنيّة أو القوميّة أو الدين أو تهديد غريزة البقاء، والتي تدغدغ أحاسيس عامّة النّاس ذوي الوعي القاصر، وذلك من أجل تمويه الواقع وعرضه في صورة زاهية لا تماثل ما يعايشه النّاس.
ورابعها، وهو الأخطر لأنّه يعود عليها بالخراب الحتمي، التصديق في الأكاذيب التي يبتدعونها والتي يردّدها إعلامهم، ثمّ خلق بطولات وهميّة واستخدام تضحيات أتباعهم كمبرّر للبقاء في السلطة.

طبّق هذا المنهج على الواقع في كلّ أرجاء العالم في الحاضر أو التاريخ فتجد أنّه ينطبق على كلّ الأنظمة السياسيّة والاجتماعيّة مهما كان لونها الفكري أو السياسي إذا كانت في الدول الشيوعيّة أو الرأسماليّة أو الإسلاميّة.

وسنواصل إن أذن الله سبحانه وتعالي
ودمتم لأبي سلمي