بسم الله الرحمن الرحيم
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

كلُّ جديد هو تمرُّدٌ وثورة على المعهود. والتَّمرُّد طبع في الإنسان يبدأ منذ الصغر كجزءٍ من عمليَّة انفصال شخصيَّته وتكوين هويّته المتفرِّدة عن والديه، وحينما ينجح يمتدُّ تمرُّده على مجتمعه ولذلك فلكلِّ جيلٍ شخصيَّته وثقافته المختلفة. ومثلما تختلف شخصيَّات النَّاس عن بعضها البعض كاختلاف بصمات بنانها، فكذلك تختلف الأجيال، والقبائل، والشعوب إذ لكلٍّ شخصيَّته وثقافته المتفرِّدة.

ودراسات التَّوائم وجدت أنَّ التَّوأم إذا نشأ مع توأمه يحاول أن يختلف عنه مقاوماً طبيعته الوراثيَّة ويخفُّ ذلك إذا نشأ في بيئة مختلفة.

وانفصال الطَّفل عن والديه يعتمد على كيفيَّة تربيته فإن كان تعلُّقه بهما أو بواحدٍ منهما آمنٌ فهو في غالب الأمر سيكون واثقاً من نفسه لأنَّ غريزة البقاء فيه غير مُهدَّدة ولذلك فسيكون انفصاله سلساً بلا توتُّر شديد وسيستطيع أن يقيم علاقات مع الآخرين حميمة وعميقة وآمنة.

وهو سيكون أفضل حالاً من الطِّفل الذي لم يتلقَّ تربيةً مليئة بالعاطفة والتَّقدير والاستجابة لتغذية حاجاته الجسديَّة والنَّفسيَّة والاجتماعيَّة والرُّوحيَّة، ولذلك ستكون عنده مقاومة كبيرة ضدَّ الأزمات، ومرونة في التَّعامل مع عقبات الحياة، لأنَّ الفصَّ الأمامي من مخِّه سليم ونامٍ بحيث تكون عنده ذخيرة من الحلول للمشاكل التي تواجهه وبعض الحكمة نتاجاً لذكائه العاطفيَّ وبالتَّالي فهو مُحصَّنٌ ضدَّ الأمراض النَّفسيَّة في المستقبل مثلما يُحصَّن ضدَّ الأمراض بأمصال الفيروسات.
والتَّعلُّق الآمن عرَّفه "جون بولبي" طبيب الأطفال والمعالج النَّفسي بأنَّه:
"هو نزعةٌ فرديَّة داخليَّة لدي كلِّ إنسان تجعله يميل لإقامة علاقة عاطفيَّة حميمة مع الأشخاص الأكثر أهميَّة في حياته، تبدأ منذ الولادة وتستمرُّ مدي الحياة".
ولأنَّ الحياة غير مثاليَّة والإنسان مُعرَّضٌ لفقدان والديه، فهو عرضة لأن يعيش سنواتٍ من الحرمان المادِّي والعاطفيّ ممَّا يجعل ثقته بنفسه وتقييمه لها ضعيفاً، ويُحرم من عامل "التعلُّق الآمن" والذي هو الشرط الأساسي لنموِّ الإحساس "بقاعدةٍ آمنة" في داخله يلجأ إليها إذا أظلمت أيامه وتكالبت عليه الهموم.

والقاعدة الآمنة تُمثِّل الوالد الذي تثق فيه وتعتمد عليه، والمكان الذي نشأت فيه، والذِّكريات والمعارف التي اختزنتها أيَّام الطُّفولة والصِّبا ترجع إليها إذا احتجت لملاذٍ آمن من شرور أو متاعب الدُّنيا. ولهذا كان التَّعلُّق بالأسرة، وبالعشيرة، وبالقبيلة، وبالأوطان أمرٌ فطريٌّ لأنَّ الإنسان يحقن ذاته لاشعوريَّاً بذكرياته فيها، ويحمله في وجدانه بعد أن استحال عليه حمله معه أينما كان فعليَّاً، كما تحمل الصور أو أفلام الفيديو كرمزٍ للآخر الذي تحبُّه.

والذين لا يستطيعون أن يبنوا تعلُّقاً آمناً مع من يربِّيهم فليس لهم حظٌّ في نقل "القاعدة الآمنة" من الواقع للخيال كرمز يرجع إليه إذا احتاجه. هذا هو شعور الانتماء وإليه يكون الولاء.

فمثلاً إذا كان الإنسان يعيش في بلدٍ بعيدٍ وليس لديه مجالٌ في التَّحدُّث مع والديه لأيِّ سببٍ كان فهو سيرجع إلى ذكرياته، وسيسمع صوتهما الهامس إذا خلا بنفسه، وسيستطيع أن يُخمِّن ما الذي كانا سيقولانه له في مثل هذا الموقف. أمَّا المفتقر إلى مقدرة حقن النَّفس برمز القاعدة الآمنة فإنَّه لن يستقرّ له قرار حتى يسمعهما أو يراهما عياناً بياناً ولذلك ففرصة انفصاله منهما غير سلسة ومواصلة الحياة بدونها صعبة.
ونحن نحتاج إلى اللجوء إلى قاعدتنا الآمنة عندما يظهر ضعفنا، والإنسان أضعف مخلوقات الله سبحانه وتعالي، وأكثرهم اعتماداً على والديه منذ ولادته بخلاف المخلوقات الأخرى، وبدون رعايتهما فمن المؤكَّد أن يموت ما لم يقم شخصٌ آخر هذه المسئوليَّة ولذلك يقول المولي عزَّ وجلَّ:
" ‫يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا‬". وهذا أحد العوامل التي تكوِّن القاعدة الآمنة لأنَّها تظهر تعاون المُربِّي مع الطِّفل واهتمامه به حتى تنمو فاعليَّته وفعاليَّته بدلاً من الإحساس بالعجز.‬‬
وتري هذا الضَّعف عندما تصيبك حمَّي مثلاً وترجع لوالديك حيث ترجع نفسيَّاً لحالة شبيهةٍ بحالة الطُّفولة العاجزة، فيرعيانك كما كانا يفعلان في الماضي أو ربما تقوم زوجتك أو يقوم زوجك أو أولادك بهذا الدَّور ولكنَّك دائماً تجد ما تفتقده في دار طفولتك.
ولأنَّه من المستحيل أن يكون للإنسان "تعلُّقًٌ آمنٌ" مع إنسانٍ آخر في كلِّ الأوقات، أو يكون خالداً فكذلك حال الحصول على "قاعدةً آمنةً"، فلذلك كان الإيمان بالله سبحانه وتعالي بكلِّ صفات الألوهيَّة والملك والرِّبوبيَّة هو الشفاء النَّاجع من هلع وجزع الإنسان.
فالله سبحانه وتعالي مع عبده أينما كان حتى بعد موته لا يفارقه كما يفارقه الأهل: " ‫وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ‬"، وهو شرط آخر لتكوُّن القاعدة الآمنة لأنَّه يعطي الطِّفل الإحساس بتواجد المُربِّي كلَّما احتاجه ولذلك تنمو ثقته في العالم والحياة والنَّاس أنَّهم لن يخذلوه. فالمولي عزَّ وجلَّ لا يغفل عنه لحظة، وبابه مفتوح لاستقباله في كلِّ لحظة على مدار عمره، يجيبه إذا سأله وهو أقرب إليه من حبل الوريد، ويرعاه إذا نام، ويحميه من شرور النَّاس والجنِّ وبقيَّة المخلوقات. فكيف لمخلوق أن يوفِّر كلِّ هذه الشروط في كلِّ زمانٍ ومكان وهو أرأف بك من أمِّك التي أنت في حجرها؟‬‬

هذه هي الرَّحمة التي يعنيها الله سبحانه وتعالي أنَّه يُشبع غريزة البقاء فيك بالاطمئنان فلا خوف إلا منه ولا أمان إلا في حضرته. فالإنسان يحدِّثُ ربَّه متي ما شاء، ويُسرع له ربَّه إذا وجَّه وجهه تجاهه، ويسمعه إذا قرأ كتابه، فمن من النَّاس كتب كتاباً لابنه فيه ما علم ما ينفعه وما يضرُّه حتّى موته؟ ومن الذي وعد برحمته وبمسامحته مهما فعل بل وإثابته إذا أظهر النَّدم:
" ‫قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ‬". وهذا من شروط نموِّ القاعدة الآمنة وهو قبول الطِّفل مهما فعل بإظهار الرَّحمة.‬‬
ومن أهمِّ العوامل التي تساعد الطِّفل على بناء قاعدة آمنة بداخله هي المساعدة من المُربِّي لتنظيم مشاعره المضطَّربة وبناء الذكاء العاطفي وما رسالة القرآن الكريم إلا عن كيفيَّة ترويض العقل للقلب ومثال ذلك في هذه الآية الكريمة الجامعة المانعة:
" ‫يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ‬".‬‬
وآخر العوامل التي تكمل بناء قاعدة آمنة بداخل الطِّفل هي الشعور بالانتماء:
" قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ".
وبهذه الحكمة فقد جعل المولي سبحانه وتعالي التَّعلُّق به والانتماء إليه هو "التَّعلُّق الآمن" الحقّ، وما عداه زائل: " ‫كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ، وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ‬". ‬‬
وأيضاً وضع بيته على الأرض ليكون "القاعدة الآمنة" للنَّاس التي يأوون إليها وتذهب عنها كدرها ويمتلئون أملاً وتفاؤلاً:
" إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ". بل وذكر المولي عزَّ وجلَّ هذا مفهوم الأمن بالتَّحديد:
" أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ"
واكَّد هذا المفهوم في سورة قريش:
" ‫فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ، الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ‬". وهذا الأمر يسري على كلِّ المسلمين في كلِّ زمانٍ ومكان. ‬
ولم يكن الخالق ليهمل من خلق وهو أعلم بحاجاتهم النَّفسيَّة والاجتماعيَّة والرُّوحيَّة وهو يعلم عدم قدرة معظمهم على التَّفكير المُجرَّد ومحدوديَّة تفكيرهم وحاجتهم لشيء يرونه ويلمسونه فكان بناء بيته المحرَّم أوَّلاً، ثمَّ إرسال الرُّسل ثانياً ثمَّ كتبه ثالثاً ويفني الرُّسل وتبقي سيرتهم وحكمتهم ويبقي إلى آخر الزمان بيته وكتابه المحفوظ.
فإذا كان الانتماء يكون للذي أنعم عليك وحماك وسيحميك من الخوف والحزن فيجب أن يكون الولاء له:
" ‫أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ". ‬‬
‬ولكلِّ أمَّة بيت يحجُّون إليه وهو لهم بمثابة قاعدتهم الآمنة ولذلك يتعلَّقون به. ونجد هذا في طبيعة الإنسان مع الذين يظنُّ فيهم الصلاح في كلِّ بقاع الأرض.
وما علاقة المصطفي صلَّى الله عليه وسلَّم بأصحابه إلا ترجمة لهذا المفهوم فهم أنشأوا معه علاقةً آمنةً لأنَّ تعلُّقهم به كان آمناً ومثَّل مسجده لهم القاعدة الآمنة ولذلك لا يزال المسلم يجد نفس الرَّاحة النَّفسيَّة والاطمئنان اليوم إذا زار قبره الشريف. وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يلوذون بظهره للحماية إذا حمي الوطيس في المعركة مثلما تلوذ بظهر أبيك إذا ظهر ما يُخيفك في الشارع:
" ‫كنا إذا حمي الوطيس أو اشتد البأس واحمرت الحدق اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم فما يكون أحد أقرب من العدو منه، ولقد رأيتني يوم بدر ونحن نلوذ برسول ‬الله". فالذين حجُّوا لبيت الله المحرَّم وزاروا مسجد رسوله لا بُدَّ وأنَّهم أحسُّوا بهذه الطمأنينة لأنَّهم وصلوا قواعدهم الآمنة.‬
وسبب ذلك هو توفُّر كلّ شروط التَّعلُّق الآمن في هذه الآية الكريمة:
" ‫فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ‬"‬
وما كانت الرُّسل منذ بدء الخليقة إلا ثوَّاراً على المعهود عندما تحوَّرت تركيبة المعهود ونقصت فاعليَّته، وفشلت فعاليَّته لتطبيب علل المجتمع. وإذا تتبَّعنا سيرتهم فسنجد أنَّهم جميعاً كانوا متمرِّدين على الثقافة السائدة في زمانهم، ومختلفين في طريقة تفكيرهم وسلوكهم.
فخذ مثلاً خليل الرحمن إبراهيم عليه الصلاة والسلام وخذ المصطفي صلَّى الله عليه وسلَّم كأمثلة حرِموا من عطف الوالدين وحنانهم فبحثوا عن مصدرٍ يعوِّضهم يجدون فيه "تعلُّقاً آمناً" و "قاعدةً آمنة" ولذلك كان بحثهم عن صفات الرّبوبيَّة وهي المطلوبة في الوالد لرعاية وليده وصفات الملك مطلوبة لحمايته من الأخطار فلا أحد يريد والداً ضعيفاً. وقد كان امتنان المولي على المصطفي صلَّى الله عليه وسلَّم بهذه الصفات بعد نفي أنَّه ابتعد عنه ولم يهتمّ به بعد أن جزع المصطفي صلَّى الله عليه وسلَّم من هجر مولاه:
" مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى"، فقال له واعداً له بمستقبلٍ أفضل:
" ‫وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى"، وهو مساعدة على تنظيم مشاعره واسترجاع حالة الطمأنينة لقلبه وهي نتاج الإحساس بالأمان والذي ينتج من قاعدة آمنة تقوم على أساس "تعلُّقٍ آمن" ولذلك فقد بدأ، بعد القسم العظيم حتى يطرد أيُّ ريبة من بال المصطفي صلَّى الله عليه وسلَّم، بتأكيد العلاقة الآمنة ثمَّ أمَّن على استمرار العلاقة الآمنة في المستقبل واستمرار العطاء حتى مرتبة الرِّضا وهي المرحلة قبل الأخيرة تعلوها مرتبة الشكر، ذكَّره بكلِّ عطاء الرِّبوبيَّة: "أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى؟، وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى؟، وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى؟" والمطلوب منطقيَّاً أن يكون ردُّ المصطفي صلَّى الله عليه وسلَّم شكراً وحمداً وكيف له أن يغفل عن ذلك واسمه أحمد ومحمَّد ومحمود؟‬ ‬‬
وإذا تأمَّلنا في هذه الآيات لوجدنا أنَّ المولي سبحانه وتعالي تحدَّث عن حاجات الإنسان ابتداءً بالمرتبة الأولي في هرم "أرام ماسلو"، وهي مرحلة المأوي الذي يشمل الأكل والشرب واللبس والدِّفء للجسد، ثمَّ تحدَّث عن الحاجة النَّفسيَّة ابتداءً بالعقليَّة ثمَّ العاطفيَّة، وعرج على حاجته الاجتماعيَّة وختم بمرتبة تحقيق الذَّات وهي حالة الرِّضا التَّام بالحياة ولكنَّه أعطاه وسيلة التَّطوُّر الرُّوحي حتى الوصول لمرتبة الشكر بعد مرتبة الرِّضا:
" فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ، وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ، وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ"، ونعمة الله هي دين الإسلام وهي إرشاد لاتِّخاذ سبيل الدَّعوة لسبيل الله منهجاً:
"الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا‬".

ولكن التَّمرُّد كوسيلة عقليَّة نقديَّة للمعهود وكعمليَّة مراجعة وغربلة للعناصر التي شوَّشت وأفسدت طبيعة الحقيقة يختلف عن التَّمرُّد كغاية. فالأوَّلُ يستخدم الشَّك المنهجي والثَّاني يستخدم الشكَّ العبثي بحيث يظلُّ الإنسان مبحراً لا يجد مرفأً يقتنع به أبداً.

وبالرَّغم من تحكُّم الفكر في حياة النَّاس؛ لأنَّ له الكلمة الأخيرة بوصفه علماً حقَّاً لا ظنَّاً أو شكَّاً أو وهماً، إلا أنَّ النَّاس تنفر من منظومة الفكر وتفضِّل مجموعة الأفكار، لأنَّ الفكر يقيِّد الأنانيَّة في الإنسان بإعلاء قيمة الأخلاق والمبادئ، وهو شيءٌ ضدَّ طبيعة الإنسان، وهو الفرق بين العلماء والسَّاسة، بينما السياسة همُّها الأوَّل الاستحواذ على السلطة الزَّمنيَّة حتى وإن أدَّي ذلك للتَّخلِّي عن الأخلاق أو السياسة.
وهذا يفسِّر موقف المصطفي صلَّى الله عليه وسلَّم عندما حاولت قريش مساومته بإعطائه الملك أو المال على أن يتخلَّى عن رسالته، وهو أمرٌ رأي فيه عمُّه أبوطالب معقوليَّة بحساب السياق القبلي، ولكنَّ الرَدَّ كان حاسماً:
" ‫يا عمّ، والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله، أو أهلك‬ دونه ". فرسالته لهم كانت واضحة أنَّ كلَّ ملك وملكوت الأرض والسماء لن يجعله يساوم وهو من عرف معني الأمان الحقّ ومعه ملك الملوك يحميه.‬‬

والموقف الثَّاني هو عرض نوعيّْ الرِّسالة بواسطة سيدنا جبريل عليه السلام:
" قال يا محمدُ أرسَلَني إليك ربُّك أفملكًا نبيًّا أجعلَك أو عبدًا رسولًا؟ قال جبريلُ: تواضعْ لربِّك يا محمدُ: قال: بل عبدًا رسولًا "، فاختار العبوديَّة على الملك، ولأنَّه اختار بعلمٍ لم يكن ليختار السياسة على العلم، وهو يعلم ما في السياسة من مساومات، ومن استخدامٍ للقوَّة الخشنة في تثبيت أركان الملك بدلاً من القوَّة النَّاعمة في نشر الرِّسالة وهي تشتمل على العلم والأخلاق.

ونصيحة سيدنا جبريل عليه السلام كانت علماً ولكن التَّوجيه لمعيار أخلاقي وهو التَّواضع ممَّا يدلُّ بأنَّ وجه العملة الأخرى للعلم هو الأخلاق لا ينفصلان، فإن نزعت الأخلاق والتزمت العلم خسرت أكثر ممَّا إذا عدمت العلم ولم تعدم الأخلاق. وهذا هو إشكال الحداثة التي تري الإجابة في الاستثمار في العلم وهدم الأخلاق.
وهذا الاختيار للعبوديَّة يُحرِّره من سلطة الحياة الدُّنيا وزينتها، ولذلك لم يبن قصوراً أو ينام على فراش ليِّنٍ، ولم يمتِّع نفسه بترف الحياة الدُّنيا، وعندما طلب سيدنا عبدالله بن مسعود رضي الله عنه عندما رأي المصطفي صلَّى الله عليه وسلَّم ينام على حصيرٍ وقد أثَّر في جانبه أن يضع له فوقه شيئاً يغطِّيه، كان الرَدُّ حاسماً:
" ما لي وللدُّنيا، ما أنا والدنيا إلا كراكبٍ استظلَّ تحتَ شجرةٍ ثم راح وتركها".
وعندما تاقت أمَّهات المؤمنين لبعض متاع الدُّنيا وكان في سلوكهنَّ ما يشغل عن أداء أعباء الرِّسالة كانت الرِّسالة الرَّبانيَّة حاسمة:
‫"يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ ‫سَرَاحًا جَمِيلًا، ‫وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا‬ ‬" ‬‬‬‬‬‬
والمصطفي صلَّى الله عليه وسلَّم أتي في زمانٍ استولت فيه السياسة على مقاليد الأمور وطغت وأفسدت وطُمر العلم تحريفاً وكتماناً وسوء استخدامٍ في سبيل السلطة الزَّمنيَّة فسادت الفوضى وفشا الجهل.

فماذا كان سيحدث إذا لم ينزل الوحي على المصطفي صلَّى الله عليه وسلَّم؟
أوَّلاً الأمر المُرجَّح أنَّه لربما عاش حياته مثل غيره من أهل مكَّة، وإن كانت ستكون حياةً مختلفة في نوعيَّتها تتّسم بالأمانة والمروءة والتَّفكُّر، ولكن بعد قرونٍ من موته ودفنه بمكَّة، لم يعد ليذكره أحد خارج قبيلته أو أهله.

والأمر الثَّاني فقد كان من الأرجح أيضاً لربما لم يسمع العالم بأبي بكر الصدِّيق، ولا الفاروق عمر بن الخطَّاب، ولا عثمان بن عفَّان أو عليٍّ بن أبي طالب رضي الله عنهم. بل ولم يكن من الممكن للصحابة أن يطوِّروا إمكاناتهم ويرتفعوا من مرتبة الرِّقِّ إلى مرتبة العلماء والقادة مثل سيدنا بلال بن رباح وسيدنا سلمان الفارسي وسيدنا عبدالله بن مسعود رضي الله عنهم، ولم يكن ليحقِّقوا تغييراً في العالم لن ينقطع حتى قيام الساعة. وأنَّي لهم ذلك وهم كانوا سيظلُّون على جهلهم بغير علمٍ؟
. والأمر الثالث كان العالم سيكون غير العالم الآن إذ في الغالب الأرجح أنَّه كان سيكون في ظلمات وفوضى أشدَّ فكيف كان للعالم أن يتقدَّم بغير جهد علماء المسلمين وهم الذين حفظوا علوم العالم وترجموها في العصور المظلمة؟ وهل كان بإمكان المفكِّرين في عصر التَّنوير في أوروبَّا أن يجدِّدوا أفكارهم بغير جهد ابن رشد أو الفارابي أو ابن سينا؟

إذن فاللَّحظة التَّاريخيَّة الفارقة للعالم هي إنزال القرآن الكريم ولا شيء سواه وهي إعلان وصول الحداثة والتَّنوير للعالم ليحرِّره من عبوديَّة الإنسان، ومن قيود الجهل، ومن ظلمة الظلم، ومن سلطة الخوف.

فالعلم الذي انبثق منه، وتحقيق الذَّات للملايين من النَّاس، والإمبراطوريَّات التي قامت في وقت وجيز ناشرة القرآن والعمران، لم تكن لتأتي من باطل:
" وإنها لم تكن نبوةٌ قطُّ إلا تناسخَت، حتى يكون آخرُ عاقبتِها مُلكًا".
ولذلك لم يصف المولي عزَّ وجلَّ هذا الإنزال بغير الحقِّ، لأنَّه حقٌّ في ذاته من ذات الحقِّ، يعلو ولا يُعلى عليه في مبناه: صياغةً، ولغةً، وبلاغةً، ليحلَّ مكان جميع الكتب السماويَّة والأرضيَّة السابقة في قدسيَّتها بديمومة خالدة لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
وبالحقِّ نزل على مدى مدَّة الرِّسالة بمحتواه ومعناه الشامل للعلم وللحكمة تشريعاً وترشيداً بما ينفع النَّاس ليحلَّ مهيمناً على كلِّ التَّشريع السابق:
" وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ".

وكثيراً ما أتعجَّب لاستقامة تفكير الخلفاء الرَّاشدين، وسلامة منطقهم، وعمق معرفتهم بطبيعة الإنسان وهم قد نشأوا في بيئة بدويَّة لا مدارس فيها، ولا كتب ولا مكتبات، ولا أساتذة، وكان أستاذهم وإمامهم المصطفي صلَّى الله عليه وسلَّم وكفي به مُعلِّماً وكتابهم واحد وكفي به مصدراً للعلم.

ولكن عندما أتأمَّل في المدَّة التي قضاها سيدنا أبو بكرٍ الصدِّيق رضي الله عنه تلميذاً للمصطفي صلَّى الله عليه وسلَّم، أجدها تساوي في هذه الأيَّام دراسة المرحلة الأوَّليَّة والثَّانويَّة العامَّة والثانويَّة العليا وهي اثنا عشر عاماً، ومن بعدها الفترة الجامعيَّة وهي أربعة أعوام، ثمَّ مرحلة الماجستير وهى عامٌ أو عامان، ثمَّ مرحلة الدُّكتوراه وهي ثلاثة أعوام، أجد أنَّه عند انتقال المصطفي صلَّى الله عليه وسلَّم إلى رفقة مولاه كان قد قضي ما يعادل ما يزيد على عامين بعد حصوله على درجة الدُّكتوراه، أي أنَّه وصل مرتبة الأستاذيَّة وقس على ذلك فترة الفاروق وعثمان وعليّ رضي الله عنهم.

وذلك يثبت أنَّ العلم في القرآن الكريم وفي سنَّة المصطفي صلَّى الله عليه وسلَّم يكفي ليعرف الإنسان نفسه، ويملك زمامها، ويدير حياته وحياة غيره بالحق:
"تركتُ فيكم أمرينِ؛ لن تَضلُّوا ما إن تمسَّكتُم بهما: كتابَ اللَّهِ وسُنَّتي، ولن يتفَرَّقا حتَّى يرِدا عليَّ الحوضَ ".

أي أنَّ سياسة المصطفي صلَّى الله عليه وسلَّم وسياسة خلفائه الرَّاشدين قامت على أكتاف العلم ولم يقم العلم على أكتاف السياسة. وفي الحديث الشريف:
" كانت بنو إسرائيلَ تسوسهم الأنبياءُ، كلما هلك نبيٌّ خلفه نبيٌّ، وإنه لا نبيَّ بعدي، وسيكون خلفاءٌ فيكثرون "، وهذا لأنَّ مصدر علم الأنبياء هو العليم الحكيم ولا يتبعون رأياً ولا ظنَّاً.

وهناك علاقة وثيقة بين الفكر والسياسة، فالفكر هو النُّور الذي يُقيم عمود السياسة ويهديها. والمولي عزَّ وجلَّ يصف لنا حال السياسي الذي ينفر من الفكر ويُكبُّ في طريقة بلا هديً ولا كتابٍ منير وبين الذي يقتفي آثار الفكر فيرشد:
" أَفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّن يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ‬؟
والفكر في أصله علم واضحٌ متَّسقٌ يتبع دليلاً، ونسقٌ يوافق الواقع يشرِّحه وييسِّر فهمه، ثابتةٌ مفاهيمه، عميقةٌ بعمق إدراك مكوِّناته. فالجاهل لا يعرف عن مكوِّنات الماء مثلاً ويصعب عليه أن يتخيَّل أن مكوِّناته غازات تتفاعل بواسطة وسيط لتنتج ماءً. وأيضاً هو جاهل بكيفية تحوُّل الماء إلى بخار أو إلى ثلج أي تفاعل العوامل المحيطة به ولذلك يقال عنه:
"وفسَّر الماء بعد الجهد بالماء".

أمَّا العالم فيري في الماء أكثر من سائلٍ شفَّاف فيعرف تكويناته وأسباب وكيفيَّة تغييره. وهذا شأن السياسي فهو لا يري في الظواهر الإنسانيَّة أو الاجتماعيَّة إلا ما يبدو له ولا يعلم كيف تكوَّنت وأيُّ العوامل قد تدخَّلت في تكوينها ويحاول باجتهاده الظنِّي أن يغيِّر من خواصِّها لأنَّها في رأيه مسألة واضحة لا تحتاج إلى تفلسف ولذلك قال السياسيُّون المُتدثِّرين بثوب العلوم أو الدِّين:
"من تفلسف فقد تزندق".
بينما يعرِّف الإمام عبدالقادر الجيلاني رضي الله عنه الزَّندقة بأنَّها:
"كلُّ حقيقة لا تشهد لها شريعة فهي زندقة"، وذلك يعني أنَّ كلَّ ادِّعاءٍ لعلم لا يسنده دليل فهو باطل وإن لبس لبوس أهل العلم وتحدَّث بلسانهم لأنَّه إن أحسنَّا به الظنّ فهو ظنّ لا غير، وإلا فهو شكٌّ، وإن لم يكن كذلك فهو وهم.
فما هي الشريعة؟ هي العلم الحقّ الذي يداوي علل النَّاس فرادي ومثاني وجماعات وأيضاً يقاوم التَّغيير ولا يعتمد على قوَّة الحجَّة للإقناع بل على تحديد الصواب والدَّعوة للتجربة لاكتشاف الصواب، ولا يعتمد على القدرة الخطابيَّة، أو المزايا الشخصيَّة لصاحبها، ولا بكثرة التَّأييد لها أو الالتزام بها أو تطبيقها.
وأيُّ فكرة إنسانيَّةٌ أو إلهيَّةٌ مقنعة، مهما كانت صحيحة، أو كثُر أتباعها والملتزمين، بها لا بُدَّ من أن تتحلَّل مع الزَّمن إن كانت إنسانيَّة فتتغيَّر، أو يتغيَّر فهمها أو يتمُّ تغييرها بتحريفها أو الإضافة إليها، لأنَّ الإنسان من الأغيار يتأثَّر بواقعه، وتقوده غريزة بقائه، ولذلك تغيَّرت الدِّيانات بعد سيدنا آدم عليه السلام وبعد خليل الرحمن عليه الصلاة والسلام فأرسل المولي عزَّ وجلَّ من يغربلها ويضيف إليها لتوافق الواقع الجديد للشعب المُرسل إليه. وعندما أراد المولي سبحانه وتعالي أن يترك علماً خالداً لا يتغيَّر في أصله ولكن قد يتغيَّر فهمه لم يوكله للإنسان ليحافظ عليه وإنَّما احتفظ بذلك لنفسه واحتفظ بحقِّ متي يلهم عباده معناه وتأويله رحمة بالعالمين:
" ‫إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْر وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ " ‬‬‬
ولذلك لا يمكن إدراك معناه كاملاً إلا في الحياة العليا عندما يفتح المولي عزَّ وجلَّ خزائن العلم للعلماء:
" هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ ۚ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ‬؟".
وتأتي هذه الآية الكريمة بعد ذكر محتوى القرآن الكريم بالعلم وتبيين غرضه وهو الهدي والرَّحمة:
" وَلَقَدْ جِئْنَاهُم بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ".

ومن الأسباب التي أدَّت لتغيير العلم المُنزل على الرُّسل من قبل المصطفي صلَّى الله عليه وسلَّم هو الفجوة بين الرسالة وبين تطبيقها لِقلَّة الالتزام بها أو لأنَّ الالتزام بها وتطبيقها على حقيقتها تتعارض مع المصلحة للفرد.
فالإسلام مثلاً جعل الالتزام بشريعته وتطبيقها مسألة حتميَّة لا مساومة فيها، بل وربط بينها وبين قبول عمل العبد أو في حالة عدم التَّطبيق باعتباره خارج دائرة الإسلام، وأهَّم شعيرة تدعو المسلم للالتزام بها هي الصلاة ومنها:
""، فهذه الشعيرة اليوميَّة الأداء خلال ساعات الليل والنَّهار تشمل على كافَّة شعائر الإسلام من شهادة وصوم وزكاة وحجٍّ إضافة إلى ترتيل القرآن أي سماع كلام الله، وأيضاً التَّرغيب في أدائها في خشوع حتى الوصول لمرحلة الطمأنينة، وأيضاً في جماعة، وإلزام المسلمين بأدائها في جماعة في يوم الجمعة وإلا فلن تُقبل الأعمال في خلال الأسبوع كلَّه، ستؤدِّي كلّها إلى عامليّ الالتزام والمشاركة، وهما ما يؤخِّران تحلُّل أو تغيُّر الفكرة وضمنان ديمومتها.

وبالطَّبع إذا كانت الفكرة أصلاً تعتمد على حجَّة علميَّة صحيحة فنصيبها من الإقناع سيكون أكبر، وإذا ما كان أسلوبها جذَّاباً فهذا عامل آخر يزيد من الانتماء لها، وإذا ما كان المناط بتوصيلها ذو شخصيَّة متميِّزة وموثوق بها فستزيد نسبة القبول بها والولاء لها سيكون أقوي.

وإذا تأمَّلنا كيفية حفظ المولي عزَّ وجلَّ لكلماته الأخيرة لبني آدم لرأينا أنَّ كلَّ هذه المعايير تنطبق عليها، فالمصدر هو الله العليم الخبير، وهو خالق العلم أصلاً، وموجد الوجود أصلاً ولا يمكن لهذا الوجود أن يقوم على جهل ببديع صنعته، وبما أنَّه مبتدعه فهو مالكه والخبير به، وهو الحكيم في اختيار أسلوبه وطريقة عرضه واختيار رسوله.
فالكلام علمٌ حقٌّ ولذلك فهو غير قابل للتَّغيير، وحجَّته قاطعة لأنَّها تقوم على برهان، وأسلوبه مُعجز لا يُجاري، ورسوله موثوقٌ فيه بدليل أنَّ اسمه "الأمين" قبل نزول الرِّسالة.

ثمَّ ردم الفجوة بين العبد وبين الرِّسالة بأن جعل العبد رمزاً للرِّسالة بتطبيقه لها والتزامه بها، وردم الفجوة بينه وبين عبده إذا تقرَّب العبد إليه بالنَّوافل، ومن كلِّ ذلك انبثق التَّعلُّق الآمن بالله وهو التَّوكُّل التَّام:
" كنتُ خلفَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يومًا قال يا غلامُ، إني أعلِّمُك كلماتٍ: احفَظِ اللهَ يحفَظْك، احفَظِ اللهَ تجِدْه تُجاهَك، إذا سألتَ فاسألِ اللهَ، وإذا استعنْتَ فاستعِنْ باللهِ، واعلمْ أنَّ الأمةَ لو اجتمعتْ على أن ينفعوك بشيءٍ، لم ينفعوك إلا بشيءٍ قد كتبه اللهُ لك، وإنِ اجتمعوا على أن يضُرُّوك بشيءٍ لم يضُروك إلا بشيءٍ قد كتبه اللهُ عليك، (رُفِعَتِ الأقلامُ وجَفَّتِ الصُّحُفَ)".
ومن كلِّ هذا يتولَّد الشعور بالأمن:
" ‫الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ، وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ ۚ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ ۗ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ‬".‬‬
والإنسان لا يستطيع أن يعيش بدون "قاعدة آمنة" تُمثِّل مرتكزاً له يستمدُّ منها هويَّته، وأمنه، وسلامته وعافيته الجسديَّة والنَّفسيَّة والاجتماعيَّة والرُّوحيَّة.

هذه "القاعدة الآمنة" يجب أن تكون وجوداً مادِّيَّاً، واجتماعيَّاً منها نروي وجودنا النَّفسيِّ والرُّوحي. فأوَّل شرط لتكوين "قاعدة آمنة" هو عامل "التَّعلُّق الآمن" بشخصٍ ما يوفِّر الرِّعاية وفيتمُّ الانتماء إليه والولاء له وهو التِّرياق الوحيد لزعزعة "غريزة البقاء".

ولهذا "التَّعلُّق" دورة تبدأ منذ ولادة الإنسان وتعبِّر عن نفسها في الخطوة الأولي بإظهار الحاجة مثل بكاء الطِّفل، والتي يجب أن تعقبها استجابة الأم بصورة منتظمة وموثوقة،

ومن ذلك نشأت "القاعدة الآمنة"، ومنها مفهوم الولاء.

لا شكَّ بأنَّ مفهوم الأخلاق نسبيٌّ يختلف من سياقٍ لآخر حسب الحاجة لتأمين غريزة البقاء وبعض النَّاس يرون فيها قيماً جماليَّة أو يرون فيها قيماً رجعيَّة تعوِّق التَّقدُّم أو تناقض مفهوم الحريَّة فيدعون للتَّحرُّر منها.
في عام ١٩٧١ كتب بعض أعضاء الجبهة المثليَّة للعمل الثوري في مجلَّة "الجميع"، التي كان يديرها الفيلسوف الوجودي الفرنسي جان بول سارتر، حول "حريَّة الجسد" يخاطبون العمَّال:
"الثَّورة الشاملة لا تعني فقط إنجاح الإضراب، أو حجز ربِّ العمل الذي يستغلَّكم، لكنَّها تعني أيضاً الانقلاب على الأخلاق دون استثناء، من دون ذلك سيكون طريقكم صعب".
وهذه دعوة للفوضى الفكريَّة والاجتماعيَّة ودعوة للموت الجماعي. فكما لا نستطيع أن نعيش إذا فقدنا "الثِّقة القاعديَّة" في النَّاس وانتهجنا مذهب الشكِّ الارتيابي المُدمِّر، كما قلنا من قبل، لأنَّ ذلك يعني توقُّف الحياة، وهذا مبدأ أخلاقي أوَّلاً وأخيراً.

وسنواصل إن أذن الله سبحانه وتعالي
ودمتم لأبي سلمي