بسم الله الرحمن الرحيم
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

من طبع الإنسان أن يبحث عن أجوبة لوجوده يستقي منها معني يساعده على تكبُّد مشاقِّها، ومن طبعه أيضاً أن يُشارك مفاهيمه مع الآخرين، وأن يجد عندهم من القبول ما يزيد من ثقته في رؤيته للوجود وبذلك يشعر بالقوَّة المعنويَّة، ولأنَّ طبعه الآخر حُبِّ الشِّعور بالقوَّة وتنميتها، فقد ينضمُّ لجماعة لسند القوَّة المعنويَّة بقوَّةٍ مادِّيَّة.
وهذه الجماعة قد تكون ذات حدودٍ فكريَّة واضحة وضيِّقة مثل الحزب السياسي؛ مع أنَّ الحزب السياسي العقائدي قد لا يقف عند حدود الحزب بل يتعدَّى كلَّ الحدود ليشمل الإنسانية جمعاء مثل الحزب الشيوعي أو الأحزاب ذات المرجعيَّة الإسلاميَّة، وقد تكون ذات حدود عرقيَّة واضحة واسعة مثل القبيلة، أو تكون ذات حدود جغرافيَّة واضحة واسعة مثل الشعب.

والذين ينجذبون للمجموعات العقائديَّة أو السياسيَّة لهم حاجة نفسيَّة مُلحَّة للبحث عن سلامٍ داخليِّ لهم قبل سلام للآخرين، لأنَّهم غالباً ما يبحثون عن الشعور بالانتماء وعن العدالة وخاصَّة العدالة الاجتماعيَّة، وذلك في أغلب الظَنِّ لأنَّهم كانوا ضحايا ظُلمٍ ما في حياتهم، أو قد رأوا ظلماً يقع على من يُحبُّون أو قد يقودهم حسُّ الشباب المثالي لفعل الخير، ولذلك فهم يكوِّنون بانضمامهم لمجموعةٍ ما واحة عدالةٍ اجتماعيَّة تُعطيهم سلاماً، وانتماءً، ومعنيً لحياتهم، وتُضيف حُلماً أن ينشروا ماء واحتهم التي اكتشفوها لتسقي صحراء النَّاس وتُحيلها إلى جنَّة أبديَّة.

وما يُفرِّق أدوار النَّاس إذا اجتمعوا في مجموعة ذات أهداف مُعيَّنة ومناهج واضحة هو أسلوب تعلُّمهم إن كان حركيَّاً أو عمليَّاً؛ وهو قد يكون عمليَّاً مثاليِّاً أو عمليَّاً براغماتيَّاً والفرق بينهما الأخلاق، أو قد يكون تنظيريَّاً أو تدبُّريَّاً.
وأيِّ مجموعة تحتاج إلى كلِّ أنواع أساليب التعلُّم لتكوِّن فريق عملٍ ناجح ولتؤدِّي مهمَّتها بنجاح إذا تناسقت جهود الأعضاء، والتزموا بأدوارهم، وكان التَّوصيف لوظائفهم واضحاً، ولكن مع الانقسام وانعدام الرُّؤية وضبابيَّة الحدود والأدوار وتعدِّي البعض على وظائف البعض حسداً أو غيرةً فستميد بهم رمال الخلاف المُتحرِّكة وتبتلعهم.
والمولي عزَّ وجلَّ وضَّح أهمِّية تنوُّع الأدوار وتكاملها ولكنَّه قدَّم القلم أو الفكر على السيف برغم أهمِّية السيف فالأمر كُلُّه يقوم على فكر:
" ‫وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ‬".‬‬
والتَّفقُّه يعني السعي لفهم الدِّين حتى يتمّ البلاغ الصحيح فينتقل الفهم للعامَّة ليحذروا ما يضرَّهم. هذه الآية نزلت والمصطفي صلّي الله عليه وسلَّم لا يزال ينزل عليه القرآن طازجاً من السَّماء ويتدارس متنه مع سيدنا جبريل عليه السلام، ولكن لم يكتفِ المولي بذلك وإنَّما أوجب على طائفة من المؤمنين أن يقوموا بالعمل الفكريِّ بينما يقوم البعض الآخر بالعمل الحركيِّ. أي أنَّ دور العلماء أو سمِّهم المفكِّرين أو المُثقَّفين يختلف عن دور الحركيين والعمليين ويعلو عليهما. فتواصل الأجيال لا يحدث بموت الحركيِّ في ساحة المعركة أو على فراشه ولكن يحدث بكتابة وتوثيق أهل العلم.

فالحركيِّ والعمليِّ يُفضِّلون العمل السياسيِّ المباشر لتحقيق الأهداف، أي يفضِّلون السيف على القلم والسيف يُمثِّل السلطة أو الدَّولة، لأنَّ المسألة الفكريَّة في رأيهم محسومة وما على النَّاس إلا تطبيقها على أرض الواقع من غير فهمٍ للواقع لأنَّهم يستهجنونه ويريدون تغييره ليطابق فكرتهم. ولذلك فاهتمامهم بالرئاسة وبالفوز في ساحة السياسة أكبر من اهتمامهم بتطوُّر أو مواكبة أفكارهم للواقع، وذلك لافتقارهم لقدرة التَّجريد في التَّفكير فتطغي حرفيَّة النَّصِّ عندهم على تأويله، وبذلك يكوِّنون الطَّرف المحافظ في الحزب وحماة الأيديلوجيَّة المُتزمِّتين الذين لا يطيقون الطَّرف المُجدِّد.
والشَّخص المتزمِّت هو المُتشدِّد في رأيه وسلوكه بصورة مبالغ فيها وخاصَّة مع ازدهاء بالنَّفس وازدراء للآخرين.

وعادةً ما يكون زادهم الفكريِّ من معرفة نظريَّتهم أو مرجعيَّتهم الفكريَّة ضعيفاً بلا عمق ومحض مجموعة من الأدبيَّات والشعارات المحفوظة التي يردِّدونها تُمجِّد التَّضحيات السابقة لأعضاء المجموعة الشهداء مع القسم بالسير في نفس الدَّرب وتقديس دماءهم الطَّاهرة. وهي عندهم وسيلة لشحذ الهمم وبعث الحماس وللتجنيد وضمِّ الصفوف والفوز لا غاية في حدِّ ذاتها. هؤلاء هم بناة وحماة الدَّولة.

بينما المُنظِّر والمُتدبِّر وعيه بالواقع أكبر وبه درجة إنسانيَّة عالية ولذلك فهو يحاول أن يُحوِّر أو يُعدِّل النَّظريَّة لتلائم الواقع، وبينما قد يعمل المُنظِّر في إطار منهج المجموعة ويميل لتطبيق النَّظرية تعاضداً مع الحركيِّ والعمليِّ، نجد أنَّ المُتدبِّر يجد في المنهج العملي تضييقاً على الفكر، ويجد ماعون الحزب ضيِقاً على حريَّة فكره ويُمثِّل له سجناً، فهو الغريب وسط أهله يكون معهم وليس معهم، يُعصي أكثر من أن يُطاع ومن مثل هذه الدينامية جاءت مقولة لا كرامة لنبيٌّ في أرضه، ويقال إنَّ كلمة نبي مصدرها "نب" وهي كلمة مصريَّة قديمة تعني سيد القوم الذي يفكِّر لهم ويخدمهم ومنها جاء مثل: "سيد القوم خادمهم".
هؤلاء هُم بناة وحماة الفكرة، وبين الدَّولة والفكرة نزاعٌ قديم يزيد وينقص مع ازدياد أو نقصان التَّناقض المعرفي والسلوكي للأفراد. فمثلاً في خلافة سيدنا أبو بكرٍ الصدِّيق وسيدنا الفاروق عمر بن الخطَّاب رضي الله عنهما، تقاربت الدَّولة مع الفكرة لأنَّ التَّناقض المعرفيِّ والسلوكيِّ كان في أقصي درجات ضعفه، وفي عهد سيدنا معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه تباعدت الدَّولة مع الفكرة وخاصَّة بعد موته لارتفاع وتيرة التَّناقض المعرفي والسلوكي في المسلمين وظهور فهم مُغاير لعلاقة المال والمسلم مثل رأي سيدنا أبو ذرٍّ الغفاريِّ وسيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنهما، وفي العهود اللاحقة كان الفقهاء يمثِّلون الفكرة وينحازون للشعب ولذلك كانوا من الزُهَّاد، أمَّا الأمراء فكانوا يمثِّلون السلطة وينحازون للدَّولة وكانوا من المترفين.

المشكلة تصير عندما تدَّعي الدَّولة أنَّها تُمثِّل الفكرة، خاصَّة إذا ما كانت الفكرة عقائديَّة مثل الدِّين أو الشيوعيَّة، أي تتماهي الدَّولة مع الفكرة بدلاً من أن تتزاوج معها. والتَّماهي هو امتزاجٌ بلا حدود بينما التَّزاوج يحتفظ بحدوده ويمكن أن يسوده الوئام أو النِّزاع أو الفراق، ولكنَّه للنِّزاع أقرب.

وعندما نتحدَّث عن الدَّولة فإنَّنا نتحدَّث عن الإنسان الذي يسكنها، فلا الأرض بحدودها، ولا الحيوانات ولا الأشجار يُمكنها أن تُمثِّل الدَّولة أو تُدير أمورها، ولذلك في حالة أنَّ الدَّولة تدَّعي أنَّها تُمثِّلُ الفكرة فذلك يعني أنَّ الإنسان الذي بيده مقاليد السلطة يكون هو الذي يدَّعي أنَّه يمثِّل الفكرة بمقاييسه الخاصَّة التي لا يتطرَّق إليه الشَّك في صحَّتها فهو لا مساحة للشكِّ المنهجيِّ في ذهنه، بمعني إذا هاجمته أو اختلفت معه فأنت قد هاجمت أو اختلفت مع الفكرة وليس معه هو شخصيَّاً ويحقُّ له باسم الفكرة أو العقيدة أن يُحاسبك.
ولكنَّ الأيديولوجي صاحب أسلوب التَّعلُّم الحركيِّ والعملي البراغماتي لا يسأل نفسه كيف أنَّه صار مُمثِّلاً لهذه العقيدة من دون النَّاس ولم يُرسله إله ولا عيَّنه صاحب النَّظريَّة؟ هل مشروعيَّته تكتسب من قبوله بالعقيدة واجتماعه مع أفراد مثله يؤمنون بها ويعملون على تطبيقها؟ وهل للآخرين نفس الحقّ أمَّ أنَّ الحقَّ مُحرَّمٌ على الآخرين إلا إذا انضمُّوا إليه؟ ومن أين له بهذه الثَّقة المُطلقة بنفسه وبفهمه؟
فدين الإسلام مثلاً في اعتقادي، حقيقة مُطلقة ولكن فهمي له وفهم غيري نسبي ولا يُمكن أن يمثِّل النِّسبي المُطلق مهما اجتهد وبنفس القدر فليس لفهمي من سلطانٍ على أفهام الآخرين ولا لأفهامهم من سلطان على فهمي ولكن ما نستطيع أن نفعله هو التَّفكير ثمَّ العرض ولا شيء آخر فإن وافق عليه البعض ورفضه البعض فهذه سنَّة الحياة وإذا سعينا لتطبيقه فبظنِّنا أنَّه الأفضل لا بيقيننا من غير أن نُحارب الآخرين وإنَّما ندافعهم بالأفكار بالحكمة فلربما كانوا أفهم منَّنا؟

أقول يدَّعي لأنَّ لا يوجد إنسان يُمثِّل فكرة أبداً وإنَّما أقصي ما يمكن أن يفعله أن يؤمن بما فهمه من الفكرة ويسعي بعد إدراك نقصان عقله ومقدراته لتطبيقها على أرض الواقع، ولا يعني ذلك أنَّ تطبيقه سيُعين الفكرة فكم من مُزارعٍ أحمق ضيَّع بذوره لأنَّه لم يفهم طبيعتها، أو العوامل التي تساعد نموَّها أو يعرف كيف يفلح أرضه.

هذا الخلط هو ما يقع في قلب الفوضى، فبينما الفكرة تنحو نحو المثال، فالدَّولة تنحو نحو الواقع وبينهما الإنسان بشهوته وطمعه وطغيانه يتأرجح بين المثال والواقع، فإن كان مُنظِّراً أو متدبِّراً فيُنكر الواقع ويعيش المثال في خياله ويسعي لتحقيقه، أمَّا العمليُّ البراغماتيِّ فيقتنع بالواقع على أنَّه أفضل ما يمكن تطبيقه من عالم المثال أو يدَّعي أنَّه فعلاً يمثِّل المثال بينما سلوكه يناقض ادِّعاءه.

هذه دعوة للتَّواضع للعمليين الذين يدَّعون صحَّة فهمهم لأنَّه مهما كان مصدره فأقصي ما يستطيعون أن يدَّعوه أن َّ ما يعلمونه مُجرَّد وُسع فهمهم للأشياء فقط لا غير يدعمه ظنٌّ لا حقيقة ويظنُّ فيه الصحَّة ولكنَّه يحتمل الخطأ، بينما فهم الآخرين خطأٌ يحتمل الصواب كما قال الإمام الشافعي رضي الله عنه، فكسر بذلك قيود الأيديلوجيَّة، وحرَّر نفسه من الخداع والتَّعصُّب، وتزيين رأي الباطل وهو القائل أيضاً: " كلَّما أدبني الدهر، أراني ضعف عقلي".

ونجد هذا النِّزاع يُحسم في عين بعض المُثقَّفين الذين تبهرهم قوَّة الدَّولة فيقولون:
"السَّيف أصدق أنباءً من الكتب"، ويعتبرون السَّيف رمز الجدِّ بينما القلم رمز اللَّعب والقلم هو سيف الحقِّ الذي يتبعه سيف المعدن.

والقرب من الفكر هو قرب من الحقِّ لأنَّ المرونة العقليَّة تفتح مجالاً للتَّفكًّر والتَّدبُّر وتغيير أو تطوير الفكر بينما السلطان ففيه يقين مُتزمِّت بحقيقة أمره أو بحقيقة الأمر الواقع ولذلك يستخدم مبدأ القوَّة المادِّية أكثر من القوَّة الفكريَّة وينتهي بمرحلة العمل، والمصطفي صلَّي الله عليه وسلَّم يوضِّحُ هذه العلاقة العكسيَّة بين سلطان الفكر وسلطان الدَّولة:
"ما ازدادَ رجلٌ مِنَ السلطانِ قُربًا إلا ازدادَ مِنَ اللهِ بُعدًا، ولا كَثُرَتْ أتباعُهُ إلا كثُرتْ شياطينُهُ، ولا كثُرَ مالُهُ إلا اشتدَّ حسابُه".
والفاروق عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه أدرك كُنْه هذا الأمر فتساءل لمَّا آلت إليه الخلافة:
"والله ما أدري أخليفة أنا أم ملك؟ فإن كنت ملكاً فقد وُرِّطْتُّ في أمر عظيم. فقال له رجل: "يا أمير المؤمنين إنَّ بينهما فرقاً، وإنَّك إن شاء الله على خير. إنَّ الخليفة لا يأخذ إلا حقَّاً ولا يضعه إلا في حقٍّ وأنت بحمد الله كذلك، والملك يعسف الناس ويأخذ مال هذا فيعطيه هذا". فقال: "أرجو أن أكونه". بمعني آخر فالعدل هو معيار التَّفريق بينهما، فسيدنا داود كان خليفة وملكاً وعندما تجاوز صلاحية الخلافة خاطبه المولي عزَّ وجلَّ بصفته الأصليَّة ووضَّح له المعيار الذي يفرِّق بين الملك والخلافة وهو العدل:
" ‫يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ‬ عَنْ سَبِيلِ الله "‬‬

وبينما كان سيدنا داود عليه السلام حركيَّاً في أسلوب تعلُّمه وانعكس ذلك في سلوكه عندما قتل جالوت وهو صغير، وفي أحكامه لاحقاً، فقد كان سيدنا سليمان الحكيم مُتدبِّراً، ولذلك أضفي عليه المولي عزَّ وجلَّ صفة الفهم.
لا نقول هذا تفضيلاً بينهما ولا تبخيساً لسيدنا داود عليه السلام ولكن شرحاً لطبعٍ بشرىٍّ يتَّضحُ أثره في سلوك النَّاس وفي كيفيَّة اتِّخاذ القرار. فالعلم مثلاً لا يكفي للوصول للفهم، وإن كان يساعد في عمليَّة الفهم، فالإنسان لا يستطيع أن يفهم شيئاً بلا مُقدِّمات علم كأن تشرح لشخصٍ عن تكوين الماء وتقول له بأنَّه يتكوَّن من ذرَّتين من الهيدروجين وذرَّة من الأكسجين وهو لا يعرف ما هي الذرَّة أساساً أو الأكسجين أو الهيدروجين، ولكن الفهم يتمُّ بواسطة عوامل أخري منها أسلوب التَّعلُّم الطَّبيعي للإنسان كاستعداد فطريٍّ ولكلٍّ دور.

ونجد ذلك في تكوين سيدنا موسى وسيدنا هارون عليهما السلام إذ أنَّ سيدنا موسى عليه السلام كان حركيَّاً ولذلك كانت تصرُّفاته انفعاليَّة بينما كان سيدنا هارون عليه السلام تدبُّريَّاً وكانا يكملان بعضهما البعض فقيادة بني إسرائيل في ذلك الوقت احتاجت لحركيَّة سيدنا موسى عليه السلام وقوَّته البدنيَّة وأيضاً لحكمة سيدنا هارون عليه السلام.

ولذلك يكون من العبث أن تطلب من حركيٍّ أن يكون مُتدبِّراً لأنَّ طبعه مختلف. فبني إسرائيل احتاجت لسيدنا داود ليقتل جالوت وقت أن كان هناك حاجة لقوَّة مادِّيَّة ولكن ورثه ابنه سيدنا سليمان الحكيم لمَّا احتاجت الدَّعوة لم يملك الطَّبع التَّدبُّري والحركيِّ في شخصٍ واحد إذ من الممكن للمُتدبِّر أن يصير حركيَّاً عند الحاجة ولذلك استخدم سيدنا سليمان الحكيم عليه السلام الحيلة مع بلقيس وهو استخدام القوَّة النَّاعمة المعنويَّة بإحضار عرشها وبناء الجسر الزُّجاجي بدلاً عن القوةَّ الخشنة.

ويُورد سيدنا أبو موسي الأشعري معياراً آخر للفرق بين الخلافة والملك فيقول:
"إنَّ الإمرة ما اؤتمر فيها، وإنَّ الملك ما غلب عليه السَّيف"، فهذا معيار يمكن أن تُسمِّيه ديموقراطيَّاً إن شئت وأسمِّيه معيار دين الإسلام الذي يرفض غصب الإمارة؛ وإن كانت باسم الدِّين، وأنَّ اختيار الأمير لا يكون إلا بشوري ورضا ولذلك تجب البيعة وهي الموافقة على الاختيار.

والإمارة تعني قيادة النَّاس وليست الإمارة الملكيَّة كما نعرفها اليوم، فقد كان الأمير على عهد الخلفاء الرَّاشدين أميراً على النَّاس يُسمَّي بأمير المؤمنين، يختاره ويعزله النَّاس، والملك هو ملك على البلاد يأخذ الحكم عنوةً ويورِّثه لذريَّته.

ولذلك نجد أنَّ معظم المُنظِّرين والمُتدبِّرين لا ينتمون غالباً لأحزابٍ سياسيَّة؛ لاستقلاليَّتهم الفكريَّة والتزامهم بمعني الفكرة والسعي لتطويرها، وليس بحرفيَّتها وتجميدها والعبوديَّة الفكريَّة لها.
وتظلُّ علاقتهم بالسياسة متأرجحة تعتمد على درجة قربهم أو بعدهم من أسلوبيّ التَّعلُّم الحركيِّ والعمليِّ في طبعهما. وقد يُساندون أنظمةً مُعيَّنة، حتى وإن كانت شموليَّة، يُغيِّرون عباءةً ولا يُغيِّرون جلداً أو يظلُّون في موقف المعادلة مع المتفرِّجين.
بل إنَّ القائد السياسيِّ الحصيف ذو الرؤية يُفسح المجال للمُفكِّرين ليكونوا في متناول يد النَّاس عامَّة ولا يشغلهم بالأدوار التَّنفيذيَّة فقط فعطاؤهم الفكريِّ أهمَّ وأكبر قيمة، وهذا المثال ضربه أمير المؤمنين الفاروق عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه عندما عزل أحد ولاته فسأله الوالي المعزول:
"لم عزلتني يا أمير المؤمنين؟ ألعجزٍ أم خيانة؟، فردَّ عليه: "لم أعزلك لواحدةٍ منهما ولكنِّي كرهت أن أحمل فضل عقلك عن النَّاس". هذه هي العلاقة الصحيحة بين المُثقَّف والسلطة.

هذه العلاقة فيها نزاعٌ خفي وتعاونٌ ظاهر في أوج نجاح المجموعات السياسيَّة والعقائديَّة إذا كان المُنظِّرون والمُتدبِّرون يمسكون بدفَّة القيادة ولكن سرعان ما ينقلب الأمر عندما يضمحلُّ نشاط المجموعة ويتقلَّد رئاستها العمليُّون والحركيُّون فيظهر النِّزاع ويخفي التَّعاون.

وتظهر في الأحزاب السياسيَّة في شكل تنازع بين ما يُسمَّي الكادر السياسي مع الكادر المُثقَّف، والذي يؤدِّي في النِّهاية لمغادرة الكادر المُثقَّف لأنَّه أكثر ولاءً للمبادئ والمُثل العليا من العمليِّ البراغماتي الذي يفضِّل العمل السياسي، والذي قد يعمل بمبدأ الغاية تُبرِّر الوسيلة لأنَّه ربما تكون الحقيقة نسبيَّة عنده، فيما عدا ما يؤمن به، فهو لا يستطيع أن يري خارج إطار حقيقته.
ولأنَّ المُثقَّف لا يستسيغ المؤامرات والدَّسائس والأسرار ولكنَّه يبحث عن طلاقة الحقيقة والفكر، والعمل بشفافيَّّة ويطلب تناسق الفكر مع السلوك، لذلك يترك مساحة للشكِّ المنهجيِّ في عقله ولا يسجنه في سجن الأيديلوجيَّة، لأنَّ الوعي لا يجلب سوي المزيد من الشقاء للمفكِّر لوعيه بحقيقة شقاء الآخرين وعجز آلة فكره عن القضاء على شقائهم.

ربما يظنُّ النَّاس أنَّ الحركيِّ والعمليِّ يجب عليهم احترام المُنظِّر والمُتدبِّر لأنَّ ما يجمعهم هو الفكر؛ إن كان إنسانيَّاً أو إلهيَّاً، لأنَّ دور المُنظِّر والمتدبِّر هو تطوير الفكر الإنساني، أو تطوير فهم الفكر الإلهي، ولكن لأنَّ طبع الإنسان ألا يري نقيصةً في نفسه فلا يمكن أن يري للآخرين فضلاً عليه ويريد أن يثبت أنَّ عطاءه الفكري لا يقلُّ عمقاً عن المُنظِّر والمتدبِّر لأنَّ طبع الإنسان المنافسة والنِّزاع والحسد وشُحّ النَّفس.

والتَّفكُّر والتَّدبُّر يختلفان في الدَّرجة وفي التَّعامل مع الآخر فبينما، فالتَّفكُّر مهمٌّ لفهم ظواهر الأشياء ويعني تأمُّل الشئون والقضايا بتركيز التَّفكير فيها؛ أي إعمال الفكر فيها للوصول إلى نتيجة. والتَّفكُّر يكون لاكتشاف المعني الخافي المُستتر الذي إن اجتهد المُنظِّر فسيراه، فهو يستخدم الاستنباط وهو عمليَّة استنتاج تنشأ فيها النَّتيجة حتماً من المقدِّمة المنطقيَّة.

أمَّا التَّدبُّر فهو مهم لفهم ظواهر وبواطن الأشياء. والتَّدبُّر يعني لغةً التَّأمُّل والتَّفكُّر في الشأن على مهلٍ، ونظر في عاقبته لأنَّ كلمة تدبُّر مُشتقَّة من كلمة دُبر وتعني عقب أو مؤخِّر كلِّ شيء؛ أي معرفة المعني المُتواري أي المُتخفِّ عن البصر فتراه البصيرة. والتَّدبُّر يستخدم الاستقراء في الوصول للنَّتائج وهو استدلالٌ عقلي حرٌّ يثقب حُجب الأشياء ويفارق المنطق الصوري المعروف للوصول لنتيجة كُلِّية.
والحركيّ والعمليّ يفضِّلان التَّفسير كمنهج فهمٍ على التَّنظير والتَّدبُّر.

والمولي عزَّ وجلَّ يُوضِّح الفرق فيقول:
" ‫الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ". ‬‬‬
‬فالإنسان الذَّاكر في كلِّ أحواله هو الذي يعيش في اللَّحظة الحاضرة بوعيٍ حادٍّ ولا يهتمُّ بالماضي ولا بالمستقبل، ولذلك فالوعي يؤدِّي للالتفات للوجود وللتَّفكُّر فيه لأنَّه الأساس، ويؤدِّي للبحث عن أجوبة الأسئلة الوجوديَّة مثل ماذا يعني الوجود؟ ومن أين جاء؟ وما الغاية منه ومن وجودنا؟‬
والتَّفكُّر للذَّاكرين لم يكن في الوجود نفسه ولكن في كيفية إيجاده ومن ثمَّ استنباط الإجابة وهي أنَّ هذا الوجود بعظمته ونظامه لا بُدَّ أن يكون نتيجة تفكير وتخطيط وقدرة عظيمة من قوَّة عظيمة لا يمكن أن تكون في مقدرة إنسان، ولا بُدَّ من إله مُوجدٍ لا شبيه له لا يفعل الأشياء عبثاً، ولذلك انتهي القول بكلمة سبحانك وهي تعني لغةً: جلَّ شأنك وتنزَّهت عن كلِّ نقصٍ تنزيهاً لك من مشابهة خلقك.

وفي التَّدبُّر يقول المولي عزَّ وجلَّ:
" ‫أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ؟ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًاً". فالسؤال هنا عن عامل التَّناسق في المفاهيم، وعلميَّة وصحَّة محتواها الذي يتناسق مع العلوم المكتشفة بواسطة الإنسان، وترابطها لتؤدِّي رسالة واحدة برغم اختلاف السياق واستخدام اللغة والتَّعبير لأنَّ ذلك طبيعة الإنسان عندما يؤلِّف شيئاً فهو يتناقض ويُغيِّر في مفاهيمه مع تغيُّر التَّجربة والعمر. أي أنَّ الأشياء المتوارية عديدة وتحتاج لدراسة أعمق وتأمُّل متمهِّل يُقلِّب المفاهيم على وجوهها كافَّة. ‬ولأنَّ التَّدبُّر لا يتمُّ إلا بوجود ذكاءٍ عاطفيٍّ عالٍ والذي مركزه القلب فقد تساءل المولي عزَّ وجلَّ وقال: ‬‬‬
" ‫أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا‬؟" ‬‬

هذه الأساليب التَّعلُّميَّة طبع لكلِّ إنسانٍ إذا ما كان عضواً في جماعة أو في حزبٍ أو يعيش منفرداً، ولكن الذي يُقرِّر أن ينضمَّ لمجموعةٍ سياسيَّة أو عقائديَّة فدرجة الحركيّّة عنده تزيد عن الشخص الذي يتجنَّبها حتى وإن كان أسلوب تعلُّمه التَّنظير.
ولكن الحركيَّة تكون ظاهرةً في أكثر في الحركيين الصرفين، وتنحو للكُمون كلَّما اتَّجهت ناحية أسلوب تعلُّم المُتدبِّر؛ أي مع ارتقاء نوع التَّفكير، وأيضاً يقلُّ التَّعصُّب الأيديولوجي في المُنظِّر الذي يمكن أن يري ثقوب الأيديلوجيَّة ويحاول رتقها أمَّا المُّتدبِّر فبالكاد تلمح أثر الأيديلوجيَّة فيه وانجذابه لها يكون انجذاباً فكريَّاً لا حركيَّاً سرعان ما يلفظها إن تحجَّر الفكر أو تقلَّص أو لم يجد مساحة للتَّنفُّس بحريَّة. فالمنظِّرون؛ المبتدعين والمُعدِّلين والمتدبِّرون هم رئة الجماعة وبغيرهم يموت الجسم ويصير مومياء لا غير يُحنَّط في متحف الأفكار لأنَّ الحركيُّون والعمليُّون يصيرون كهنة المعبد ويصير جسم الجماعة المُحنَّط صنمهم الذي يعبدون.

ونحن نسمع بالمُفكِّر فلان ومعظم هؤلاء هم مُنظِّرون إن أجادوا أو عمليُّون في ثياب مُنظِّرين وليسوا مُتدبِّرين لأنَّهم صنفٌ نادر. وإذا ما رجعنا لتقسيمنا لمراتب العلم الأربعة لساذج، ومبتدئ أو الفطير؛ إن كان طالب علمٍ أو نصف مُتعلِّم، ولعالمٍ ولراسخٍ في العلم، فسنجد أنَّ الساذج يتوافق مع الحركيِّ أو النَّشط الذي يعتمد على حدسه وفطرته إذا كانت معلوماته قليلة لأنَّ إيمانه بالأشياء يقوم على الشُّعور وهو أعمي إلا إذا اشتغل بالتَّعليم فيصير حركيَّاً في ثوب مُنظِّر ونصف متعلِّم.

بينما المبتدئ نصف المتعلِّم هو العمليِّ، والعالم هو المُنظِّر والرَّاسخ في العلم هو المُتدبِّر. فالمتخصِّصون في التَّاريخ مثلاً الذين يستقون معارفهم من ماضي الأحداث لإعادة تحليلها وصياغتها في نماذج تُفسِّر الحاضر يكونون من المُنظِّرين، بينما الفلاسفة هم المُتدبِّرون وهناك فرق بين دارس للفلسفة مثلاً حتى وإن كان أستاذاً لها وبين الفيلسوف.
وإذا تأمَّلت فتجد أنَّ شكل المجموعة يأخذ شكلاً هرميَّاً تلقائيَّاً يمثِّل الحركيُّون قاعدته ثمَّ العمليُّون الوسط ويعلوه المُنظِّر وبجواره المُتدبِّر. وتُبني المجالس التَّنفيذيَّة بهذا الشكل من القاعدة للقمَّة التي هي الرَّأس المُدبِّر للجماعة. فبينما يستطيع من على القمَّة من استخدام أسلوب تعلُّم دونه في المرتبة فإنَّه من الصعب التَّرقِّي من قاعدة الهرم لقمَّته.
ويجب أن نفهم أنَّ المُنظِّرين ينقسمون إلى ثلاثة أنواع النَّوع الأوَّل هو الأصيل أو المبدع وهو الذي يبتدع النَّظريَّة الأصل أي يبنيها من أساسها، والنَّوع الثَّاني هو الذي يعدِّل نظريَّةً موجودةً بصورةٍ رئيسة تترك بصماته عليها وهي المرحلة الثالثة من التَّغيير، والنَّوع الثالث هو المُضيف الذي ربما يفسِّر بعض مفاهيم النَّظريَّة بغير تغيير كبير وهي مرحلة تغيير التَّفسير في أنواع التَّغيير التي تحدَّثنا عنها.
والمُنظِّر الأصيل نادر وفي غالب الأمر لا يستفيد كثيراً من نظريَّاته ولكن يستفيد منها المنظِّرون المُعدِّلون أو المضيفون إذ تغلب عليهم حركيَّتهم وعمليَّتهم فيترجمون النَّظريَّة إلى مشروع عمل.

ومثل النَّوعين الأخيرين من المُنظِّرين إذا تآمر عليهم العمليُّون، إذا تنازعوا على سلطةٍ زمانيَّةٍ أو طغت الأيديلوجيّة على عمل المجموعة، فهم يحاربون المتآمرين بلا هوادة، أو قد يتركون الجماعة ويظلُّون مًستقلِّين أو يكوِّنون مجموعاتٍ جديدة.

والمُتدبِّرون أوَّل من يترك المجموعة إذا طغت الأيديلوجيَّة، أو سادت العمليَّة وأزاحت المبادئ.
والحركيُّون أيضاً يصابون بالإحباط عندما يرون أنَّ الأمور لا تسير كما أمَّلوا برغم تضحياتهم العظيمة، فيبتعدون ولربما ينعزلون أو يكوِّنون مجموعة أخري لا قيادة واضحة لها تكون مثل مجموعات الضَّغط. والعمليُّون هم من يتشبَّث بالسفينة وإن كانت تغرق إذا أعمتهم الأيديلوجيَّة ويغرقون معها أو إذا طغت عليهم الذَّرائعيَّة فيكونون أوَّل من يقفز من السفينة.

بالرغم من أنَّ أسلوب التَّعلُّم طبع إنسانيِّ لا يمكن أن يتجنَّبه إنسان فإنَّ ديناميَّة العلاقات في المجموعات كما وضَّحنا لا تنطبق على من يرث حكماً أو قيادةً ولكن ينطبق على مؤسِّس جماعته أو مُلك أهله.
فوارث الطَّائفة أو الحزب أو الملك لا يتدخَّل أسلوب تعلُّمه في تحديد موقعه في الجماعة فهو قد يكون حركيَّاً ولكنَّه ينتهي كقائدٍ مُنظِّر لأن دوره يطلب منه ذلك وهنا تختلط الأشياء أكثر وتسود الفوضى أكثر ويزداد الأمر تعميةً إذا انضمَّ أعضاء مجموعة ذات استقلاليَّة بمجموعة قيادتها موروثة فلا القائد الوارث بقادر على الابتداع أو على القيادة ولا أعضاء المجموعة الأخرى بقادرة على التَّخلِّي عن حقوقها ولا هي بقادرة على أداء دورها.

هذه النَّماذج ضُربت لتقريب الفهم بينما يمكن للشخصِّ أن يُغيِّر من أسلوب تعلُّمه إذا أراد، أو أن يمتلك أكثر من أسلوب تعلُّمٍ، وفي الغالب فإنَّ القادة المؤسّسون للجماعات العقائديَّة هم من المُنظِّرين الذين فيهم المقدرة أيضاً على الحركيَّة وعلى العمليَّة، ولذلك فهم قادرون على إبهار النَّاس بقدراتهم المتميِّزة فبينما يمكنهم أن يتحدَّثوا بسلاسة عن النَّظريَّات ويضيفوا لها لمساتهم فهم أيضاً في مقدرتهم أن يكونوا عمليِّين وحركيِّين ولكنَّهم من الذَّكاء بحيث يستغلُّون طبائع النَّاس المختلفة لتحقيق أغراضهم وذرائعيَّتهم مستترة عن أغلب النَّاس.
ولذلك يتميَّزون بما يُعرف "بالكاريزما" ويطغي حضورهم على الآخرين ويُصاب معظم مُعجبيهم بحالة أشبه بالحبِّ الرُّومانسي أو التَّقديس إذ يُلغون موضوعيَّتهم تماماً ويُحكِّمون ذاتيَّتهم فينطبق عليهم قول الشاعر: عين الرِّضا عن كلِّ عيبٍ كليلةٌ.
ويصعب على الحركيِّ أن يتغيَّر لأعلى من مرتبة العمليِّ وكذلك فالعمليِّ لا يستطيع أن يصير مُنظِّراً وإن اجتهد أو نال من الشهادات الجامعيَّة أو فوق الجامعيَّة الكثير فهو قد يستخدم ذكاءه ويُغلِّف أفكاراً قديمة كأنَّها أفكاره ولكن لا أصالة لها ولا تجمعها جذور واحدة.

ومثل هؤلاء القادة يُكوِّنون جماعاتٍ كبيرة ومُنظَّمة مثل الجيش ولكنَّهم يُبعدون كلَّ من يرون فيه منافساً لهم أو مُفكِّراً متمرِّداً ويُقرِّبون الذين يكوِّنون مجموعة الحركيِّين والعمليِّين؛ والذين غالباً ما يغدرون بهم في النِّهاية، ثمَّ تكون لهم القيادة من بعده فيُضيِّقون على المُنظِّرين وعلى المُتدبِّرين، أي المثقَّفين، حتى يتركوا الحزب أو الجماعة وإذا قاوموا فسيطردون بناءً على مُخالفة اللَّوائح.

وينتهي الأمر غالباً بتجميد الفكر، وصنميَّة الفكرة، وتعظيم اللَّوائح والاختباء خلفها لتحقيق المآرب الخاصَّة بدعوي لمَّ الصَّف وعدم شقَّه، فيصيرون الكهنة الذين يحرسون المعبد، وينغلق نظام الجماعة على عددٍ محدودٍ يُدير القيادة ويطغي تفكير المجموعة، فينزوي المبدأ الذي قامت عليه الجماعة ويُضحَّي به في سبيل الجماعة التي تصير خاملة ويصيبها الموت البطيء.

ومُعظم الطَّاغوتيِّين من طبقة العمليِّين وطاغوتيَّتهم خبيثة ظاهرة أو مُستترة ينفر منها النَّاس، أو المُنظِّرين القادة وطاغوتِيَّتهم ذكيَّة جذَّابة تستغلَّ النَّاس وتجعلهم يحمدون الطَّاغوتيِّ على استغلالهم بل ويفتخرون بذلك.

ولأنّ النّظام المُغلق يعتمد على معلومات ناقصة أو رديئة، أو مكذوبة، ومعارف ضحلة، وكفاءات متدنَّية، فهو يستبدل الفكر والعلم بالأفكار الفطيرة المعتمدة على الحدس، فلذلك يعتمد على المصادفة وعلى المنطق العاطفي في اتّخاذ القرارات، فتتمُّ بذلك مساومة ومقارنة بين البدائل المُتاحة والمقبولة لدي المجموعة وبين بعض الخسائر الراهنة مقارنة بالخسائر اللاحقة بطريقة عمليَّة وليست مبدئيَّة، والتي تُري بعيدة وغير مُحتملة التَّحقُّق، حتى ينتهي بها الأمر إلى فوضى أكثر ودمار حتمي وهي ما تزال في غفلة نظرتها بعيدة عن الواقع.

ونتيجة تفكير المجموعة النِّهائي هو تدهور أداء وكفاءة المجموعة العقليّة لانغلاقها وعدم اختبارها للحقائق المعروضة بموضوعيّة، وبذلك تبدأ سلسلة من الاضمحلال الأخلاقي الذي يؤدِّي في النِّهاية لدمار المجموعة أو البلاد تماماً إذا ما كانت قبطان سفينة الوطن، لأنّها تصير مُفلسة وعاجزة عن اختيار البدائل الأمثل، أو للوصول للقرار الأمثل لأنّها تحصر اختياراتها في بدائل مُعيّنة لا تتغيَّر مهما بدا لها عدم كفاءتها بعد التَّجربة.
وقد يُصاب المُتفرِّج بالذهول وهو يري تصرُّف هذه المجموعة حتى يظنُّ أنَّ به أو بها خبالاً، فما تفعله لا يمُتُّ للواقع بِصلةٍ تماماً، وليس له منطقٌ واضح كمن يسعي لحتفه بيده، بحيث يعجز الفرد في هذه المجموعة من تغيير سلوكه، أو من رؤية الحقِّ حقَّاً والباطل باطلاً، لأنَّ الإنسان لا يري وجهه بغير مرآة أخيه، ولذلك يزداد في الضلال وهو يري الدُّنيا تُفتح عليه، وهو يظنُّ في نفسه خيراً ولا يتَّهمها، وهو تصديق قول المولي عزَّ وجلَّ:
" ‫فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ". ‬‬‬‬‬‬‬‬‬
وهذه السلوك المُتكرِّر نتيجة تطويع النَّفس الطَّاغوتيَّة للجزء المقاوم منها لا من أجل تقوي ولكن خوفاً من أن يفتضح أمره أو يناله عقاب:
"فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ".
وبمجرَّد أن يقتل الإنسان ضميره، وهو النَّفس اللوَّامة، يفتح الباب على مصراعيه لاستحواذ الشيطان:
"اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ ۚ أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ ۚ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ". ‬
فالأشياء البديهيَّة التي يعتقد عامَّة النَّاس في صحَّتها تجد أنَّ مثل هذه المجموعة تتجنَّبها تماماً وتفعل عكسها تماماً بل وتري نفسها الأصح وتري فعلها الأصلح.
والسَّبب في ذلك أنَّ لكلٍّ مِنَّا إطار ذهني أو فكري مُعيَّن لا نستطيع أن نفكِّر خارجه يمكن أن تُسميِّه المرجعيَّة الفكريَّة أو العقائديّة والتي يُنظِّمها منطقٌ مُعيَّن ينشأ من تلاقح الوراثة والتَّربية وسياق النشأة والمصلحة وتتحكَّم فيهم غريزة البقاء ولذلك فأيُّ فكرٍ جديد يقع خارج هذا الإطار المألوف يُقابل في أغلب الأحيان بالاستغراب أو بالرَّفض إن كان يُهدِّد غريزة البقاء.
وعند التَّمسُّك بمحتوي الإطار الذِّهني بلا ليونة عقليَّة حتى وإن ظهر الدَّليل فتُسمَّى هذه الحالة بالحالة "شبه الذُّهانية" لأنَّها لا تتبع منطقاً مقبولاً، ولكن ارتباطها بالواقع لا يزال قائماً ولكنَّها تتمسَّك بالباطل كأنَّه الحقُّ المبين برغم البرهان على فساد الرأي، أو تنبيه النَّاس وذلك دفاعاً عن المصلحة.
وهي ما يسميها المولي بالضلال أمَّا في حالة الذُّهانيَّة الكاملة فيسمِّيها بالضلال المُبين، ولذلك تتبع منطقاً داخليَّاً لا يمُتُّ للواقع بصلة لأنَّه نتاج نظامٍ مغلق.
والضلالة تعريفها أنَّها مُعتقد باطلٌ ثابت يتمسَّك به المرء حتى في ضوء البرهان وخلافاً لمنطق ومعرفة السياق المجتمعي والثقافي والذي يتَّفق على تعريف الصحيح والخاطئ، أو الحقِّ والباطل، أو الجميل والقبيح.
وقد قابل الكثير من النَّاس أمثلة للشباب الذين انضمُّوا لداعش وحاوروهم ولكنَّهم لم يروا إلا وجها واحداً للحقيقة كما آمنوا به، وأبدوا صلابة عقليَّة كبيرة حتى اتَّهمهم النَّاس بغسيل المخ أو بالضلال أو بالذُّهانيَّة وهم يرون نفس الصفات في محاوريهم.

وغالباً ما تجمع هذه المجموعات مصالح أيديلوجيّة، أو شخصيّة نفسيَّة أو اجتماعيَّة وفي غالب الأحيان تختلط المصالح فلا يتبيّن الفاصل بينها.

وقد تحتمل المجموعة القائدة الأصوات المخالفة إذا كانت تخدم غرضاً ما مثل تجميل وجه المجموعة لتبدو ديمقراطيّة التّوجّه والممارسة مثلاً، ولكنّها قد تُسكتها أو تُهدِّدها بتقليص سلطتها، أو منع مصالحها، أو قد تتخلّص منها بطردها أو اغتيالها معنويّاً أو جسديّاً إذا سبّبت إزعاجاً لها لا يُحتمل أو هدَّدت مصالح أو سلطة المجموعة.
ومثل هذه المجموعات تتحدَّث عن الخطوط الحمراء، وشقِّ الصَّف، وأهمّية قيمة الجماعة مقارنة بقيمة الفرد، وضرورة الالتزام بالقوانين والمُوجِّهات التّنظيميّة، واللَّوائح أو الفكر السائد أو ما شابه. فهي تصنع من المبادئ أصناماً تُعبد وممنوعة من اللَّمس ولذلك يصير المعبد أهمَّ من المعبود.

مثل هذا النّمط يؤدِّي لسكوت الأعضاء أو لا مبالاتهم وبعدهم النّفسي عن المجموعة الكبيرة، أو انتقاد مجموعة القيادة الصغيرة في الخفاء مع الدّفاع عن المجموعة في العلن، ولكنّ هذا السلوك للمعارضين الصامتين يشرخ جدار التماسك في المجموعة، ومع مرور الزمن تظهر شروخ أكثر ويتسرَّب الأعضاء المخلصين للفكر أو الهدف من المجموعة وينضمّ أعضاء جُدد يرون غنيمة فيجدِّدون دماء القيادة بمقايضة المصالح.

وقليلاً قليلاً يصير عدد القائمين بأمر المجموعة محدود العدد، ثمَّ تتقلّص السلطة ليد مجموعة قليلة، والتي ما تلبث أن تتقلّص في يد واحدٍ منهم تحيطه بطانة صغيرة لا تتعدَّي الخمسة أعضاء، فيُديرون أمر المجموعة الكبيرة كلِّها أو الوطن وهكذا تبدأ الشموليّة. ومن الضروري ملاحظة أنَّ هذه المجموعة تزداد قُرباً نفسيَّاً من بعضها حتى تذوب حدود ذاتيَّتها في بعضها البعض وتصير كما يقولون "كتلة ذاتيَّة واحدة"، فتتغيَّر طبيعة العلاقة من رسميَّة إلى أُسريَّة، أو قد تتباعد نفسيَّاً إذا كان هناك تنافس برغم من أنَّها تبدو في الظَّاهر متماسكة.

ومن ممارسات تفكير المجموعة الصغيرة القائدة طلب القائد لرأي الأفراد ولكن في نفس اللحظة الإيحاء لهم بالرأي المفضَّل لديه ممّا يُشجّع النّفوس المريضة على اقتناص الفرصة لإظهار ولائها للقائد وتحقيق المصالح الشخصيّة.

وهذا يعني تقليل فرصة الفكر الناقد وإعلاء قيمة الولاء للمجموعة أو للقائد على الولاء للفكر، واللجوء لإحساس دفء الانتماء على حساب برد الانعزال، والإحساس بالأمان الذي توفِّره المجموعة، وتكريس وَهْم الأبويّة أو القدسيّة للقائد الكبير، وإضفاء صفات عظيمة أو خارقة عليه لا تتوفّر في كلِّ المجموعة أو في النّاس قاطبة، بل وربط مصير المجموعة بمصير القائد ومن ثّمَّ الدِّفاع عن حصانته من المساءلة ومعاودة الحديث في كلِّ مجال عن أهمّية استمرار القائد حتى وإن كان القائد هو أُسَّ البلاء.

ورويداً رُويداً تصير القيادة أهمّ من المجموعة، وتصير المجموعة أهمّ من الفكر أو الهدف أو المبدأ الذي جمعهم، ويُصبُّ كلُّ الهمِّ على الحفاظ على القيادة، ثمَّ على المجموعة، وتسمع الأصوات المعارضة تقول أنا لا أريد أن أشقَّ المجموعة أو الجماعة أو الأفضل أن أُصلح من الدَّاخل لأنَّ الفرصة أوفر، وتراها تستخدم انتصارات صغيرة كدليل أو تبرير للاستمرار في عضويّة مجموعة تُحسُ بانحرافها أو فسادها.

أمّا الفكر أو الهدف الذي جمع المجموعة الكبيرة فيُدفن تحت ركام من النّفاق والتبريرات، ويستخدم كشعارات تخدم القيادة أو المرحلة بحيث تُسلَّط الأضواء على المكتسبات والإنجازات، مهما كانت متواضعة، وإهمال الإخفاقات أو مقارنتها بإخفاقات الآخرين المنافسين.

وكلَّما طال أمد الانتماء لمثل هذه المجموعات العقائديَّة أو الأيديلوجيَّة، كلَّما استثمر المرء من طاقته ومن عمره الكثير في سبيل المجموعة حتى تختفي الحدود بين ذاتيّة العضو وذاتيّة المجموعة فتتمازجان، وبذلك يصير التنكّر للمجموعة أو مغادرتها أمراً صعباً بل قد يكتئب المرء إذا قرّر الانفصال، وقد يُصاب بحالة تيه فكري أو وجوديٍّ كأنّما فقد شخصاً عزيزاً عليه، ولكنّه قلَّ أن يُراجع الأساس الفكري للتنظيم، أو لطريقة تفكيره، ويظل مع ذلك مرتبطاً عاطفيّاً بالمجموعة يدافع عنها ويدافع عن الفكر ويلقي باللائمة على القيادة وعلى طريقة التَّطبيق.

مثل هذا الإنسان لا يمكنه النَّظر بموضوعيّة لفكره، أو لممارسة مجموعته، ويلجأ للتبرير ولا يمكنه أن يُصدِّق، وهو من هو ذكاءً وفطنة، أن يكون قد قضي عمره في باطل وهو قد طلب الحق.

ولنا أن نتساءل عن أسباب هذه الظَّاهرة الغريبة والمُحيِّرة للمراقب الذي يستخدم حدسه وفطرته السليمة لتقييم الأشياء. وأساس الظاهرة نفسيٌّ ينتج من تفاعل طبيعة الشخص الحيويَّة التي تتحكَّم فيها عوامل الوراثة، والتي بدورها تتفاعل مع ظروف التَّنشئة الأسريَّة والاجتماعيَّة.

فمثل هؤلاء الأشخاص يبدون في ظاهرهم كبقيَّة النَّاس، ولكنَّهم داخليَّاً يختلفون عنهم اختلافاً جوهريَّاً، فالقادة منهم غالباً ما تطغي عليهم صفات الطَّاغوتيَّة والنَّرجسيَّة والبراغماتيَّة بلا ضمير يردَّهم أو يؤنِّبهم.

والتَّابعون لهم قد يقلُّون أو يكثرون عنهم طاغوتيَّة، فإن قلَّت طاغوتيته فقد تحكمهم احتياجاتهم النَّفسيَّة الأخرى مثل رغبتهم الجامحة في العدالة الاجتماعيَّة؛ لأنَّهم ربما نشأوا في ظروف قاهرة ومحرومة من أقلِّ لمسات الإنسانيَّة، أو إن كثُرت فلأنَّ الظروف غير مواتية لهم لاحتلال مكان القائد فينتظرون في ظلِّه حتى تسنح لهم الفرصة.
وقمَّة الضَّبابيَّة تسود عندما يستخدم هؤلاء القادة المبادئ السائدة في المجتمع؛ مثل القيم الدِّينيَّة للوصول للسلطة، حيث لا مجال، في أوَّل الأمر، للسواد الأعظم من النَّاس من معرفة الحقيقة ولكن زقُّوم ثمار القادة المُداهنون تُري بعد حين.
والإنسان، كما قلنا من قبل، مجبول على التَّسلُّط والطُّغيان وإذا غلب عليه طبعه فعليه بسماع قول الإمام علي بن أبي طالب كرَّم الله وجهه وإلا فليُحضِّر نفسه لحسابٍ عسير:
من نصَّب نفسه للنَّاس إماماً، فليبدأ بتعليم نفسه قبل تعليم غيره، وليكن تأديبه بسيرته قبل تأديبه بلسانه، ومُعلِّم نفسه ومؤدِّبها أحقَّ بالإجلال من مُعلِّم النَّاس ومؤدِّبهم".

وسنواصل إن أذن الله سبحانه وتعالي
ودمتم لأبي سلمي