بسم الله الرحمن الرحيم
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

ومع اقترابنا من مرحلة طيِّ صفحات هذه السياحة الفكريَّة عن ظاهرة الفوضى فقد تبيَّنُ لنا حتى الآن أنَّها ظاهرة مُعقَّدة، لأنَّ العوامل التي تدخل في تكوينها كثيرة، والعناصر التي تُكوِّن العوامل أكثر، وكلّها تتفاعل وتُنتج لحظات مُتتالية ومُتغيِّرة من الأحداث.

وعليه فالإمساك بلحظة الفوضى؛ مثلما تأخذ صورة فوتوغرافيَّة، لا تُعطي أكثر من انطباعٍ لحظيٍّ لها لا يدخل الماضي ولا المستقبل في مسارها. والتَّسجيل الطُّولي لظاهرة الفوضى؛ مثل تسجيل الفيلم، أفضل علميَّاً ولكنَّه أصعب عمليَّاً على التَّحليل والاستدلال والتَّنظير وهو ما حاولنا اتِّباعه كمنهج؛ وهو يُعرف بالاكتشاف الـمُوجَّه، بمعني أن تعرف اتِّجاه إبحارك وتفتح عينيك وعقلك لاستقبال ما تجيء به الرِّحلة من أمورٍ مدهشة.

وحالي حال من يستلُّ خيوطاً من مشارب مختلفةٍ ثمَّ ينسجها رداءً يُغطِّي عورة جهلي أو يدفئ بردي الوجوديّ في هذا العالمٍ المضطَّرب. وأنا لست غير مُستعير لخيوط غيره لا أصالةً فكريَّةً أدَّعيها ولم أسمع نصيحة الإمام عبدالقادر الجيلاني رضي الله عنه والتي ليس لها مثيل في وصف منهج الفكر الأصيل:
"لا تستعر كلمات الصالحين وتتكلَّم بها وتدَّعيها لنفسك، العارية لا تخفي، اكتس من مالك لا من العارية، ازرع القطن بيدك، واسقه بيدك، وربِّه بجهدك تمَّ انسجه وخيِّطه والبسه". أين نحن من ذلك؟ هيهات هيهات.
لربما يكون غزلنا سميكاً يحاكي الكتَّان لا رقائق الحرير فصبراً معنا فما كلَّ الحياة حرير ولا بُدَّ من بعض خشونة لتتمَّ النِّعمة.
وعوداً على بدء إذا ركَّزنا على فهم ظاهرة الفوضى، والتي للإنسان الضلع الأكبر في إنتاجها، فلا بُدَّ من أن نضع هذا الإنسان في بؤرة شعورنا ونُلقي عليه كلَّ الأضواء الكاشفة لتعريته تماماً ظاهراً وباطناً، فمِنْ وعيه تُنتج الأفكار التي تنعكس كسلوك خارجيٍّ، وبوعيه أيضاً يتمُّ استقبال العالم وتحليله وفهمه، ومن ثمَّ إصدار قرارٍ للفعل أو عدمه. وسنبحث عن سلوك الإنسان في الجماعات السياسيَّة والدِّينيَّة والتي أوردتنا موارد الهلاك بيقينها الثَّابت بامتلاكها للحقيقة المُطلقة وطُرُق علاج مآسي الإنسانيَّة جمعاء فأورثتنا فوضى شاملة وشقاءً يلد شقاء.

فالإنسان، في سعيه لخلق نظامٍ في فوضى عالـَمَيْهِ الخارجيِّ والدَّاخليِّ، يبحث عن علاج ناجع لهذه الفوضى، وعندما يعتقد أنَّه وجده يصيح كما صاح أرخميدس: "وجدتُّهُ وجدتُّهُ"، ثُمَّ لا يلبث أن يؤمن ويبشِّر به، بل قد يقاتل النَّاس عليه.
وما هذا العلاج في جوهره إلا مجموعة أو منظومة أفكار تقوم على دليلٍ ما قد يكون دينيَّاً سماويَّاً، أو علميَّاً موضوعيَّاً، أو ذاتيَّاً عمليَّاً. وبعد أن "يكتشف" الإنسان هذا العلاج النَّاجع في نظره ويضعه في كتابٍ؛ مثل قارورة الدَّواء، يعرضه للنَّاس حاثَّاً لهم لشرائه، ومُبيِّناً فوائده مثلما يفعل مندوب شركات الأدوية.

ويجب أن نفترض حسن النِّيَّة في مثل هذا الإنسان، رغم جهله وضمر وعيه، فهو في اعتقاده قد وجد الخير كلَّه، ولكرم نفسه وحبِّه للإنسانيَّة جمعاء فلا يُريد أن يستحوذ عليه وحده، بل يريد للآخرين أن ينتفعوا به أيضاً، وفي ذلك مردودٌ له إذا تعافي كلَّ النَّاس من أمراضهم وأقلَّها الإقرار بفضله.

دأب النَّاس على تكوين جماعات حول مثل هذا الدَّواء يستخدمونه وينشرون مزاياه بين النَّاس، يدعونهم لاستخدامه طواعيةً، ولكن البعض منهم قد يصل إلى قرار أنَّ النَّاس أعدي أعداء أنفسهم، ووعيهم قاصر، وبصيرتهم غائبة، ولذلك تجوز عليهم أحكام الأبويَّة ويجب قسرهم على استخدام هذا الدَّواء وإن كرِهوا، ذلك لأنَّهم في مُقبل الأيَّام سيشعرون بالعافية ويعرفون فضل من أنقذهم من وبال أمرهم.

ولا تُوجد مجموعة إلا وتكون لها قيادة وتابعين يتقسَّمون الأدوار بينهم كديدنٍ طبيعيٍّ للبشر.

ولكي نفهم كيف يتصدَّر بعض النَّاس قيادة حزبٍ سياسي أو جماعة عقائديَّة، بينما يظلُّ البعض الآخر في الظِّل، علينا أن نرد ماء بعض المفاهيم التي تساعد على فهم عواملها وأوَّلها ما يُعرف "بالفاعليَّة والفعاليَّة، وثانيها: "أسلوب التعلُّم"، وثالثها: "أنواع التَّفكير" المرافقة لأسلوب التعلُّم، وثالثها "المقدرة على "التَّقمُّص"، ورابعها "أنواع التَّغيير".

وعند إكمال نسج هذه الخيوط المعرفيَّة المختلفة نأمل أن تتَّضح الصورة تلقائيَّاً لأنَّ هذه العوامل ستشرح كيفيَّة تدهور فعاليَّة وفاعليَّة الحزب السياسي أو المجموعة العقائديَّة من حالة العمل النَّشط والنَّجاح المشهود إلى فوضى يسود فيها تفكير المجموعة بانغلاق وتحجُّر فكرها، فينشأ لذلك التَّشظِّي البطيء باستقالة البعض وطرد البعض الآخر قبل أن تنفجر نهائيَّاً أو تتقوقع في ركنٍ تلعق جراحها وتأمل البرء.

وقبل أن نشرع في حديثنا نودُّ أن نُعرِّف الفاعليَّة والفعاليَّة ثُمَّ نُبيِّن الفرق بينهما لأنَّه كبيرٌ ومُهم.
فالفاعليَّة هي المقدرة على أداء المُهمَّة الصحيحة، والمُهمَّة قد تكون علاجاً لمرض جسديٍّ أو مرضٍ نفسيٍّ أو مرضٍ اجتماعيّ، أمَّا الفعاليَّة فهي المقدرة على الأداء الصَّحيح للمُهمَّة، وهو مثلاً كيفيَّة إعطاء الدَّواء إن كان لمرضٍ جسديٍّ أو نفسيٍّ أو اجتماعيٍّ واستجابة المريض للدَّواء.

فالدَّواء مثلاً يجب أن تكون له فاعليَّة أوَّلاً حتى تصير له فعاليَّة، بمعني أن يكون مفعوله تامَّاً ليؤدِّي وظيفته المطلوبة، أي يكون ناجعاً بما يعني صحَّة مكوِّناته، وطريقة تركيبها، وطريقة ومكان حفظها بعد التَّجربة لإثبات فعاليَّته بإصابته للهدف الذي من أجله صُنع مع عدم ضرره.

والفرق بين الدَّواء والسُّم هو مقدار النَّفع والضَّرر فإذا غلب النَّفع على الضَّرر أسميناه دواءً وإذا حدث العكس كان سُمَّاً وبالطَّبع الكثير من الدَّواء يصير سُمَّاً بينما القليل من السُمِّ قد يكون دواءً. إذن المسألة غير محسومة فهي تقع في طيفٍ يبدأ باللون الأبيض ثمَّ درجات الطَّيف من الرَّمادي قبل أن يصل إلى اللون الأسود ولكن الكثير من أصحاب الأيديولوجيات اليقينيَّة لا يرون إلا لونين فقط وينكرون ما عداهما.
فإذا تمعَنَّا في حديث المصطفي صلَّي الله عليه وسلَّم:
" ‫إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنْ‬ الدُّلْجَةِ"، فنجد فيه هذا المفهوم العلمي والذي يُوضِّح أنَّ الدَّواء يجب أن يؤخذ بمقدارٍ مُعيَّنٍ، وعلى فتراتٍ متباعدة حتى يؤتي ثمره حتى وإن كان هذا الدَّواء من المولي عزَّ وجلَّ، أي الابتعاد عن الجرعات الزائدة لأنَّها تُسمِّم الإنسان. فملل الإنسان من المرض وضيقه به واستعجاله للشفاء ليس بمدعاة لأخذ الدَّواء كلَّه في لحظة واحدة كما فعل قريب لي ودفع بحُجَّة أنَّه كان يريد استعجال تمام العافية.‬‬

وعندما تشتري دواءً فإنَّك تتأكَّد من الشركة التي أنتجته أنَّها مُسجَّلة ومسموح لها بتصنيع الأدوية، وتراجع مدَّة انتهاء فاعليَّته، لأنَّ الشركة تُوضِّح لك ذلك على الصندوق، حتى إذا تجاوز الدَّواء فترة فعاليَّته واستخدمته ولم تُشف أو أصابتك أضرار فلا يمكن أن تشتكي الشركة. وإذا كنت ذا علمٍ فيمكنك أن تُراجع تاريخ الشركة وسمعتها والبحوث التي تدعم الدَّواء. أمَّا في وطننا العربيِّ فنحن نثق في أقاربنا أكثر من ثقتنا في أطبَّائنا ونستخدم دليلاً واحداً على نجاعة الدَّواء وهو استجابتنا أو استجابة شخص نعرفه لدواء مُعيَّنٍ لحالة تشبه حالة المريض ومن ذلك تنشأ فوضى عظيمة.

ولنُقرِّب المعني أكثر لذهن القارئ فلنأخذ مثلاً ما تنادي به الأديان أو الأحزاب السياسيَّة فالكلُّ يؤمن بأنَّ ما يقدِّمه هو العلاج الفاعل الذي سيشفي علل الإنسان جميعاً، ثمَّ يسعي لإقناع النَّاس بفاعليَّة علاجها وطلب شرائه ليُجرِّبوه ليعرفوا فعاليَّته، ومن بعد التَّجربة يُقرِّروا بأنفسهم بنجاح الدَّواء أو فشله، كما تفعل شركات الأدوية.
وإذا اقتنع إنسانٌ بفعاليَّة الدَّواء المعروض فقد ينضم للدِّين أو الحزب السياسي أو الجماعة العقائديَّة أو الطَّائفة الدِّينيَّة، ويُبشِّر به ولكن هذا لا يعني أنَّ جميع النَّاس إذا تناولوا هذا الدَّواء فسيشفون.

ولا أنَّ الدَّواء الذي كان يشفي النَّاس في الماضي سيحتفظ بفاعليَّته دائماً، فمثلاً دواء البنسلين كان دواءً ناجعاً أوَّل ما اكتُشف، ولكن كانت له مشكلة أوَّليَّة وهي الحساسيَّة؛ ولذلك لم يتناوله كلَّ المرضي، ثمَّ اكتُشف لاحقاً أنَّ أنواع الجرثوميات الباكتيريَّة مختلفة ولا تستجيب كلَّها للبنسلين، وأخيراً تحوَّرت جينات الباكتيريا المُّستجيبة وقاومت مفعوله.

كلّ هذه الأسباب أدَّت لتفكير مختلفٍ انتهي باكتشاف أدوية مختلفة ولم تُصرُّ الشركة المنتجة للبنسلين على أنَّه لا بديل له، أو أصرَّ العلماء على أنَّ المشكلة في البنسلين أو في المريض، بل قادهم ذلك للتَّفكير بطريقة متفكِّرة في العوامل الأخرى وحينذاك اكتشفوا أنواع البكتريا الأخرى واكتشفوا الفيروسات التي لا تستجيب أصلاً للمُضادَّات الحيويَّة.

ولذلك لاختبار فاعليَّة دواءٍ مثلاً فالشركة تُجرِّبه على الحيوانات أوَّلاً ثمَّ على مجموعة تُمثِّل النَّاس قبل أن تعلن نجاح أو فشل فاعليَّّته؛ أي هل أدَّي المهمَّة المطلوبة منه؟ ومعني ذلك أنَّه سيؤدِّي للشفاء بأقلِّ أعراض جانبيَّة، فلا فائدة إن كان الدَّواء سيقتل الجرثومة ولكنَّه أيضاً سيقتل المريض في نفس الوقت.

ومن بعد نجاح الفاعليَّة تبيعه الشركة للنَّاس، أو في حالة فشله فتتخلَّص منه. فإذا أثبت أنَّه يؤدِّي لنفس النَّتيجة في السَّواد الأعظم من النَّاس فتُعلن الشركة فعاليَّة الدَّواء بعد أن أثبتت فاعليَّته.

فالأحزاب الإسلاميَّة أو الشِّيوعيَّة أو البعثيَّة مثلاً تؤمن بفاعليَّة منهجهم أو فكرهم، فهو مثل قارورة الدَّواء الذي تريد أن يتجرعه كلَّ النَّاس، لأنَّهم، حسب اعتقادهم، إن فعلوا ذلك فسيكون فيه الشِّفاء التَّام من فوضى الظُّلم وملحقاته إلى نظام العدالة والحريَّة والسلام.

والدَّليل الذي يقدِّمونه، والذي يعتمد على مجموعة أو منظومة الأفكار التي تُوحِّدُهم؛ إن كانت من مصدرٍ إلهيٍّ أو مصدرٍ إنسانيٍّ، هو أنَّهم شخصيَّاً باستخدامه قد تمَّ لهم الشِّفاء التَّام من كلِّ عللهم النَّفسانيَّة والاجتماعيَّة ولربما الرُّوحيَّة، فيأخذون شفاءهم الشَّخصي وروح الإخاء السائدة بينهم كدليلٍ ذاتيٍّ يصوِّرونه كدليلٍ موضوعيِّ، على "فاعليَّة "دوائهم.
أو لربما يرون أمَّة أخري قد أخذت بهذا المنهج مثل الدِّيموقراطيَّة أو الاشتراكيَّة مثلاً، وعندما رأوا ما عالجته من أمراض يشقي بها أهلهم فتبنُّوها وروَّجوا لها، أو استقوا فكرتهم من تجربة تاريخيَّة ظنُّوا في تكرارها خلاصاً للبشريَّة.
والسلوك لمثل هذه المجموعات قد يظهر أنَّه يعتمد على العلم والتَّجربة ولكنَّه، إذا ما أعملت العقل فيه، فستجده يعتمد على الإيمان فقط في نجاعة الدَّواء، وهو شيء غيبيٌّ غير قابل للتَّغيير، ولن تجد له منهجاً علميَّاً واضحاً يأخذ بكلِّ العوامل، مهما صغُرت، في الحسبان.
وكما نتذكَّر فليس لحجم العامل أثرٌ في ظاهرة الفوضى إذ أنَّ رفيف جناح فراشة في كندا قد يؤدِّي لإعصارٍ مُدمِّرٍ في المكسيك كما قلنا من قبل حسب نظريَّة الفوضى.

أمَّا إذا ما سنحت الفرصة لواحدٍ من هذه الأحزاب ليتسنَّم السلطة في بلدٍ ما فإنَّه سيحاول أن يُجرِّع كلَّ النَّاس مفاهيمه مثلما يفعل الطَّبيب مع المريض، أي بمعني آخر سيحاول أن يُغيِّره أو يغيِّر سياقه، أمَّا إذا ما تدهورت حالة المريض أو مات فمن الغالب أن يلوم المُعالج المريض ولا يلوم دواءه؛ لأنَّه مقتنعٌ ومؤمنٌ بفاعليَّته مهما بدا له من دليل.
وهو سيكون أيضاً متأكِّداً من أنَّ المريض لو أخذ العلاج بالطَّريقة الصحيحة لكان قد شُفي. وهذه ماهية الأيديلوجيَّة إذ هي تري بعينٍ واحدة ما تريد إبصاره وتغفل عن إبصار ما تحتاج رؤيته.

أمَّا إذا ما ثبت أنَّ المريض قد أخذ الدَّواء كما أراد الطَّبيب فالأمر قد يُرجع لفقدان فاعليَّة الدَّواء لطول المدَّة وليس لأنَّ أصله فاسد كما ذكر أحد أعضاء حزبٍ يصف حزبه بأنَّه كالدَّواء الذي فقد صلاحيَّته ومفعوله.

وبعض أعضاء المجموعة قد يتبيَّن لهم بعد حينٍ أنَّ دواءهم غير فاعل أو فعَّال كما ظنُّوا فيتركون المجموعة، أو يحاولون أن يُطوِّروا الدَّواء أو أن يبحثوا في أسباب فشل الاستجابة، ولكن الأغلبيَّة الباقية تُصرُّ على فاعليَّة الدَّواء وتُلقي اللوم على طريقة التَّطبيق، أو على بعض أعضائها الذين لم يلتزموا بحرفيَّة طريقة إعطاء الدَّواء لضعفهم التَّأهيلي، أو لفسادهم بعد أن وصلوا للسلطة أو لخيانتهم وتآمرهم مع الأعداء، أو لعدم تقدير الظروف المُصاحبة.
فما الذي يجعل بعض الأعضاء، بعد التزامهم الأوَّل وإخلاصهم وإيمانهم الصَّادق بنجاعة مذهبهم، يترك المجموعة أو يبتعد أو يحاول التَّغيير فيُبعد، والبعض الآخر يتمسَّك بالنَّظريَّة تمسُّك الغارق بقطعة خشب تجعله يطفو ولكن تنتهي به حيث يأخذها التَّيار؟

لنفهم الفرق بين أعضاء هذه المجموعات يجب أن نعرض لأربعة مفاهيم أخري وأوَّلها مفهوم "أسلوب التَّعلُّم" الذي ابتدعه عالم النَّفس الاجتماعي والفيلسوف الأمريكي "ديفيد كُولبْ"، ضمن ما أسماه "بالتَّعلُّم التَّجريبي" وبناه على أساس ما أسماه "بالدَّورة المُتفكِّرة أو المُتدبِّرة". وهي تعني أنَّ الأشياء تتمُّ في دورةٍ مستمِّرَّة تبدأ بالتَّجربة الواقعيَّة التي تليها مرحلة التَّفكُّر أو التَّدبُّر في الملاحظات على أداء التَّجربة، وعلى حصيلتها والظروف المحيطة بها.

وهي تعتمد على الحقائق والأرقام لا الانطباعات، والتي تقود لمرحلة التَّفكير المُجرَّد الذي يهتم بنسج المفاهيم في نظريَّاتٍ مفهومة لينتهي الأمر بمرحلة تجربة النَّظريَّة والتي ستقود مرَّةً أخري لبداية الدَّورة للتَّجربة الواقعيَّة. وقد تمَّ اختصارها في بعض الدَّوائر المعرفيَّة في ثلاث مراحل وهي التَّخطيط، العمل، المُراجعة.

وقد أضاف العالمان: "بيتر هَنِي" و"ألان ممفورد" لنظريَّة "ديفيد كُولب" في أسلوب التَّعلُّم. والنَّظريَّة تُقسِّم النَّاس إلى أربعة مجموعات، وكلُّ مجموعة تُفضِّل نوعاً مُعيَّناً من أساليب التَّعلُّم، وقد سمُّوها: النَّاشط أو الحركي، والعملي، والمُنظِّر والمُتدبِّر.

والإمام عبدالقادر الجيلاني رضي الله عنه له تقسيم مشابه يستخدم مثل بناء بيت فيقول النَّاس فيهم المؤمن العامل والمؤمن المجتهد والعارف والعالم فأمَّا المؤمن العامل فهو عامل البناء وأمَّا المؤمن المجتهد فهو بمثابة رئيس العمَّال وأمَّا العارف فهو البنَّاء والعالم فهو المُهندس. وهو تقسيم لا يختلف كثيراً عن الحركيِّ والعمليِّ والمُنظِّر الذي يقوم ببناء النَظريَّة والمتدبِّر الذي علمه أشمل ونظرته أعمق.

وسنوضِّح أنواع التَّفكير عندما نتحدَّث عن أساليب التَّعلُّم الأربعة أمَّا أنواع التَّغيير فهي أربعة:
التَّعمية، والتَّفسير الجديد، والتَّعديل، وإعادة البناء.
والتّعمية هي مثل ما يفعل الجنود عندما يلبسون ملابس تتماشي مع محيطهم فيختفون عن نظر الأعداء وهو أقلَّ أنواع التَّغيير. فمثلاً إذا ما ظهرت شروخ في حائط بيتك فأقلَّ التَّعمية هو أن تغطِّيها بستائر أو تضع عليها صورة وأعلاها أن تحشيها رملاً وتمسح عليها بطلاء.

أمَّا تغيير التَّفسير فهو أن تترك الغرفة وترحل منها لغرفة أخري فتُغيِّر اسمها لغرفة المعيشة وتُسمِّي الغرفة الجديدة غرفة النَّوم، فأنت لن تري التَّشقُّقات على حيطانها ولكنَّك لم تفعل شيئاً نافعاً يمنع الانهيار وهو نوعٌ من إنكار حدوث المشكلة.

أمَّا التَّعديل: فأن تهُدَّ الحائط وتبنيه من جديد، أو ترمِّم أساسه القديم أو توسِّع الغرفة وتحفر أساساً مُضافاً للأساس الأصل.

أمَّا إعادة البناء فهو أن تهدَّ البيت كلَّه، وتُغيِّر خارطته، وتحفر أساساً جديداً، ثمَّ تبنيه بناءً جديداً، وقد تستخدم فيه بعض مواد بناء البيت القديم أو قد تُغيِّرها تماماً.

فالتَّغيير درجات كما نسمع من أمَّهاتنا أنَّ: "العافية درجات"، وكلَّما ازداد وعيك كلَّما رغبت في الأفضل، وكلَّما ازداد علمك كلَّما فكَّرت في حلٍّ دائمٍ، أمَّا القدرة فستُحدِّدُ أيُّ أنواع التَّغيير سيمكنك إحداثه مع ملاحظة أنَّ في مضمار القدرة يدخل قابليَّة الطَّرف الآخر للتَّغيير وامتلاك الوسائل والآليَّات للتَّغيير وأوَّل هذه الوسائل هي العلم ثمَّ المهارة، ثمَّ الخبرة ثمَّ السلوك.

هذا ينطبق على أيِّ ظاهرة تغيير إن كانت لبيتٍ أو دينٍ أو شعبٍ.

أمَّا مفهوم التَّقمُّص فيعني المقدرة على الإحساس بشعور الآخرين والتَّناغم مع طريقة تفكيرهم وسلوكهم كأنَّك تعيش بداخلهم وهو ما عناه المصطفي صلَّي الله عليه وسلَّم في حديثه الشريف:
" ‫مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ؛ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى". والتَّقمُّّص هو قلب الإنسانيَّة ونقصه هو سبب العداوة المنتشرة بين النَّاس والأمم ومن أهمِّ أسباب الفوضى إذ به يتمُّ تجريم وتخوين وتكفير الغير حتى يكونوا هدفاً مشروعاً للحرب والتَّصفية المعنويَّة أو الجسديَّة.‬‬

ويجب التَّنويه إلى أنَّ هذه النَّظريَّات ليست هي الحقيقة المُطلقة ولكنَّها أدوات ومؤشِّرات تساعد على فهم الظَّواهر التي تُحيط بالإنسان أو تنشأ من أو تعود إليه. ويجب أن تؤخذ على عمومها كإشارات مساعدة على الفهم وليس كحقائق علميَّة، وإن كان هناك الكثير من البرهان العلمي الذي يسندها، ولا أن تؤخذ كمفاهيم حصريَّة صفويَّة إذ أنَّ الإنسان قد يستخدم كلَّ أساليب التَّعلُّم الأربعة مثلاً ولكن واحداً منها قد يغلب الباقين فيكون أكثر طغياناً.
ولا يعني ذلك أيضاً أنَّ الإنسان لا يمكن أن يُغيِّر من أسلوب تعلُّمه بالتَّعلُّم الواعي وإنَّما الطَّبيعة تحدِّدُ نوع أسلوب التَّعلُّم الغالب الذي قد يكون نتيجة تفاعل الوراثة مع ظروف التَّنشئة. ويجدر التَّنبيه إلى أنَّ أساليب التَّعلُّم هذه طبع وليست مُكتسبة ولا دخل لمستوي تعليم الفرد أو مهنته فيها فقد يكون من أكثر النَّاس تعليماً ولكنَّه من أكثرهم حركيَّةً أو العكس. وهي مُهمَّة لوجود كلِّ أنواعها في مجموعة واحدة لأنَّ لها أدواراً تكميليَّة لا يمكن النُّموّ بغير تلاقحها فهي تجميع لمواهبٍ شتَّي وإضافة رئيسة ولكن طغيان نوع على نوع أو محاولة نوع أداء وظيفة نوعٍ آخر هو ما يؤدِّي للفوضى. فالفكر مُهمٌّ وهو الأساس ولكنَّه بغير عملٍ يبقي كسيحاً وأسير الكتب والإمام عبدالقادر الجيلاني رضي الله عنه يقول:
"إذا لم يكن لك فعل فلا قول لك. ظاهر الأمر مُعلَّقٌ على العمل". ويقول أيضاً فالعالم حتى إذا حفظ كلَّ العلوم ولم يعمل بها يكون لا فرق بينه وبين الإنسان العاميِّ.

وأساليب التَّعلُّم تبدأ بالنَّاشط أو الحركي. وهو إنسانٌ يُفضِّل التَّعلُّم بإلقاء نفسه في خضمِّ المعركة بلا حذر وبحماسٍ شديد، لأنَّه يؤمن بقيمة العمل والتَّعلُّم من خلال التَّجربة الحاضرة وليس من بعدها، ولا همَّ له بمآل المستقبل، ولهذا فهو لا يُعطي أيِّ نوع مخالف من العطاء أيِّ قيمة نوعيَّة فعنده الخروج في مظاهرة أكبر قيمة من تأليف كتابٍ في الفكر. الحركيُّ فرعٌ لا أصل.

فهو قد يري في مجموعة المثقَّفين تجمُّعاً للسفسطة والتَّهرُّب من العمل "الحقيقي الشَّاق" الذي يحتاج لتضحية، فيطلق التَّعليقات السَّاخرة مثل: "هؤلاء يكافحون بأقلامهم وألسنتهم ونحن نكافح بذراعنا وحياتنا".

ولذلك فهو يتطوَّع لأداء أيِّ مُهمَّة تتطلَّب عملاً وتضحية جسديَّة، ويكون أيضاً الشَّخص الذي يُحضر الأكل أو المشروبات للمجموعة أثناء الاجتماعات أو يُجهِّز قاعة الاجتماع أو المنشورات ويوزِّعها. فالحركيِّ وقود نار الثَّورات التي يستدفئ بها العمليِّ والمُنظِّر إذ هم الذين يجنون أكثر الأرباح من أيِّ تغيير ثوريٍّ.
وهو لا يهاب العمل مهما كان ويدخل إليه بحياد كاملٍ، ويعتبر تضحياته أثناء نضاله؛ مثل سجنه أو تشريده، كالأوسمة التي تُزيِّن صدره بينما يُبخِّس أيٍّ عطاء آخر لا يتوافق مع ذوقه.

وهو أيضاً يصاب بالملل سريعاً إذا كان العمل سيأخذ زمناً طويلاً لتنفيذه ولذا فهو يبدو دائماً في حالة نشاط وانشغال.

هذا النَّوع من البشر تفكيره اختزالي وانفعالي بمعني أنَّه يري الأشياء أبيض وأسود وأنَّه ينفعل بالموقف ويفعل قبل أن يُفكِّر، لأنَّ قابليَّته للتَّفكُّر ضئيلة فهو يتبع عاطفته لا عقله، برغم ذكاء عقله العالي فذكاؤه العاطفي محدود كما خياله ووعاؤه الفكريِّ ضيِّق. وهو في الغالب يحبِّذ السَّماع في تحصُّله على المعلومات على القراءة أو العرض ولذلك يُحبُّ "القيل والقال" التي نهي عنهما المصطفي صلُّي الله عليه وسلَّم.

ومقدرته على التَّقمُّص لأعضاء مجموعته من الحركيّين عالية ولكن مقدرته العامَّة على التَّقمُّص الإنساني منخفضة ولذلك لا يهُمُّه مصير المخالفين لمبادئه ويصفهم بأسوأ الأوصاف، ولا يعتقد في إنسانيَّهم، ولذلك فهذا النَّوع هو الذي يقوم بكلِّ الأعمال التي تُسمَّي "قذرة" تجاه الآخرين، فهو مثل الجنود في مملكة النَّحل التي تدافع تلقائيَّاً عن ملكتها إذا ما استشعرت خطراً داهماً ولذلك فإخلاصه الأصل للمجموعة وللعمل الحركي ولوحدة المجموعة وليس للفكرة.

وهذا النَّوع أيضاً هو الذي يري أن يكون التَّغيير جذريَّاً ولكنَّه لا يمتلك معاول التَّغيير، وإنَّما يؤمن بقدرة الفكرة فقط أو القائد فقط على إحداث التَّغيير، ويبرِّر في نفس الوقت لأقلَّ أنواع التَّغيير درجة مثل التَّعمية ويلوم الآخرين المخالفين، على تعطيل العمل بينما يدافع عن القائد بطريقةٍ بدائيَّةٍ الذي ربما يعتبره شخصيَّةً فذَّة لا يجود الزَّمان بمثلها.

أمَّا النَّوع العملي فهو لا يهتم بالتَّنظير والأفكار وكيفيَّة الوصول إليها، ولكنَّه يهتم بسؤال: هل النَّماذج المعروضة ستؤدِّي الغرض بتجربتها في أرض الواقع لتغيير حياة النَّاس؟
فهو في اجتماعٍ ما مثلاً سيكون مُستمعاً للمُنظِّرين والمُتدبِّرين؛ الذين يصفون أنفسهم بالمثقَّفين، يتململ في كرسيِّه ويهمس في أذن الجالس بقربه، ثمَّ ينفد صبره ويصيح: "بعد كلِّ هذا التَّنظير فما هو النموذج الذي يمكن أن نستخدمه؟"
ويري في كلِّ العمل التَّنظيري الزَّائد عن الفكر الأصل ضياعاً للوقت، ولكنَّه يحفظ الكثير من النَّظريَّة فهماً سطحيَّاً وقاصراً فتكون في ذهنه كالجُزُر المتفرِّقة لا تناسق أو ارتباطٍ بينها. ويستخدم معرفته بثقةٍ مفرطةٍ ليبدو في ثياب العارفين المُنظِّرين، ولكنَّه أقرب للحركيِّ في أسلوب تعلُّمه، ولذلك فخياله محدود أيضاً، وإن كان يُفضِّل أن يستخدم يديه في العمل ممَّا يفسح مجالاً أكبر للتَّخيُّل لأنَّه يحبُّ النَّماذج العمليَّة. وبينما نوع تفكيره أعلى قليلاً من تفكير الحركيِّ الانفعالي ولكنَّه تفكير بدائيٌ أيضاً فهو اجتراري في أدناه وتذكُّري في أعلاه.
والتَّفكير الاجتراري هو أن تجترَّ مجموعة من الأسئلة وتُعيد مضغها، مثلما تعمل البقرة بالطَّعام، بدون التَّوصُّل لأجوبة وهو الذي يقوده لطرحها على المجموعة بعد أن يضيق ذرعاً "بفلسفتهم" لأنَّه لا صبر لديه على تحمُّل الأمور الغائمة. وفي تقريع هذا النَّوع يقول المولي عزَّ وجلَّ:
" ‫يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ‬". وأيضاً نهي المصطفي صلَّي الله عليه وسلَّم عن "كثرة السؤال".‬‬
والتَّفكير التَّذكُري هو أن تستعيد ذكري ما حدث من قبل إن كان واقعة تاريخيَّة، أو فكرة توصَّلت لها ونسيتها أو قرأتها في مكانٍ ما، فقد يكون فيها بعض الحلِّ مع إغفال السياق غالباً أو تحويره ليتلاءم مع السياق الحالي. وهذا النَّوع من التَّفكير هو السَّائد وسط ما يُعرف بالمثقَّفين إذ أنَّهم يحنُّون للماضي الجميل برومانسيَّة عالية وتجميلٍ لصوره مقارنةً بصورة الحاضر الكئيب ويقودهم هذا إلى التَّفكير الاجتراري يجترُّون الذِّكريات ويملئون بها صحراء وجودهم القاحلة.

وفي التَّفكير التَّذكُّري بعض الحل للمشكلات والمولي عزَّ وجلَّ يقول في ذلك:
" سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ". فالتَّذكُر للماضي للعظة والمعرفة لكن التَّفكُّر للحاضر للفهم وزيادة المعرفة والتَّدبُّر للمستقبل للتَّخطيط بالعلم.

فالعملي مثلاً بعد أن يسأل في الاجتماع: وماذا سنفعل؟ سيردُّ على الذي يتطوَّع بالإجابة من المُنظِّرين:
"ولكنَّنا جرَّبنا شيئاً شبيهاً بهذا في الماضي ولم ينجح؟ أو أري أن نفعل كذا وكذا لأنَّ الشَّعب الفلاني قد جرَّبه ونجح، أو أنَّ مؤسِّس النَّظريَّة قال كذا وكذا.
ومع أنَّ ذكاءه العاطفيِّ أعلي درجة من الحركيِّ إلا أنَّه ينحصر في مجال ما يظنُّ أنَّه سيخدم القضيَّة.
فالعملي يهتمُّ بتماسك جسم الجماعة أكثر من تماسك جسم المبدأ، حتى وإن أدَّي لموت الجسم، إذ هو يؤمن بالقوَّة الخشنة، ويُضحِّي بالمبدأ إن لزم الأمر في سبيل الجماعة لأنَّه في خياله لا فرق بين الجماعة والمبدأ فهو وحدة عضويَّة في ذهنه لأنَّه، حسب فهمه، لا يمكن أن يقف وحده مُعلَّقاً في الفضاء ولا بُدَّ له من مُمثِّلين.
ولا غضاضة عنده إذا تضرَّر البعض منهم فذلك من طبيعة العمل إذ لا بُدَّ من التَّضحية وهو ما يُفسِّر مقولة: "الثَّورة تأكل بنيها".
ولذلك فطبعه يجنح للعنف وإن كان يترك تنفيذه للحركيِّ، وغالباً ما يأخذ الأشياء بجدِّيَّةٍ طاغية وتفتقر روحه للمرح.
فهو هو السَّبب لامتلاك العمليِّين لزمام الأمور في الحزب أو الجماعة والمُضحَّي بهم من الأعضاء دائماً هم زمرة المُثقَّفين الذين يقفون مع المبدأ ويبتعدون عن الذَّرائعيَّة التي يُفضِّلها العمليُّون. وهو فرعٌ لا أصل وتبدأ دورة الفوضى عندما يحاول أن يصير ساق الشجرة لا فرعها.
أمَّا إذا ما اقتنع العمليُّ بالنَّموذج المطروح، لأنَّه شكوك يبحث عن يقين لعدم استطاعته التَّعامل مع حالة اللايقينيَّة، وهذا نتاج طريقة تفكيره الصَّلبة التي لا مُرونة فيها ولا مقدرة على التَّجريد، فسيبدأ مباشرة في التَّفكير في الخطوات العمليَّة لتنفيذ النَّموذج. ومقدرة التَّقمُّص عند هذه المجموعة ضئيلة جدَّاً أو منعدمة تماماً وتغلب عليهم الطَّاغوتيَّة لذلك لا يُبدون رحمةً ولا يتردَّدون في إيذاء أحدٍ إن كان ذلك سيخدم قضيَّتهم.
ولذلك فالعملي إداري ومُنفِّذ جيِّد، ولهذا السَّبب فهو غالباً ما يتبوَّأ مركزاً مُتقدِّماً في المجلس القيادي أو اللجنة المركزيَّة للحزب، وفي الغالب فأكثر أعضاء هذه المجالس أو اللِّجان من العمليين، أمَّا إذا ما اختفي المؤسِّس والرَّئيس لأيِّ سببٍ ما فغالب الأمر أن يستولي "العملي" على دفَّة القيادة.

مشكلة العمليين أنَّهم قد ينزلقون للذَّرائعيَّة؛ حيث الغاية تُبرِّر الوسيلة، لأنَّ عليهم عبء تنفيذ المقترحات أو النَّظريَّات. فهم يتعاملون مع واقعٍ مُعقَّدٍ يحتاج الإنسان فيه لاختصار المسافات والزَّمن بوسائل غير أخلاقيَّة أحياناً إن كان يُريد عملاً مُنفَّذاً في الحاضر ليعرضه على لجنته أو على مجلسه.

ولذلك فهم الذين يُنتخبون لأنَّهم يُرَوا على أرض الواقع يُنفِّذون الأعمال فترتبط باسمهم، فيعلو صيتهم بينما المنظِّرون والمُتدبِّرون في الظِّل لا تُعرف قيمتهم ولا تُقدَّر.
والعمليِّ يتوق للتَّغيير الجذري ولكنَّه يرضي بالتَّعمية أو التَّفسير كخطوة أولي ويري في التَّعديل مساومة غير مقبولة.

أمَّا النَّوع الثَّالث فهو المُنظِّر وهو يُفضِّل أسلوب تعلُّم مختلف وهو محاولة فهم النَّظريَّة وراء الظَّاهرة أو الفعل. فهو أصلٌ لا فرع ويُمثِّل السَّاق الذي يحمل الفروع. فهو ذو ذكاءٍ عاطفيٍّ أعلي من العمليِّ ولكن في إطار التَّنظير والمواءمة بين النَّظريَّة والواقع مع انحيازٍ للنَّظريَّة أكثر من الواقع وإغفالٍ لعواملٍ مُهمَّة يمكن أن تهزَّ نظريَّته أو يهزَّ تطبيقها فولاؤه الأيديولوجي للنَّظريَّة أكبر من ولائه للنَّاس فإثبات صحَّة نظرته ونظريَّته أهمَّّ له وإن أدَّي ذلك لضرره. وروح المُنظِّر أكثر مرحاً من غيره، وهو يظهر كإنسانٍ ساخرٍ حتى على نفسه ودرجة تقمُّصه عالية وإنسانيَّته واضحة إلا لمن يعتبره خصماً.
وله مرونة عقليَّة أكبر من الحركيِّ والعمليِّ ولذلك فهو يُحبُّ أن يتلاعب بالأفكار ولكنَّه لعبٌ جادٌّ لا يتوانى عن مهاجمة من يُقلِّل من شأنه ولكنَّه يُفضِّل القوَّة النَّاعمة في الوصول لأهدافه.

ولذلك فهو يحتاج إلى نماذج ومفاهيم وحقائق قبل أن ينخرط في العمليَّة التَّعلُّميَّة لأنَّه يُّفضِّل تحليل المعلومات ونسجها في نظريَّة مُنظَّمة ومنطقيَّة بطريقةٍ رأسيَّة. وهو كماليٌّ لأبعد حدٍّ؛ أي يسعي للكمال في نظريَّاته فلا يترك شاردة ولا واردة إلا جمعها. ودائماً ما يقضي زمناً طويلاً في القراءة والكتابة وتسويد الأوراق وإعادة كتابتها ولا ينتهي أبداً من كتابة أيّ شيء يبدأه وغالباً ما يُكمِّل الآخرون أعماله. وهو أيضاً عقلانيٌّ ومنطقيٌّ إلى أبعد الحدود.

وطريقة تفكير المُنظِّر هي تفكُّريَّة؛ وذلك يعني أنَّه يتفكَّر في الأمر ليفهم العوامل المُحيطة به والمتفاعلة معه ليستخلص منها قوانين نظريَّة، موضوعيَّة علميَّة، تشرح طبيعة الظاهرة وتخلق انطباعاً بالفهم في أذهان الآخرين. ولكنَّ المُنظِّر غير مُحايد تجاه نماذج الآخرين أو أفكارهم فيُبخِّسها أو يهاجمها لأنَّه لا يري فيها توضيحاً كافياً للظاهرة؛ وإلا لأكتفي بها.
وهو برغم ظهوره بالمُحبِّ للسلام لا يخلو من عنفٍ طبيعيِّ ولكن عنفه يكون معنويَّاً يستخدم القوَّة النَّاعمة من ترغيبٍ أو ترهيبٍ أو إبهار، وإذا أراد تدمير شخصٍ مناوئ فلا يفعل أكثر من أن يسخر منه أو يُهاجم أخلاقه أو سمعته ويُشكِّك في مصداقيَّته.

وبرغم مرونة عقله فهناك إطار لا يمكن أن يتجاوزه مهما بدا له من دليل، وعليه فتشوب موضوعيَّته بعض الذَّاتيَّة والتي تُترجم إلى نوعٍ من الإيمان الغيبي بالفكرة التي تصير غير قابلة للنَّقد.
فهو يري الأشياء من خلال إطاره النَّظري فقط بصلابة عقليَّة ولا يمكنه أن يهضم فيها نماذج سابقة إلا إذا كانت تتَّسق مع إطاره، ولا يستسيغ أيِّ تفكيرٍ يعتمد على الحدس أو الذَّاتيَّة إلا حدسه وذاتيَّته هو. وهو أكثر أصالة فكريَّة من الحركيِّ والعمليِّ إذ أنَّ الأفكار آلاته المفضَّلة. ومستوي التَّغيير الذي يؤمن به المُنظِّر هو إعادة البناء وإن كان سيرضخ لمرحلتيّ التَّعمية وتغيير التَّفسير كمسألة مرحليَّّة عابرة.
فأكثر النَّاس كلاماً في اجتماع المجموعة عند مناقشة مسألةٍ فكريَّة هو المُنظِّر، وهو عادةً القائد وعادةً ما يكون مُنظِّراً مُعدِّلاً لا مُنظِّراً أصيلاً ولا مُضيفاً، وأكثرهم مقاطعة هو الحركيِّ والعمليِّ، فالحركيِّ يريد حلَّاً سريعاً، والعمليِّ يريد حلَّاً عمليَّاً نافعاً بينما أكثرهم صمتاً المُتدبِّر.

أمَّا النَّوع الرَّابع فهو المُتدبِّر فهو الأكثر أصالة في الفكر وهو أصلٌ لا فرع ويُمثِّل الجذور. وهو أكثر النَّاس صمتاً في اجتماع المجموعة لأنَّ أسلوب تعلُّمه هو ملاحظة الآخرين والتَّفكُّر في كلامهم وفي الذي يحدث أمامه من وجهات نظرٍ كثيرة، ويفضِّل أن يكون جالساً بعيداً عن مركز النِّقاش ليجمع معلوماته يُقلِّبها في ذهنه قبل أن يصل بها إلى مُحصِّلة مُعيَّنة. ولذلك فهو موجود مخفيّ مثل جذور الشجرة يمتصُّ غذاءه من كلِّ المشارب، ولذلك فنوع تفكيره تدبُّري وأفقي يري الماضي والحاضر والمستقبل، ولذلك نسمع أنَّ فلاناً واسع الأفق، أو يري ما وراء الأفق، أي أنَّه يُقلِّب الأمور على وجوهها جميعاً وينظر للمفاهيم المخالفة بحيادٍ أكثر من غيره ويضيفها لحصيلته من المعارف إن رأي فيها منفعة أو دليلاً علميَّاً.
وهو تُحيطه السَّكينة والوقار وحسن الخلق وله روحٌ مرحة مشهودة لا تُحرِّكه الزَّوابع ورؤيته ثاقبة لأنَّ له مرونةً عقليَّة كبيرة وذكاؤه العاطفيِّ الأكبر وأيضاً مقدرته على التَّقمُّص. مثل هذا الشخص يكون فيلسوفاً أو مُحبَّاً للفلسفة ويتَّخذه القائد كمستشار. المُتدبِّر يفضِّل التَّعديل في عمليَّة التَّغيير لأنَّه أكثر النَّاس وعياً بالواقع وبطبيعة الإنسان.

وسنواصل إن أذن الله سبحانه وتعالي
ودمتم لأبي سلمي